; من فقه الدعوة.. الدعوة الإسلامية بين الخوارق والإقناع العقلي.. | مجلة المجتمع

العنوان من فقه الدعوة.. الدعوة الإسلامية بين الخوارق والإقناع العقلي..

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 29-أغسطس-1978

مشاهدات 67

نشر في العدد 410

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 29-أغسطس-1978

أسلوب الدعوة الإسلامية وأساليب الإقناع السابقة

مد الله سبحانه أنبياءه الكرام بأسباب كثيرة من الإقناع، وكان على رأس هذه الأسباب، إحداث ما هو خارق للعادة، وكانت هذه الظاهرة تشكل سبيلًا بارزًا من سبل الإقناع، إن لم تكن السبيل الأوحد، ولعل في الخوارق التي أجراها الله سبحانه على يد رسوليه الكريمين عيسى وموسى عليهما السلام أبرز الشواهد على المعجزة الحسية الخارقة للعادة والمألوف، فانقلاب العصا إلى أفعى أمام فرعون وجماعته، كان سببًا في إيمان كثير من الذين يتخذون فرعون إلهًا من دون الله، وطغيان هذه الخارقة على ما يفعله السحرة من سحر أعين الناس كان سببًا في إيمان السحرة أنفسهم، وتصديقهم بما جاء به موسى عليه السلام، والأمر نفسه بالنسبة لإيمان بعض بني إسرائيل بالمسيح عليه السلام، حيث جرت على يديه بإذن الله خوارق حسية ناسبت عصره الذي اشتهر فيه الناس بالطب، فكان أن أدهشهم بمعجزته التي أذن الله له فيها بشفاء المرضى المزمنين وبرء الأبرص والأكمه، بل تعدت معجزته عليه السلام قوانين الطبيعة كليًا حيث أحيا الموتى بإذن الله.

كانت هذه المعجزات هي الأنسب في دعوة الإسلام آنئذ أما بالنسبة لرسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، فإن ما وقع له من المعجزات، لم يكن هو الأساس الأول في دعوة العرب وإيمانهم به وبالله الواحد الأحد، وإذا تأملنا فيما جرى للرسول صلى الله عليه وسلم من معجزات، فإننا لا نجد له معجزة آمن معها الكفار المعاندون، على أن المعجزات المادية الخارقة للعادة والمألوف، إنما تكون حجة على ما شاهدها، وبما أن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم جاءت للناس عامة في كل زمان ومكان، فإنها لم تجعل خوارق العادات هي الأساس في دعوة الناس، وإلا فكيف يؤمن بدعوة محمد من لم يشاهد محمدًا ومعجزاته؟.. واضح جلي أن المسلمين الذين لم يروا محمدًا عليه الصلاة والسلام، ولم يشاهدوا معجزاته، آمنوا به وبدعوته إيمانًا عقليًا محضًا، وكان إيمانهم بدعوته بسبب الأدلة العقلية القاطعة على صدق دعواه النبوية، ومن هذه الأدلة العقلية: القرآن الكريم، فإنه معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي معجزة عقلية، تلزم كل عاقل منصف على الإيمان بها، والإيمان بصدق محمد صلى الله عليه وسلم في دعوى الرسالة.

وهذا يختلف تمامًا عن سير الأنبياء السابقين المحفوظة لدى أتباعهم، فهي تدلنا على أن الناس لما آمنوا بهم لما رأوا على أيديهم من معجزات وخوارق، دون أن يحكموا عقولهم في مبادئ دعواتهم فتذعن لها، وأعود فأضرب المثل على ذلك بشكل واضح بما أجراه الله سبحانه على السيد المسيح عليه السلام، فإن أدله حكى لنا في القرآن الكريم، أنه جعل الدعامة الأولى في إقناع اليهود بصدق رسالته، أنه يبرئ الأكمه والأبرص، ويشفي المرضى، ويحيى الموتى، وينبئهم بما يأكلون وبما يدخرون في بيوتهم، وكل ذلك بإذن الله جل شأنه، ذلك أن الوعي العقلي عند أولئك الأقوام كان أقرب إلى استيعاب المحسوسات من استيعاب الفكرة والأمور التي تعتمد على التفكير العقلي، والأناجيل الحاضرة بين أيدي المسيحين في هذا العصر، تروي لنا أن هذه المعجزات، هي وحدها التي كانت سببًا في إيمان الجماهير دفعة واحدة به، لا على أنه رسول كما يحكي القرآن الكريم، بل على أنه إله وابن إله -وحاشا لله من ذلك- وقد انتشرت المسيحية بعد المسيح عليه السلام، بالمعجزات وخوارق العادات، وفي سفر أعمال الرسل أكبر دليل على ذلك، حتى ليصح لنا أن نطلق على المسيحية التي يؤمن بها أتباعها أنها دين قام على المعجزات، والخوارق، لا على الإقناع العقلي، وهذا ما يقوله الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله، ومن هنا نرى هذه الميزة الواضحة في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، أنه ما آمن به واحد عن طريق مشاهدة لمعجزة خارقة للمألوف، بل عن اقتناع عقلي وجداني، وإذا كان الله جل وعلا قد أكرم رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم بالمعجزات الخارقة، فما ذلك إلا إكرام له عليه الصلاة والسلام، وإفهام لمعانديه المكابرين، ومن يتبع القرآن الكريم وجد أنه اعتمد على المحاكمة العقلية في الإقناع، والمشاهدة المحسوسة لعظيم صنع الله سبحانه، والمعرفة التامة بما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام من أمية تامة، تجعل إتيانه بالقرآن الكريم، دليلًا على صدق رسالته.

يقول الله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ ۖ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ *  أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، (العنكبوت: ٥٠، ٥١) ولما اشتط كفار قريش المعاندين المكابرين في طلب المعجزات من رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كانت تفعل الأمم السابقة مع رسلها، أمره الله سبحانه أن يجيبهم على طلبهم بقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا﴾ (سورة الإسراء:93) وذلك يبرز في معرض ذكر الله في سورة الإسراء لما يطلبه هؤلاء من فنون المعجزات الحسية، يقول تعالى: ﴿وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا  أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تتَفْجِيرًا أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ ۗ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا﴾. (الإسراء: ٩٠-٩٣)

بهذا المفهوم الجلي الواضح لدعوة محمد صلى الله عليه وسلم، يقرر القرآن الكريم بصراحة ووضوح، أن محمدًا صلى الله عليه وسلم إنسان رسول، وأنه مرسل من الله سبحانه لتبليغ دعوته للناس، وأنه لا يعتمد في دعوتهم على الخوارق والمعجزات التي اعتمدها الرسل قبله، وإنما بعث ليخاطب العقول والقلوب، ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ ( سورة الأنعام 125:).

وهنا يوضح القرآن الكريم أن الخارقة ليست هي الوسيلة الضامنة لإيمان المجتمعات الإنسانية بالوحدانية، وقد ضرب القرآن الكريم المثل بأهل ثمود، الذين جاءتهم البينات والمعجزات على يد النبي صالح عليه السلام، فقد أرسل الله إليهم الناقة وفق ما طلبوا واقترحوا، وكانت لهم آية واضحة، إلا أنهم ظلموا بها أنفسهم، ولم ينفذوا ما طلبه منهم نبيهم صالح عليه السلام، فأوردوها موارد الهلكة، فكان أن أهلكهم الله سبحانه، تصديقًا لوعده بإهلاك المكذبين، وما كانت الآيات المعجزة التي أجراها على أيادي الرسل إلا وسائل محنة واختبار، ولم تكن إلا إنذارًا وتخويفًا بحتمية الهلاك لمن يكذب ويفتري ويصد عن أمر الله بعد مجيء الآية البينة، وبما أنه لم يؤمن على أساس الخارقة إلا القليل القليل من الناس، وهم الذين كانت قلوبهم أصلًا مستعدة للإيمان، ومن هنا جاءت الرسالة الأخيرة العامة غير مصحوبة في أساسيات دعوتها بالخوارق، وقد وضح القرآن ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ ( سورة الإسراء:  59) وفي هذا الصدد يضرب الله المثل بأهل ثمود فيقول: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ ( سورة الإسراء:  59) 

وما شأن الخوارق التي وقعت للرسول صلى الله عليه وسلم؟ إن ما أجراه الله من هذه الخوارق على يد الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن أساسيًا في الدعوة والتبليغ، ولم يكن لدعوة عالمية مستمرة بعد وفاة الرسول وانتقاله إلى الرفيق الأعلى أن تعتمد على الخوارق الحسية، وإلا فإن الإسلام والدعوة سوف ينتهيان بانتهاء المعجزة الحسية بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، وحادثة الإسراء مثلًا، لم يتخذها الرسول معجزة مصدقة للرسالة، وإنما جعلت فتنة وبلاء وامتحانًا للناس، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ ۚ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ۚ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ (سورة الإسراء: 60). هذا وقد ارتد بعض من آمن بالرسول صلى الله عليه وسلم بعد حادثة الإسراء، كما ثبت بعضهم في هذا الإيمان وازداد إيمانًا ويقينًا، ومن ثم كانت تلك الحادثة فتنة وابتلاء لإيمان الناس، أما إحاطة الله بالناس فقد كانت وعدًا من الله لرسوله بالنصر، وعصمة له من أن تمتد أيدي الأعداء والكافرين إليه، إن موقف مشركي قريش من حادثة الإسراء، ومن الخوارق التي ظهرت على يد الرسول، لم يكن موقفًا يستجلب إيمانهم وتصديقهم، فماذا إذن تنفع الخوارق بهم؟ وماذا كانت نتائجها لو كانت هي الوسيلة الأساسية في دعوة محمد صلى الله عليه وسلم؟ كما كانت علائم ودلالات الرسالات من قبله.

إن تجارب الرسل عليهم السلام مع البشر ودعوتهم وتخويفهم بالخوارق اقتضت أن تجيء الرسالة الخاتمة الأخيرة معتمدة على وسائل أخرى، غير مصحوبة بالخوارق والمعجزات الحسية بشكل تقوم عليه الدعوة وذلك لأنها رسالة لجميع الأجيال البشرية المقبلة، وحتى قيام الساعة، ومن أجل هذا اقتضت أن تكون وسائلها معتمدة على مخاطبة العقل البشري، ومناقشة المدارك الإنسانية للناس كافة، جيلًا بعد جيل، فالرسالة ليست رسالة جيل واحد، وليست خاصة بقومية أو إقليمية، إنها رسالة عالمية إنسانية متكاملة، صالحة في تشريعها لكل أمة في كل زمان وفي كل مكان، إنها رسالة تهدف إلى إرشاد البشرية كلها إلى الأصلح لها في دينها ودنياها، وهي لذلك تحترم العقل البشري، وتحترم إدراكه، والقرآن مليء بالشواهد الموحية بذلك، وقد ذخرت آياته بمخاطبة العقل والإدراك الإنساني، وفي هذا احترام كبير لهذا الكائن العاقل المتفكر، وهذا أيضًا يميز الإنسان بعقله وبشريته وإنسانيته عن كافة المخلوقات، لذا كان مكرمًا على كثير من خلق الله.

وأخيرًا نقول: إن معجزة الإسلام الأساسية هي معجزة عقلية، قائمة على القرآن الكريم، والقرآن الكريم بالتالي هو الكتاب الخالد، الذي يرسم للإنسان منهجًا متكاملًا لهذه الحياة، منهج رباني يخاطب العقل، ويلامس القلب، ويلبي الفطرة القويمة السليمة، ويبقى هذا المنهج وهذا الكتاب مفتوحًا على مدى الزمن، يبقى مفتوحًا للأجيال المتتابعة تقرؤه، وتهتدي بهديه، وتؤمن به إلى يوم القيامة، فهو لكافة الناس، أما الخارقة المادية، فهي تخاطب جيلًا واحدًا من الناس، وتقصر في دعوتها على من يشاهدها من ذلك الجيل، فإما التصديق، وإما الفتنة والسقوط والتكذيب للاختبار، وأمتنا هذه لم تزل ولن تزال ما دامت السموات والأرض، بحاجة ماسة إلى معجزة الإسلام الخالدة المتمثلة بالقرآن الكريم، وفقنا الله لما يحبه ويرضاه آمين.

الرابط المختصر :