; من فقه الصيام | مجلة المجتمع

العنوان من فقه الصيام

الكاتب أ.د. عجيل جاسم النشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 23-يناير-1996

مشاهدات 75

نشر في العدد 1185

نشر في الصفحة 60

الثلاثاء 23-يناير-1996

اختلاف رؤية الهلال بين بلد وأخرى:

السؤال: لماذا يختلف المسلمون في بداية الصوم، وقد يكون بين بلدة وأخرى يوم أو يومين أو ربما أكثر وهذا مظهر من مظاهر الاختلاف، فما هو السبب في هذا الاختلاف؟ وهل يمكن توحيد الرأي في هذا الموضوع؟ 

الجواب: هذا الموضوع يرجع إلى اختلاف المطالع بالنسبة لطلوع الشمس وزوالها ثم غروبها، وبعض البلاد قد ترى الهلال قبل غيرها، وقد اختلف الفقهاء في اعتبار اختلاف المطالع وعدم اعتبارها، فلو رأى أهل بلدة الهلال، فهل يلزم بقية البلاد أن تصوم مع هذه البلدة، رغم أن الهلال لا يرى عندهم في هذا الوقت.

فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية ومالك وأحمد إلى عدم اعتبار اختلاف المطالع، فإذا رأى الهلال أهل بلدة لزم سائر المسلمين الصوم. 

واستندوا في ذلك إلى حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله r: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته» «الشيخان».

فخطاب النبي r عام، لم يخصص بلدة أو قومًا معينين، فإذا ثبتت الرؤية بطريق شرعي فيلزم سائر المسلمين الصوم وهذا الرأي هو الذي ينبغي الأخذ به لما فيه من توحيد رأي المسلمين في مظهر فريضة من فرائض الإسلام، ولا شك أن وسائل الإعلام لها دور سريع في توصيل مثل هذه الأخبار، بحيث يتم الصوم في وقت محدد في جميع الأقطار. 

وهناك رأي آخر وهو للشافعية وبعض الفقهاء أن لكل بلد رؤيتهم ولا يلزم من لم ير الهلال أن يصوم برؤية من رآه، لأنه مخاطب بما يعلم وهو لم ير فلا يجب في حقه الصوم.

ويستند هذا الرأي لما روى مسلم عن «كريب أن أم الفضل ابنة الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، فقال: قدمت الشام فقضيت حاجتها، فاستهل رمضان وأنا بالشام فرأينا الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتموه؟ قلت: رأيته ليلة الجمعة، قال: أأنت رأيته؟ قلت: نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، قال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل الثلاثين أو نراه، فقلت: أفلا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ قال: لا.. هكذا أمرنا رسول الله r».

وقد أجاب جمهور الفقهاء على هذا الحديث بردود ليس هذا محل تفصيلها، وعلى كل حال فإن الأمر فيه سعة، فإن أمكن اجتماع المسلمين على بدء الصوم فهذا هو الأولى والأفضل، وإن لم يجتمعوا فيسعهم ذلك وصومهم صحيح، ولعل هذه السعة تناسب بعض الظروف التي يسود فيها الخلاف بين المسلمين لأي سبب كان والظروف التي يرتفع فيها الخلاف..

حكم السفر في نهار رمضان:

السؤال: شخص يريد السفر في أيام رمضان، فمتى يجوز له الفطر؟ هل يصبح مفطرًا ولو كان سفره وقت الظهر أو العصر؟

الجواب: إذا كان السفر أثناء النهار فلا يجوز للصائم أن يفطر وعليه أن يتم صيام هذا اليوم، وهذا مذهب جمهور الفقهاء، ولا كفارة عليه لو أفطر.

وذهب الحنابلة أن له أن يفطر، إذا كان سفره أثناء النهار، إذا جاوز مدينته أي بدأ بالسفر كركوب الطائرة أو ابتعاد السيارة عن المدن.

واستدلوا بحديث جابر t أن رسول الله r خرج إلى مكة عام الفتح فصام حتى بلغ كراع الغميم، وصام الناس معه، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وأن الناس ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر، فشرب والناس ينظرون إليه- فأفطر بعضهم، وصام بعضهم فبلغه أن أناسًا صاموا، فقال: «أولئك العصاة» «مسلم ٢/٧٨٥»

وقالوا: إن الفطر مع السفر كالفطر للمرض الطارئ، إلا أن الحنابلة قالوا: إن الأفضل لمن سافر في أثناء النهار إتمام الصوم، خروجًا من خلاف من لم يبح له الفطر، وهو قول أكثر العلماء تغليبًا لحكم الحضر، كالصلاة.

لكن لو أن المسلم بدأ السفر قبل الفجر فله أن يفطر باتفاق الفقهاء لأنه متصف بالسفر عن وجود سبب الوجوب.

التعب الشديد أثناء الصوم:

السؤال: امرأة صامت ولكنها شعرت أثناء النهار بتعب شديد يصعب عليها الاستمرار بالصوم، فهل يجوز لها أن تفطر؟ وإذا أفطرت ماذا يجب عليها؟

الجواب: إذا تعبت تعبًا شديدًا بحيث تتضرر لو استمرت في الصوم، أو غلب على ظنها ذلك فلها أن تفطر.

بل يجب الفطر إذا خافت على نفسها، لأن حفظ النفس واجب، وتعتبر في هذه الحالة كالمريضة تفطر لسبب المرض، لكن لا يجوز لهذه المرأة أن تفطر اليوم التالي بناء على تعبها اليوم الأول ويكون حكمها حكم أصحاب المهن الشاقة، وعليها أن تنوي الصيام في الليل وتستمر على صومها حتى تلحقها المشقة وتحس بالتعب فتفطر حينئذ، ويجب عليها فيما سبق أن تقضي هذا اليوم فيما بعد.

مداعبة الصائم لزوجته:

السؤال: شخص صائم وداعب زوجته فأنزل، فماذا يجب عليه؟

الجواب: إذا تم إنزال بهذا الفعل وهو المداعبة أو اللمس، أو ما إلى ذلك فيجب عليه القضاء دون الكفارة عند جمهور الفقهاء -عدا المالكية- فيجب عندهم القضاء والكفارة. 

أما إذا نزل المني منه بمجرد الفكر فذهب الحنفية والشافعية أنه لا يفسد الصوم لأنه يشبه الاحتلام في هذه الحالة. 

وذهب المالكية إلى أنه يفسد الصوم ويجب في هذه الحالة القضاء فقط، وهذا إذا لم يستدم الفكر أو النظر، فإن استدامها إلى أن أنزل فإن كان ذلك عادته فعليه الكفارة وإن لم يكن عادته فقولان والحنابلة يفرقون بين النظر والفكر، ففي النظر يفسد الصوم دون الفكر فلا يفسد.

حكم صيام الصبي الذي بلغ في نهار رمضان:

السؤال: ما حكم الصبي الذي بلغ في نهار رمضان، هل يجب عليه صيام أو يصومها الأيام الباقية فقط ويقضي الأيام التي فاتته قبل البلوغ؟ 

الجواب: معلوم أن الصبي إذا بلغ السابعة فإنه يؤمر بالصلاة، فإذا بلغ العاشرة يضرب إن ترك الصلاة، وهذا الضرب ضرب تأديب، ليعتاد على الصلاة ويلتزم بها عند البلوغ.

وكذلك الصوم إلا أنه مشروط بقدرة الصبي على الصوم، فإذا كان قادرًا أمر وإلا فلا يؤمر، وأما بالنسبة لبلوغ الصبي أثناء نهار رمضان فبالنسبة لهذا اليوم فقد اختلف الفقهاء فيه فذهب الحنفية والحنابلة إلى وجوب الإمساك لهذا اليوم لحين وقت الإفطار، وذهب الشافعية إلى استحباب أن يمسك ذلك اليوم، والمالكية لم يوجبوا عليه ذلك ولم يعتبروه مستحبًا، ولعل دليل الحنفية والحنابلة أقوى من غيرهم لقول النبي الله r في فرض صوم يوم عاشوراء قبل أن ينسخ: «من كان منكم أصبح مفطرًا فليمسك بقية يومه، ومن كان أصبح صائمًا فليتم صومه» «البخاري ٤/٢٠٠، ومسلم 2/۷۹۸».

أما بالنسبة لقضاء الصبي اليوم الذي مبلغ فيه جمهور الفقهاء ولا يوجبون عليه القضاء مطلقًا، لكن الحنابلة فصلوا في حكم ذلك فقالوا: إذا لم يكن الصبي قد نوى الصوم ثم بلغ فعليه أن يمسك ذلك اليوم ويقضيه، وأما إذا نوى الصبي صوم هذا اليوم ثم بلغ أثناء نومه فإنه يمسك ذلك اليوم ولا يقضيه، وأما أيام رمضان التي لم يبلغ فيها فلا خلاف في أنه لا يقضيها..

شم الروائح العطرية وخروج القيء:

السؤال: ما حكم شم الروائح العطرية أثناء الصوم هل تبطل الصيام أم لا تبطله؟ وهل خروج القيء يبطل الصوم؟

الجواب: شم الروائح العطرية بكل أنواعها لا تفسد الصوم.

أما بالنسبة لخروج القيء، فإذا خرج دون إرادته ورغمًا عنه فإنه لا يبطل الصوم، إذا لم يعد منه شيء إلى جوفه الحديث أبي هريرة t: أن رسول الله r قال: «من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدًا فليقض»، «قال الترمذي: حسن غريب، تحفة الأحوذي٢/ 44».

الإغماء ومواصلة الصوم:

السؤال: ما حكم الشخص إذا نوى الصيام من الليل وأمسك وطرأ عليه أثناء النهار إغماء لأي سبب كان، ولم يفق من الإغماء إلا بعد الإفطار، وهو لم يأكل شيئًا في هذه المدة، فهل يعتبر صائمًا هذا اليوم؟

الجواب: جمهور الفقهاء -عدا الحنفية- ذهبوا إلى بطلان صومه لقوله تعالى في الحديث القدسي: «كل عمل ابن ادم له إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به يدع شهوته وطعامه من أجلي» «مسلم2/807» فأضاف ترك الطعام والشراب إليه، فإذا كان مغمى عليه فلا يضاف الإمساك إليه، فلم يجزئه، لكن لو أفاق من الغيبوبة أو الإغماء أثناء النهار فيصح صومه على ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة.

الضابط للمرضع كي يباح لها الفطر:

السؤال: سيدة تقول إنها ترضع طفلها، وسمعت من يقول: إنه يجوز للمرضع أن تفطر، والسؤال هو: متى يجوز لها الفطر، هل بمجرد أنها ترضع يجوز لها الفطر، أم لا بد من حدوث ضرر إذا أرضعت؟

الجواب: يجوز لهذه المرأة المرضعة الفطر إذا خافت على نفسها أو خافت على ولدها، والضابط لهذا الخوف هو من ضرر يلحقها أو ابنها أو هما جميعًا بطرق إخبار الطبيب بأن الرضاعة تضرها أو طفلها إذا صامت أو بطريق تجربتها الرضاعة وشعورها بضرر يجعلها في حكم المرأة المريضة التي يضرها الصوم لو صامت. 

ومستند هذا الحديث أنس بن مالك أن النبي r قال: «إن الله تعالى وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم أو الصيام» «تحفة الأحوذي ٢/4٢».

والواجب على المرأة إذا أفطرت بسبب الرضاعة، أن تقضي الأيام التي أفطرتها، ولا فدية عليها، وهذا قول الحنفية والشافعي وأحمد إذا خافت المرضعة على نفسها فقط أو على نفسها وولدها، أما إن خافت على الولد فقط فعليها القضاء والفدية عن كل يوم من غالب قوت البلد، والحكم السابق بالنسبة للمرأة المرضع ينطبق أيضًا على المرأة الحامل.

الشك في طلوع الفجر:

السؤال: رجل أكل وهو يشك في طلوع الفجر، لا يدري هل طلع الفجر أم لا، فأكل ثم نوى الصيام فما حكم صومه؟

الجواب: إذا أكل وهو شاك في طلوع الفجر ولم يترجح لديه طلوع الفجر فصومه صحيح، ولا قضاء عليه عند جمهور الفقهاء -عدا المالكية- لأن فساد الصوم محل شك، والأصل هو استصحاب الليل حتى يثبت طلوع الفجر، وطلوع الفجر مشكوك فيه، وبقاء الليل هو الأصل.

الرابط المختصر :