العنوان هلال رمضان وبدء الصوم
الكاتب المستشار سالم البهنساوي
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1972
مشاهدات 101
نشر في العدد 120
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 03-أكتوبر-1972
الروية هي الأصل في معرفة دخول الشهر العربي
لقد علمنا أن الأرض تابعة للشمس فتدور في فلكها مع سائر الكواكب السيارة التي تتكون منها المجموعة الشمسية.
كما أن القمر أمُّه الأرض فهو تابع لها ويدور في فلكها، وأثناء دورانه في مساره حول الأرض قد يحتجب في منطقة ما عن ضوء الشمس وذلك لوجوده خلف الأرض فيكون مُحاقًا أي لا يُرى وقد يتعرض كله للشمس فيكون بدرًا، وبين المُحاق والبدر يتدرج الهلال في منازل قدرها الله تعالى إذ قال ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ (يونس: 5)
وقد جعل الله القمر هو المعول عليه في احتساب بداية الشهور وجعل الأشهر القمرية هي الأساس في حساب الزمن قال تعالى ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (التوبة: 36).
من أجل ذلك كانت وسيلة تحديد أوائل الأشهر العربية أمرًا بالغ الأهمية، ولقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيلة ثابتة تصلح لجميع الأماكن على مر العصور والأزمنة وهي رؤية الهلال في مطلع كل شهر عربي.
ومن ثم تحديد بداية شهر رمضان المبارك برؤية الهلال في آخر يوم من شعبان وهو يوم التاسع والعشرين، ولم يترك النبي صلى الله عليه وسلم الأمر للاجتهاد فقال فيما رواه البخاري «الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين»
ومعنى إكمال العدة ثلاثين أي تكملة شهر شعبان إلى ثلاثين يومًا وذلك عند تعذر رؤية الهلال، وهذا ما رواه البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته فإن غُمَّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا».
وأمام اختلاف أماكن الشروق والغروب التي عبر عنها الفقهاء باختلاف المطالع، فقد وضع الفقهاء قواعد، فبالنسبة للبلاد التي لا تتحد مطالعها، فمن الفقهاء من قال لا عبرة باختلاف المطالع ورؤية بعض الدول تصبح مُلزِمة للدول الأخرى، وبعضهم فرق بين البلدان المتحدة المطالع فأجاز فيها المبدأ السابق أمام البلدان المختلفة المطالع أي التي تفصل بينها مسافات شاسعة فلكل بلد رؤيته الخاصة.
ويمكن توحيد الصوم في البلاد التي تقع على خطوط طول واحدة، التي كان يقال عنها في الماضي بلاد متحدة المطالع، فتكون رؤية الهلال في إحداها رؤية صحيحة للبقية أما البلاد التي لا تقع على خطوط طول واحدة، فلا يمكن إلزامها بذلك لأنها لا يشترك بعضُها مع بعض في جزء من الليلة، ورؤية هذا الهلال فيها لا تتحقق إلا بعد طلوع الفجر وهذا يوم آخر.
وقد بحث ذلك مجمع البحوث الإسلامية في مؤتمر عقده في رمضان سنة (۱۳۸۸ه) نوفمبر سنة (١٩٦٨م) انتهى فيه أن الرؤية هي الأصل في معرفة دخول الشهر العربي وأن الاعتماد على الحساب الفلكي خطأ وألّا عبرة باختلاف المطالع متى كانت البلاد مشتركة في جزء من ليلة الرؤية، وأن اختلاف المطالع معتبر ويجب الأخذ به في البلاد التي لا تشترك في جزء من الليلة.
ومع هذا فقد رأينا اختلافًا واضطرابًا بين بعض العلماء، ففي سنتي (۱۳۸۸ه)، (۱۳۸۹ه) اختلفت بداية شهر رمضان في الدول العربية بصورة تدعو إلى التساؤل والتحفظ، ويرجع السبب في ذلك إلى عدة أمور أهمها الاعتماد على الحساب الفلكي.
الحساب الفلكي ليس رؤية شرعية:
يكمن السبب الرئيسي في الخلاف إلى أن بعض دور الإفتاء تعتمد طوال العام على الحساب الفلكي في تحديد بدايات الشهور العربية ثم تأتي يوم (۲۹) شعبان وفقًا للحساب الفلكي وتحاول رؤية هلال رمضان وقد يكون هذا اليوم هو (۲۸) شعبان أو أول رمضان طبقًا للقاعدة الشرعية الرؤية البصرية للهلال في مطلع كل شهر عربي لا في شهر شعبان وحده.
ولقد انبهر البعض بالحساب الفلكي وظنوا أنه أثبت من الرؤية وقالوا أما وقد اعتمد الإنسان عليه في حياته اليومية فيلزم أن يعقل ذلك بالنسبة لحياته المدنية لأن العين تخطئ أما الحساب الفلكي فلا يخطئ، والحساب الفلكي يعتمد على جداول حسابية حددت بدء الشهور القمرية للسنوات المقبلة فلا تُغني عن الرؤية الفعلية للهلال لأنها جداول حسابية احتمالية أي عرضة للخطأ بل لقد ثبت خطؤها عمليًّا، ففي سنة (١٣٨٩ه) سنة (١٩٦٩م) حدد الحساب الفلكي هلال رمضان بأنه سيولد مساء الاثنين (۱۰) نوفمبر وسيمكث أربع دقائق في سماء القاهرة ومكة والدول العربية المجاورة ولذلك لم يستطلع مفتي الجمهورية العربية المتحدة الهلال يوم الأحد (٩) نوفمبر لأنه يوافق يوم (۲۸) شعبان في الحساب الفلكي بينما استطلعت بعض الدول العربية الهلال في هذا اليوم لأنه يوافق عندهم يوم (٢٩) شعبان طبقًا لنظام الرؤية الذي تتبعه طوال السنة وكانت النتيجة ثبوت رؤية الهلال في ذلك اليوم وأصبح هو أول رمضان وبدأ الصوم في كل من ليبيا والكويت والسعودية والأردن وسوريا والعراق يوم الاثنين (١٠) نوفمبر الذي يعد في الحساب الفلكي يوم (۲۹) شعبان في مصر، أما مفتي القاهرة فقد حدد الصوم يوم الثلاثاء ولا خيار له في ذلك إذ لا يعقل أن تتأخر رؤية الهلال يومين بين دول متجاورة ومتحدة المطالع.
وعلى ذلك يجب استبعاد نظام الحساب الفلكي والاعتماد بشكل قاطع وثابت على نظام الرؤية ويستوي أن تتم الرؤية بالعين المجردة أو بالمنظار المكبر رؤية فعلية للهلال، أما الحساب الفلكي فهو احتمالات مستقبلة والاعتماد عليه وحده لمسنا في الواقع العملي أضرارها.
فإلى متى يظل المسلمون على هذه الحال رغم زوال أسباب الخلاف؟
إذا كانت الجداول الحسابية التي يعتمد عليها الحساب الفلكي قد وضعت بعد استقراء للهلال في عدة سنوات ماضية أمكن بعدها تحديد مواعيد ظهوره واختفائه في المستقبل قياسًا على الماضي، فإن الاعتماد على الرؤية الميدانية شهريًّا وعلى مدار السنة أكثر دقة وأكمل ضبطًا.
أما الأخذ بنظام الحساب الفلكي طوال العام، ثم التحول إلى الرؤية الشرعية في بداية رمضان فقط، فتَخَبُّطٌ واضحٌ وتَحَكُّمٌ ظاهرٌ، لا يستقيم مع النصوص الشرعية ولا يستقر أمام المتناقضات العملية بالإضافة إلى اضطرارنا إلى توحيد عيد الأضحى طبقًا للدولة العربية التي تلتزم فيه بنظام الرؤية البصرية.
فهل آن لدور الإفتاء أن تأخذ بقرارات مجمع البحوث الإسلامية؟
أثر تعذر رؤية الهلال في القطبين
القطب الشمالي والجنوبي الليل فيهما ستة أشهر، والنهار مثل ذلك، فلا تَعاقُبَ لليل والنهار بالصورة التي يعيشها سكان المناطق المعتدلة.
فكيف يصوم السكان في هذه المناطق؟
قد يقول البعض بأن التكليف بالصوم والصلاة لا محل له، لأن الله ربط ذلك بحركة شروق الشمس وغروبها بالنسبة للصلاة والصيام، كما حدد الصوم بشهر لا يعرف إلا عن طريق القمر، وذلك غير متحقق في هذه المناطق بالصورة التي نراها نحن سكان المناطق المعتدلة.
والحقيقة أن عدم استطاعة الرؤية في القطبين لا يعني انعدام المسؤولية وزوال التكليف لأن الشرع الحكيم قد وضع قاعدة ذهبية في هذا الشأن فروى البخاري ومسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» والمستطاع في هذه المناطق هو أن يتبع أهل القطبين أقرب إقليم تنضبط فيه الأوقات صلاة وصومًا، فتصبح مواقيت هذا الإقليم هي مواقيتهم.
وأهل القطبين يعتبرون ممن شهدوا شهر الصوم رغم عدم رؤيتهم لهلال رمضان لأن شهود الشهر هو حضوره أي استطاعة الصوم، وعدم شهود الشهر هو عدم استطاعة الصوم أي عدم حضوره، وذلك يكون للمريض والمسافر وهذا هو معنى قول الله تعالى ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (البقرة: 185).
فالشاهد للشهر هو الحاضر المستطيع، والغائب عن الشهر هو المريض والمسافر فرغم رؤيتهما الهلال فهما لم يحضرا الشهر ولم يشهداه لأن الشهادة ليست هي الرؤية بل هي الحضور وهي للصوم بمعنى الاستطاعة، ولقد رأينا أن الله تعالى قد وصف جانبًا من جوانب قدرته فقال عن نفسه ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ (التغابن: ١٨)
كما أن شهادة الزور أعم من قول الزور، فالأخير نوع من الكذب أما شهادة الزور فيراد بها حضور الزور من قول للزور وفعل المنكرات.
ونخلص من ذلك أن الصلاة والصوم يحضرهما ويشهدهما أهل المناطق القطبية وعليهم إقامة الصلوات الخمس وصوم رمضان وفقًا لمواقيت المناطق المعتدلة القريبة من كل إقليم، فيصبح ليل هذه المنطقة المعتدلة ليلًا للمنطقة القطبية القريبة ويصبح الأكل والشرب والجماع مباحًا في هذا الوقت بالنسبة لهذه المنطقة، وأيضًا نهار المنطقة المعتدلة القريبة لهؤلاء، هو نهار لهم يحرم نفسه الأكل والشرب والجماع، وتجب فيه الصلوات وفقًا لمواقيت هذه المنطقة، ومن تجرأ فأفتى بانعدام التكليف في مثل هذه الحالات بعلم أو بغير علم فقد جانبه الصواب.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل