العنوان من فقه الظواهر الدعوية في ضوء السنن الإلهية: التداول الحضاري.
الكاتب د. حمدي شعيب
تاريخ النشر السبت 01-أكتوبر-2005
مشاهدات 63
نشر في العدد 1671
نشر في الصفحة 48
السبت 01-أكتوبر-2005
■ ظاهرة التمرد (٣ من ٣): من فقه الظواهر الدعوية في ضوء السنن الإلهية: التداول الحضاري.
■ التجديد والتطوير والتغيير.. ترجمة لسنة التداول الحضاري الإلهية.
■ ظهور مدارس فكرية متنوعة في جيل الصحابة كان يُرضي الرسول صلى الله عليه وسلم
■ السماح بقدر من الحرية والحوار يُثمر أجيالًا من الأحرار.
■ ضرورة قبول الاستقلالية مادام هناك اتفاق على الثوابت.
نقول دائمًا، إن لله عز وجل سننا عبارة عن قوانين أو قواعد ثابتة وعامة ومطردة أي قابلة للتكرار أينما وجدت الظروف المكانية والزمانية والبشرية، وهي نوعان: سنن إلهية اجتماعية تنظم وتضبط حركة الأحياء في عالم الأنفس، وسنن إلهية كونية تنظم وتضبط عالم المادة في الآفاق.
وهذه الظاهرة التي بين أيدينا، سواء وسمناها بظاهرة النضوج الفكري أو الآرائي. والرغبة في تحقيق الذات، ورفض التقليد، أو فسرناها ببروز ظاهرة الإصلاحيين والمحافظين أو إذا سلمنا بوسمها بظاهرة التمرد: هي سنة الهية ثابتة ليست في عالم الأنفس فقط، بل في عالم الآفاق أيضًا: أي إنها سنة إلـٰهية اجتماعية وكونية.
ومعناها إن أي تابع عندما يبلغ مرحلة نضع معينة وهي مرحلة الإبداع الذاتي والتي تأتي بعد مرحلتي التلقِّي عن المتبوع، والاستيعاب للأفكار والمعطيات عندها يكون له الحق في أن يكون له رأيه الخاص حتى وإن خالف متبوعه وله أن يعلن رأيه، إذا رأى خللًا من وجهة نظره في رأي المتبوع، بل إن له الحرية في تفنيد أي معطيات تعرض عليه!
هذه سُنة إلهية وهي سُنة التجديد والتطوير والتغيير التي هي ترجمة لسنة التداول الحضاري الإلهية العامة ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران:140).
لذا فإن أي مؤسسة تريد أن تستمر على ثوابتها، وتقبل التجديد والتطوير في متغيراتها لا يجب أن تحجر على أي رأي أو فكر وأن تستوعب أصحاب الرأي والأفكار: طالما التزموا بثوابت المؤسسة، وداروا مع مبادئها وقيمها الأصيلة فالتجديد والمراجعة أو التغيير هو الثابت الوحيد في الكون.
وتفسير هذه السُّنة الإلـٰهية أن الجزاء من جنس العمل أي إذا حاول المتبوع تجاهل رأي التابع، فإن هذا التابع بدوره سيتجاهل رأي المتبوع.
والقاعدة ثابتة.. وعامة .. ومطردة.
وتأمل المدارس الفكرية المتنوعة التي ظهرت في جيل الخيرية الأول: فمنها مدرسة الأثر والتمسك الحرفِي بالنص: وهي مدرسة عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما، ومدرسة الرأي والتيسير وهي مدرسة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، كان الرسول r يُسَر بهذه الفروقات ويُسَر بسماع الرأي الآخر، وأشهر مثال لذلك موقف الحباب بن المنذر رضي الله عنه يوم بدر ويوم خيبر، وكذلك رأي سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر الخندق.
وهناك حادثة غريبة ورائدة؛ بطلها الخليفة الخامس الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عندما قال لمولاه مزاحم: «إن الولاة جعلوا العيون على العوام، وأنا أجعلك عيني على نفسي، فإن سمعت مني كلمة تربا بي عنها، أو فعالًا لا تحبه، فعطني عنده وانهني عنه»([1]).
بل إن قصة القرد وصاحبه التي ذكرناها في الحلقة الماضية تفتح لنا مجالات رحبة حول هذه السنة الإلهية أو الظاهرة، وبروزها في عالم الحيوان.
التمرد.. انقلاب سلمي!
وتخلص من كل ذلك إلى أن ظاهرة وجود التابع والمتبوع هي ظاهرة كونية، وأن استقلالية التابع لا تعني تمرده على المتبوع، وأنه من الطبيعي أن تكون هناك مرونة في قبول هذه الاستقلالية، طالما كان هناك اتفاق على ثوابت يلتزم لها الجميع.
وأيضًا من حق التابع ألَّا يلتزم حرفيًّا بمسار متبوعه، وليس من حق المتبوع أن يقيد حركة تابعه، وبالقياس ومن منظور الظاهرة التي بين أيدينا، فليس من حق المسؤول أن يحجر على فكر الفرد، طالما التزم بالإطار الفكري العام للمؤسسة.
بل وعلى المسؤول أن يسمح بقدر من المرونة، وأن يهيئ جوًّا ومناخًا يسمح بحركة التدافع الفكري، والتبادل الآرائي بين الأجيال.
إن المناخ أو البيئة إذا سمحت بقدر من الحرية والحوار الثمرت أجيالًا من الأحرار، وبالعكس إذا كان هناك مناخ يتميز بكبت الفكر؛ كانت النتيجة أجيالًا مصابة بالفكر المموج وهو فكر الكبت.
وإنَّ تمرد الفرد لا يكون له تفسير إلا أنه انقلاب سلمي على مسؤوله، وبسلاح فكري، وأنه مجرد رسالة إلى مسؤوله، بأنه لا يستطيع كبح جماحه الفكري، وأنه لن يقبل منه أي توجيه طالما تجاهل المسؤول رأيه.
فالتجاهل يؤدي إلى التجاهل!
والجزاء من جنس العمل!
وعلى المربين أن يدرسوا هذه الظاهرة، وأن يبحثوا عن السبب الأصيل في بروزها، وغالبًا ما يكون بسبب خلل في سلوك القائد أو المسؤول.
صور هذه الظاهرة
والصور كثيرة، بحسب نوعها، وعلى حسب عمق الخلل، وسنركز على الصور التربوية الاعتلالية، أو المرضية الناجمة عن بروز هذه الظاهرة، في المؤسسات
الدعوية والتربوية.
أولًا: الجانب الفكري:
معارضة رأي المسؤول في الكثير من القضايا، وكأنها رسالة تفيد: أنا موجود.
التناجي بين الأفراد من وراء ظهر المسؤول.
كثرة النقد.
بروز التوجهات الفكرية الشاذة.
ثانيًا: الجانب الحركي:
التكاسل عن تنفيذ التوجيهات.
الاعتذار عن حضور الاجتماعات.
التفلت.
ثالثًا: الجانب التنظيمي:
عدم الالتزام بالأطُر التنظيمية للمؤسسة سواء في قبول التكاليف، أو في توصيلها.
التجرؤ على المسؤول.
مخالفة التوجيهات.
فشل عملية الاتصال، أي حركة انسياب المعلومات، أخذًا وعطاءً.
أسباب الظاهرة: وتعود أسباب الظاهرة إلى عدة عوامل:
أولًا: أسباب كونية:
كما وضحنا أنها سنة إلهية ثابتة وعامة ومطردة أي متكررة إذا تهيأت الظروف المكانية والزمانية والبشرية.
ثانيًا: أسباب خارجية:
وهي الأسباب الخارجة عن أي مؤسسة إنسانية، تتغير تاريخيًّا.
بروز ظاهرة الإصلاحيين والمحافظين عالميًّا، والصراع المزعوم بينهما، سواء
على الجانب المؤسسي أو الدولي، وانعكاس ذلك على فكر الأفراد.
انتشار الفضائيات وبروز العملية الحوارية ظهور المشروع الغربي بثوابته الظاهرية وهي الحرية و(الديمقراطية).
بروز ظاهرة الآخر، وحقه في التعايش والحوار والوجود.
ثالثًا: أسباب داخلية:
أي الأسباب الداخلية في المؤسسة، وهي تنقسم إلى:
أسباب قيادية:
أي أن الخلل أو السبب في بروزها هو من جانب المسؤول أو القيادة، والأسباب كثيرة، فمنها:
عدم فقه السنن الإلهية، ومحاولة الصدام معها.
ب-عدم فقه كيفية التعامل مع الآخر.
الطبيعة الخطية أو الأحادية في التفكير وهي الشخصية (الدكتاتورية) والإرغامية.
عدم المرونة.
هـ-عدم التطوير والتجديد، سواء على الجانب الفكري أو العملي.
الخلط بين الخلاف الشخصي والخلاف الفكري والدعوي.
عدم مشاركة الفرد في الرأي، وعدم الإصغاء له.
عدم مشاركة الفرد في صياغة القرار وتجاهله.
عدم القدرة على التفويض وإسناد المسؤوليات للفرد، وعدم الثقة به.
الفشل في إدارة الآخرين.
سوء السلوك الأخلاقي.
فقرة الفكري بالمقارنة بفكر الفرد.
عدم الحسم في الأمور التي يعرضها عليه الفرد.
عدم تفقد أحوال الفرد، ومتابعته
س-الطبيعة المنفرة.
ع-عدم القدرة على استيعاب ذوي القدرات والمواهب الخاصة.
عدم العدل ومحاباة البعض على حساب البعض الآخر.
ص-الفشل في تحفيز الأفراد، وعدم مدحهم أو تقديرهم أو تشجيعهم على أي رأي أو إنجاز.
أسباب بينية:
فالسبب ناتج من خلل في البيئة المؤسسية الداخلية مثل:
صبغ البيئة بطبيعة المسؤول، ولسان حاله يقول: أنا المؤسسة، والمؤسسة أنا.
غياب المناخ الحر.
عدم التجديد والتطوير والتغيير.
غياب الشورى.
هـ-غموض الأهداف.
غياب التحفيز والتقدير والتشجيع.
أسباب فكرية:
أي أسباب تعود لطبيعة المنهج أو الفكرة أو القيم التي تضبط المؤسسة:
الربط بين الفكرة والشخص.
ب-عدم التجديد في عرض الفكرة.
ج-الخلط بين ثوابت المنهج ومتغيراته.
د-بروز ظاهرة كبت الفكر.
4-أسباب فردية شخصية:
أي أن السبب يعود للفرد ذاته.
أسباب شخصية فطرية: فطبيعة الشخص هي الحرية وحب الحوار والتجديد.
ب-أسباب فكرية: فطبيعة الشخص هي القراءة والاطلاع.
أسباب تربوية تأثر الفرد بمنهجية بعض المسؤولين أو الأفراد، ثم مقارنتها بطبيعة المسؤول الحالي، وعدم الثقة به.
أسباب اجتماعية: إذا كان للفرد مكانة اجتماعية، ولم تستوعب من قبل المسؤول.
هـ-أسباب نفسية: الشعور بالإحباط وعدم التقدير من المسؤول أو من المؤسسة.
وهنا نورد هذه الفقرة من أحد الكتب في علم الإدارة، ونلخص أو نجمل هذه الأسباب تحت عنوان:
كيف تثبط فريق عملك؟
حتى تثبِّط من همة العاملين معك افعل الآتي:
لا تفوض أحدًا.
لا تمدح أحدًا.
أكثر من التغيير في قراراتك وأرائك.
لا تطلعهم على مجريات الأمور.
قلل من وسائل الاتصال معهم.
لا تستشرهم في القرارات المهمة.
قلل من توجيهاتك لهم واجعلها مبهمة.
لا تحدد أهداف المؤسسة لهم واجعل رؤيتهم للمستقبل مبهمة([2]).
إلى العلاج:
والعلاج يسير على خطوط ثلاثة:
أولًا: يبدأ بالوقاية من حدوث هذه الظاهرة وذلك بتقبلها، والتعامل معها بمرونة قيادية، كما فعل طالوت مع جنده، عندما أمر بأمر، وترك مساحة للخطأ المقبول، فأعلن: ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ (البقرة: ٢٤٩).
ثانيًا: تجنب كل الأسباب التي ذكرناها.
ثالثًا وأخيرًا: الاعتراف بأنها سنة إلهية فلكل عصر أفكاره، ولكل جيل تربية خاصة.
ومن الأفضل أن نسميها بظاهرة النضوج الفكري، أو الآرائي، أي رغبة الفرد في تحقيق الذات، ورفض التقليد، فذلك يفسر لنا ظاهرة الإصلاحيين والمحافظين، التي تبرز داخل أي مؤسسة أو أمة.
ولا يجب أن تضطر الفرد لأن يبدأ في الحل الذاتي فيعصي مسؤوله، وعندها نولول ونظلمه بلقب المتمرد.
------------------------------------
الهوامش
(1) عيون الأخبار: ابن قتيبة ۱۸/۲، نقلًا عن العوائق الراشد ص ۱۲۷
(2) كيف تنمي قدرتك على تحفيز الآخرين جون الن -ترجمة: سامي تيسير سلمان، بيت الأفكار الدولية، ١٩٩٨م. ص ٥٩ بتصرف.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل