العنوان من قتل الشيخ حسن خالد؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-مايو-1989
مشاهدات 65
نشر في العدد 917
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 23-مايو-1989
الذين قتلوا مفتي لبنان أرادوا خلط
الأوراق السياسية والطائفية من جديد
مقتل المفتي ضربة لحلول الجامعة العربية التي تمثلها اللجنة السداسية
زعيم سياسي بلا ميليشيا ولا عداوات داخل لبنان وخارجه
الشيخ حسن خالد مفتي لبنان ورئيس مجلس القضاء الشرعي الأعلى واحد من أبرز الوجوه السياسية السنية في لبنان... وإذا كانت وظيفته جعلته مرجعًا لجميع الموظفين الإداريين والدينيين من أهل السنة في دوائر الأوقاف والإفتاء، فإن نشاطه السياسي يغلب بسبب طبيعة لبنان على أنشطته الدينية بشكل واضح، حتى اعتبر في المؤسسات الدولية والعربية إلى جانب رئيس الوزراء «وهو سني عادة» ممثلًا سياسيًا للطائفة السنية في لبنان الذي مزقته التدخلات الخارجية مستغلة فيه ذلك التنوع الطائفي البارز.... وقد لعب الشيخ حسن خالد كرئيس لدائرة الإفتاء دورًا ما إلى جانب غيره من الشخصيات الدينية التي تمثل الطوائف الأخرى في لبنان.... حيث شارك مؤخرًا في اجتماعات اللجنة السداسية التي أطلق عليها في الكويت «قمة لبنان الروحية».
سلسلة اغتيالات:
وليس الشيخ حسن خالد بالشخصية الدينية
الأولى التي راحت ضحية الصراع في لبنان، فقد قتل قبله الشيخ صبحي الصالح رئيس
المجلس الإسلامي «الجهاز التشريعي لأهل السنة» في لبنان وذلك برصاص الغدر يوم ۷ أكتوبر ١٩٨٦، كما قتل وخطف العديد من
الأشخاص من أبرزهم أحمد عساف مدير المركز الإسلامي وذلك في ١٩٨٢/٤/٢٦.... أما موسى
الصدر الذي كان يعتبر إمامًا للشيعة في لبنان فقد خطف واختفى منذ ۱۹۷۸/۸/۲۰ عقب زيارة قام بها إلى ليبيا مباشرة.
وعلى المستوى السياسي قتل في سلسلة
الاغتيالات عدد كبير من السياسيين المسلمين وغيرهم... ومن أبرز الزعامات السنية
رشيد كرامي الذي قتل في أول يونيو ١٩٨٧ من جراء انفجار قنبلة وضعت خلف مقعده في
طائرة هليكوبتر.
نتائج:
على أن اغتيال الشيخ حسن خالد وإن كان
ينظر إليه ضمن سلسلة الاغتيالات الآنفة الذكر إلا أنه يشكل لدى سائر الطوائف
اللبنانية وكلها أعلنت عن استنكار الحادث استنفارًا طائفيًا وعنصريًا ضد بعضهم
بعضًا، وضد الأطراف الخارجية ذات العلاقة بالمشكلة اللبنانية، ليزداد تأجج النيران
ضمن حلقات مسلسل العنف اللبناني، ولتزداد القضية اللبنانية تعقيدًا فوق عقدها
السابقة.... وسيؤدي ذلك إلى جر لبنان من جديد إلى دائرة النار والدمار.... وإلى
تعميق الأزمة والمأساة.... ولعل هنالك من يميل إلى أن نتائج أعمال الاغتيال
السياسي في لبنان تشمل فيما تشمل استعداء الشعوب على كافة الزعامات السياسية
التقليدية.... لينطلق بعد ذلك الرصاص عشوائيًا لا ليعبر عن انتقام من شخصية أو
شخصيات محددة، وإنما ليعبر عن عمق النقمة في ضمائر أفراد الشعب... وهكذا أراد من اغتال
الشيخ حسن خالد.... وهكذا ستختل الموازنة بين التجمعات الشعبية السياسية.... ليظل
الزعماء التقليديون محميين بميليشياتهم.... وبعض الأنظمة الخارجية التي يدورون في
فلكها.... بينما النتيجة هي ازدياد الهزات المتلاحقة للأجواء المكهربة في لبنان.
النصارى وسياسة المفتي:
لم يعرف عن الشيخ حسن خالد أنه يتبنى
أي أيديولوجية سياسية محددة.... ولم يعرف عنه اصطناع نظام الميليشيا «غير النظامي»
..... ولم يعرف عنه حبه لسياسة المواجهة، فهو مهادن لكافة الزعامات السياسية
والدينية داخل لبنان، وهو داعية من دعاة التعايش السلمي بين الطوائف، ويعرف عنه
العلاقات التي لا تشوبها أي خصومة حتى مع رجال الكنائس الثلاث في لبنان، ولذلك
فإنه لن يكون من المصلحة النصرانية أن يكون الشيخ حسن خالد هدفًا لخطط النصارى كما
قد يتوهم بعض الأفراد، فالكنائس داخل لبنان وخارجه تعتقد أن شخصية المهادنة حققت كثيرًا
من الصراع الشعبي بين المسلمين والنصارى.. وقد لخصت مطرانية اللاتين في عمان الرأي
النصراني بالشيخ حسن خالد بأنه عرف كيف يوازن دفتي المركب اللبناني في أحلك الظروف
وأقصاها كما ذكر ذلك المونسينور رؤوف نجار مساعد مطران طائفة اللاتين في الأردن..
وليس أوضح من هذا في تلخيص سياسة الرجل من قضية التوازن والتعايش بين المسلمين
والنصارى في لبنان وهذا يعني أن كنائس لبنان والقادة النصارى قد لا يجدون في لبنان
من يشغل منصب الشيخ حسن خالد على أساس من السياسة نفسها.... وهذا بحد ذاته قد يدلل
على أن الفئات النصرانية غير متورطة في مقتل الشيخ حسن خالد.
القتل للقتل:
إن مقتل الشيخ حسن خالد بأسلوب متطور
«الريموت كنترول» وهو تفجير الديناميت المفخخ من بعيد يشير ابتداء إلى أن القاتل
لم يكن فردًا أو مجموعة من القتلة، وبحسب ما نقلت وكالات الأنباء في وصفها للعملية
فإن الدلائل تشير إلى جهة تملك أدوات التفخيخ وكميات الديناميت
المفخخة...و...و.... وإذا كان الأمر كذلك، فإن أكثر الترجيحات تشير إلى أن قتل
الشيخ حسن خالد مع مرافقيه إنما هو قرار خارجي تم تنفيذه في منطقة تسيطر عليها
مجموعات من القوات العسكرية الخارجية، ولكن قد يتساءل بعض المراقبين عن كنه الهدف
ونوع المصلحة في مقتل الشيخ حسن خالد وهو الذي لم يخاصم تلك الجهات الخارجية،
وإزاء هذا التساؤل فإن هنالك احتمالين قد يعودان إلى فاعل واحد هدفه القتل من أجل
القتل فقط.
الاحتمال الأول: ويعود إلى أن تجمعات
السنة في لبنان أعلنت في مرات عديدة عن رغبتها بإبعاد الصراعات العربية عن الوسط
اللبناني، وقد عبر الشيخ حسن خالد عن تململ الجانب الإسلامي في لبنان من وطأة
الصراعات العربية على الساحة اللبنانية، حيث دعا للحفاظ على وحدة لبنان
«وسيادته».... وإعادة فاعليته ومؤسساته، وذلك أثناء مشاركته في اجتماعات اللجنة
السداسية، كما دعا إلى العمل الجاد لإخراج لبنان من أزمته، مع الموافقة على مبدأ
الإصلاحات السياسية التي اتفق عليها ممثلو الكنائس النصرانية... وقد يترجم بعض
المتورطين في القضية اللبنانية هذه التصريحات بأنها ضد طرف ما... وبالتالي كان
الرد هو الاغتيال، علمًا بأن الشيخ حسن خالد لا يملك أي قوات أو ميليشيات تترجم ما
في نفسه من هواجس.
الاحتمال الثاني: ويعود إلى أن القاتل
يتصور أمرًا محددًا يرتبط بالحل العربي الذي تمثله اللجنة السداسية التي يرأسها
نائب رئيس الوزراء في الكويت ووزير الخارجية الشيخ صباح الأحمد.... وواضح أنه فيما
لو نجحت اللجنة السداسية في تعريب الأزمة اللبنانية وهذا ما زال مستبعدًا وعلى
أساس من هذا فإن قرار قتل الشيخ حسن خالد لم يكن قرارًا انتقاميا من شخصه أو
سياسته أو مرکزه، وإنما هو وسيلة لخلط الأوراق اللبنانية من جديد، وإيجاد جو شاسع
من الاضطراب والقلاقل داخل لبنان، مما يعرقل بالتالي الوساطات العربية التي
تتبناها الجامعة، والتي تمثلها اللجنة السداسية، وهكذا تكون سياسة القتل من أجل
القتل هذه المرة هي الوسيلة الدموية الإجرامية لتأخير أي حل أو بادرة من بوادر
الأمل لإنقاذ لبنان من محنته الطويلة.
وبعد:
بعد هذا نقول... من هو المستفيد من
مسلسل القتل والتدمير سوى أعداء الأمة من الصليبيين واليهود..…