; من قصص البطولة والفداء.. سناء سلمة ابنة الأسير أبو علي | مجلة المجتمع

العنوان من قصص البطولة والفداء.. سناء سلمة ابنة الأسير أبو علي

الكاتب مصطفى صبري

تاريخ النشر السبت 10-ديسمبر-2005

مشاهدات 60

نشر في العدد 1680

نشر في الصفحة 50

السبت 10-ديسمبر-2005

لم تر والدها إلا من خلف القضبان طيلة 25 عامًا ولم تسمع عنه إلا من قصص الأم الحنون بعد سجنه وهي ابنة 7 يومًا

الضفة الغربية: 

سناء حسن سلمة ابنة الأسير أبو علي سلمة، والذي ما زال يقبع في سجون الاحتلال منذ خمسة وعشرين عامًا، تعيش آهات وآهات، آمالًا وأوجاعًا، فرقة وحنينًا، غربة وأشواقًا.

يقول عنها المواطن فؤاد خفش من قرية مردا وزميل ابنة الأسير أبو علي في العمل: سناء سلمة فارسة حكاية نسجتها الحقيقة وسجلتها الأيام والسنون بحلوها ومرها، وصاغها قلم سمح لنفسه أن يتسلل ويغوص في خلجات فكرها، فحار الفكر وصرخ القلم، أي الأبطال هذه وأي النساء؟ إنها من حفيدات خولة والخنساء، وشقيقات عائشة وسمية.

ألم الاعتقال

ويضيف خفش الذي ذاق ألم الاعتقال مرات ومرات: سناء سلمة -والتي مضى من عمرها خمسة وعشرون عامًا، وهي نفس مدة اعتقال أبيها خرجت للدنيا هي وشقيقها التوأم «علي» لتتلقفهما يد أب حنون حان مدة سبعة عشر يومًا فقط، لم يستطع الأب خلالها أن يحفظ معالم وجه ولديه ولا استطاعت البنت وأخوها أن يدركا حنان الأبوة، سبعة عشر يومًا وإذا بشذاذ الآفاق قتلة الأنبياء سارقي الفرحة والبسمة يحاصرون المكان ويعتقلون الفارس ويحكم عليه بالمؤبد، ويبقيا بحضن أم حنون جمعتهما إلى صدرها لعلها تعوضهما القليل.
 

وتمضي الأيام وتسير ولا يدري أحد ماذا يخفي له الزمن، تمضي الأيام بحلوها ومرها ويكبر الصغار رويدًا رويدًا وتتحمل الأم المجاهدة ألم الأيام وقسوة السنين ولوم الدهر، وبعد الزوج وكبر المهمة وصعوبة الحياة، سلاحها في ذلك أمل بالله، وإيمان زادته الأيام صلابة وثبتته العقيدة، حاولت أن تعوض الأبناء بعد الوالد الأسير، راقبتهما يكبران أمام ناظريها، زادت أسئلتهما عن أبيهما وعن موعد العودة واللقاء، زرعت فيهما حب أبيهما وحب الوطن، علمتهما أن أباهما ما هان يومًا ولا استكان وأنه كان أول من لبى نداء القدس والأقصى فارفعا الرأس بأبيكما يا صغيريَّ.

لم تر والدها إلا من خلف القضبان طيلة 25 عامًا ولم تسمع عنه إلا من قصص الأم الحنون بعد سجنه وهي ابنه 17 يومًا.

أشواق وخيال

المواطن خفش يصف حياة سناء: لكن ذلك اليوم تأخر، وتكبر سناء وتتاح لها الفرصة للعمل بوزارة شؤون الأسرى والمحررين وتحديدًا في دائرة الأسرى، تتحسس معاناتهم وتشعر بآلامهم، ومن أكثر منها شعورًا بألم هؤلاء وهي التي لم تر والدها إلا من وراء القضبان ولم تسمع عنه إلا من قصص الأم الحنون! فرسمت له صورة تألقت على تألق النجوم واستقرت هناك في الجوزاء حيث نواصي الرجال الرجال.

قد قالوا قديمًا: كل فتاة بأبيها معجبة، والحق كل الحق لسناء أن تعجب بأبيها الذي ما زال قابعًا في سجون الاحتلال منذ خمسة وعشرين عامًا صابرًا محتسبًا.
 

اللقاء المرتقب

أما عن زيارة سناء لوالدها يقول الخفش: لم تر والدها منذ خمسة أعوام بسبب الانتفاضة والمنع الأمني، شاء لها الله أن تزور أباها بعد أن أبلغها الصليب الأحمر أنها حصلت على تصريح لزيارة والدها، لم تكن الفرحة لتسعها، لم تنطق ببنت شفة، تضحك وتبكي في آن واحد، تشكر الله رافعة أكف الضراعة ثم تعود لتبكي وتضحك وتُبكي كل من حولها. وبسرعة وبكلمات متقطعة تتساءل عن موعد الزيارة، فقيل لها بعد أسبوعين. فردت: أسبوعين! يا لها من فترة طويلة، أو أستطيع أن أنتظر أسبوعين! والله إنها لفترة طويلة. وبدأت تعد الأيام ويا لصعوبة الانتظار ويا لطول الأيام والليالي.

ومضت عقارب الساعة ببطء شديد وفي كل يوم يزداد الشوق ويزداد الحنين واللهفة، اللهفة لرؤية والد رسمت صورته في الذاكرة من خلال صورة اعتادت على رؤيتها في لباس واحد ولون واحد هو اللون البني، ويأتي ذلك اليوم وفي جعبته ألف موضوع وموضوع وألف سؤال وسؤال.

يقول الخفش الذي رافق مشاعر سناء في الزيارة بعد انقطاع دام أكثر من خمس سنوات: تزدان سناء وتلبس أجمل ما عندها وتستعد للسفر الطويل من رام الله إلى عسقلان، ويا لها من مسافة طويلة لشخص يتحرق شوقًا لرؤية والده الأسير الذي لم يره منذ خمس سنوات! وتصل إلى عسقلان بصحبة الجدة التي أتعبتها الأيام ببعد فلذة كبدها وابنها الكبير، تتخطى حواجز التفتيش وتمر عبر الإجراءات الأمنية المشددة لا تفكر بشيء إلا بصورة الوالد الحاني، تنتظر خلف شباك الزيارة الزجاجي وتمسك بيدها سماعة الهاتف التي ستسمع من خلالها صوت أبيها.

تنهمر الدموع

ويخرج الأبطال من غرفهم إلى شباك الزيارة، في تلك الأثناء لم يكن يعرف أبو علي سلمة أن سناء بانتظاره، ولم يكن يتوقع رؤيتها، وما هي إلا لحظات مرت على سناء کعامٍ كامل حتى خرج الوالد يحمل على كاهليه خمسة وعشرين عامًا من البعد والألم والشوق والحنين، ينظر ويبحث في عينيه عن زائرة فإذا هي سناء، يقف أمامها ليصرخ بصوت عال: سناء.. ابنتي، فترد عليه: أبي.. وينقطع الكلام لتذرف الدموع وهي التي كانت قد أقسمت لنفسها ألا تبكي أمام أبيها، لتجد نفس الدموع قد انهمرت على وجنتي أبيها الذي حاول جاهدًا أن يمنعهما من البكاء دون جدوى. وتتحدث العيون لتقول سناء: لقد اشتقت لك يا أبي، لتحتضنني. لترد عليها دموع عيون أبيها قائلة: لقد كبرت يا سناء.

وعن ألم الزيارة يضيف قائلًا: تتنهد الجدة بآه حرقت قلب أبو علي ليقول لأمه: إن آهك يا أماه أصعب من خمسة وعشرين عامًا قد مضت خلف هذا السجن. تتأمل سناء أباها بعمق وانفعال لتجد تضاريس وجهه قد غيرتها زنازين عسقلان، ترى بين تجاعيد وجهه ألمًا وأملًا وتجد في بريق عينيه نظرتين، الأولى اشتقت إليك يا بنية، والثانية سامحيني لأني ابتعدت عنك كل هذه السنين. شعره الذي ازداد شيبًا فيه كل الحكاية، حكاية من غيبوا، حكاية من أعطى الوطن بدون انتظار لأي مقابل، حكاية الصبر والصمود والتضحية والفداء.
 

تلملم سناء نفسها وتمسح دمعها وتشد همتها وتحاول جاهدة أن تبتسم لتسأله: كيف حالك يا أبي؟ فيرد الأب قائلًا: الحمد لله مهما استطال البلاء ومهما استبد الألم.

ويسارع الأب للسؤال: كيف حالك يا سناء؟ لقد كبرت وتغيرت كثيرًا!

فتقول له: الحمد لله أنا وأمي وأخي والجميع بخير، المهم أنت. 

فيتنهد قائلًا: الحمد لله.

وتمر ساعة الزيارة بسرعة البرق ويأتي الجنود لإخراج الأسرى. تنظر إلى ساعتها بسرعة مستغربة هل انتهى الوقت؟ فيرد الوالد: الأوقات الجميلة تمر بسرعة.

ويودعها أبوها قائلًا:

بنيتي أنت البدر في غسق الدجى                 بنيتي أنت عدوة الطغيـــــــــــــــــــــــــان

شرف الفتاة بعلمها وعفافهــا                  وصلاحها بتلاوة الفرقــــــــــــــــــــــــــــــان

دوسي على نهج يحارب ديننــــا                     وتمسكي بشريعة المنـــــــان

فترد عليه قائلة:

لله درك ما نسيت رسـالة                                 قدسية ويداك في الكـــــــــــــــــــــــــــلاب

أفديك ما رمشت عيونك رمشه                     في ساعة والموت في الأهداب

 وفي نهاية الرحلة يقول الخفش: تمضي سناء ويمضي أبوها ويسيران والكل ينظر للآخر، وتركب الحافلة وهي تفكر بأبيها وبلحظات الزيارة. وتصل البيت لتجد الجميع بانتظارها يسألون بلهفة عن حال الوالد والزوج والأخ، فتجيب بصوت منخفض: هو بخير. وتدخل مسرعة غرفتها تصارع النوم الذي أبى أن يريحها، وتتسارع إلى ذاكرتها أسئلة وأسئلة لم تجد من يجيب عليها: حتى متى سيبقى أبي وإخوانه الأسرى في السجون؟ حتى متى سيبقى نائل وفخري والقنطار وأبو علي تحت رحمة سجان لا يرحم؟ أسئلة تُسأل تنتظر من يجيب.

فإليك يا الله أشكو همي وشوقي لأبي، فعجل له ولإخوانه بالفرج. ثم غطت في نومها.. لكن الحكاية لم تنته.

 

■ روزا باركس

محمد زهير الخطيب- كندا

روزا باركس، امرأة أمريكية سوداء من أصل إفريقي، أطلقت عام ١٩٥٥م شرارة العصيان المدني الذي أعلنه الأمريكيون، ذاك العصيان الذي تحول إلى مواجهات مسلحة بينهم وبين السلطة، وأدى إلى تعديل عدد كبير من قوانين التمييز العنصري.

وخطت روزا سطورها في تاريخ أمريكا عندما رفضت ذات يوم بارد من ديسمبر/ كانون الأول في مدينة مونتغمري بالاباما، أن تخلي مقعدًا على متن حافلة عامة كان مخصصًا للبيض، حيث كان القانون يخصص مقاعد للبيض ومقاعد للسود في حافلات النقل العام. وأدى عصيانها هذا إلى توقيفها من قبل الشرطة فقرر السود على إثره مقاطعة وسائل النقل العام احتجاجًا على التمييز ضدهم، في خطوة تاريخية جريئة قادها القس الشاب مارتن لوثر كينغ رمز الحقوق المدنية بأمريكا واستمرت القطيعة ٣٨١ يومًا، ونجحت في النهاية في انتزاع حكم قضائي بوقف العمل بالفصل بين البيض والسود في وسائل النقل العامة، إلا أن التوصل إلى قانون الحقوق المدنية لم يتم إلا عام ١٩٦٤م وبعد استمرار النضال من أجله، وأقر هذا القانون وقف العمل بالفصل بين السود والبيض في وسائل النقل العامة وما تلا ذلك من منح السود حريات مدنية أخرى كانوا محرومين منها.

روزا بارکس معنى اسمها بالعربية «وردة حدائق»، وقد توفيت منذ أيام في مدينة ديترويت في الولايات المتحدة الأمريكية عن عمر يناهز الثانية والتسعين.

إن هذا الخبر يذكرنا بأن أمريكا التي تعتز برعاية حقوق الإنسان ورفض التمييز العنصري لم تلتزم بهذا النهج إلا منذ خمسين سنة فقط، بينما أرسى الإسلام هذه المبادئ واضحة كالشمس منذ أكثر من ١٤٠٠ سنة، عندما قال رسول الله ﷺ: «لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى، الناس من آدم وآدم من تراب».

ويقف المسلمون في الصلاة صفوفًا متراصة فيهم الأبيض والأسود والأصفر والأحمر، وفيهم الفقير والغني، والأمير والأجير، يعبدون إلهًا واحدًا ويتلون آيات من كتاب واحد لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ويتجهون إلى قبلة واحدة، فما أعظم نعمة الإسلام!

محمد زهير الخطيب - كندا

الرابط المختصر :