العنوان من كامب ديفيد إلى الناقورة!
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 20-نوفمبر-1984
مشاهدات 59
نشر في العدد 692
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 20-نوفمبر-1984
قبل يومين من الموعد المحدد المفاوضات الناقورة بين لبنان والعدو الصهيوني أدلى إسحق شامير وزير خارجية العدو بحديث لراديو العدو قال فيه: «طالما أنهينا مهمتنا في لبنان فلا بد أن ترحل عنه».. «وأن المفاوضات مع اللبنانيين تقدم السبيل الوحيد الممكن لتحقيق الانسحاب».
وقبل الاتفاق على موعد المفاوضات تحرك الرئيس اللبناني أمين الجميل خارج لبنان في زيارات سريعة لأقطار عربية وأوروبية منها ليبيا والجزائر وإيطاليا وكانت هذه الزيارات بمثابة مؤشر على أن جميع الأطراف المحلية والعربية والدولية قد توصلت إلى اتفاق يقضي بقيام هذه المفاوضات وكما يقول أحد المسؤولين اللبنانيين فإن هذه المفاوضات ستكون مدخلًا أو مؤشرًا لتفاهم «أمريكي روسي» ربما يقود في النهاية إلى حل مشترك ينهي الأزمة اللبنانية وأزمة الشرق الأوسط باعتبار أن حل الأزمة اللبنانية سيكون مدخلًا أو بداية لحل أزمة المنطقة.
الغزو الإسرائيلي والوضع اللبناني:
السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان يدور حول مدى الارتباط بين الوضع اللبناني والدور الإسرائيلي وصولًا إلى مفاوضات الناقورة، وهذا السؤال من الأهمية بمكان من حيث إن المفاوضات الجارية لم تكن لتولد هكذا بدون أن يكون لها ارتباط أساسي بأصل القضية اللبنانية. والتي تعتبر الغزو الإسرائيلي عام «۸۲» أحد العوامل الأساسية في مسار الأزمة اللبنانية ومن هنا فإننا لا نريد أن نتعرض للمفاوضات من خلال مسارها وما يتم خلالها فهذا أشبعته الصحافة اليومية عرضًا وتحليلًا ...ولكن نظرتنا إلى هذا الموضوع كما قلنا تنطلق من كون هذه المفاوضات مرتبطة بأصل القضية اللبنانية.
فمن الأمور البدهية أن الغزو الإسرائيلي للبنان، لم يكن غزوًا استيطانيا كما حصل عام «٦٧» في الضفة الغربية والجولان.. إنما كان غزوًا ذا أهداف محددة يقف في مقدمتها استئصال الوجود الفلسطيني المسلح في الأراضي اللبنانية وكنا قد ذكرنا في مقالات سابقة عن الحرب اللبنانية أن هذه المهمة كانت قد أنيطت بالمليشيات المسيحية التي كانت مهيأة «سياسيًا ونفسيًا وطائفيًا» لمثل هذه المهمة. إلا أن تحالف الشارع المسلم في لبنان مع الوجود الفلسطيني ...استطاع تحجيم القوة العسكرية للمليشيات المسيحية بل وهزيمتها .. ولهذا كان لا بد من تدخل عسكري إسرائيلي مباشر للقيام بهذه المهمة ومن هنا كان الغزو الإسرائيلي عام «۸۲» وما تم خلاله من اجتياح الجنوب اللبناني وتدمير بيروت الغربية ودفع الوجود الفلسطيني المسلح للخروج بعيدًا عن الأرض اللبنانية.
ولا ننسى هنا أن الاستراتيجية الإسرائيلية لم تكن لتقف عند حد الخروج الفلسطيني بل إن الوضع اللبناني برمته يعتبر أحد الأسباب في هذه الاستراتيجية.. نظرًا لما تتميز به الخارطة السكانية للبنان من حيث تعدد الطوائف والمذاهب.. ومن حيث قرب هذه الطوائف وبعدها عن الاتجاهات العقدية للكيان الصهيوني، ولهذا كانت الاستراتيجية الإسرائيلية تدور حول خيارين لا ثالث لهما، أحدهما: يتعلق بتمكين الانقسام بين الطوائف اللبنانية إلى حد الوصول إلى الانقسام السياسي والجغرافي، والآخر: يتعلق بتمكين الجانب المسيحي من امتلاك قيادة التوجيه السياسي اللبناني كما كان قبل الحرب اللبنانية الأمانة وكانت هذه الاستراتيجية تتفق إلى حد بعيد من اتجاهات الطائفة المسيحية في لبنان التي أشعلت حربًا أهلية لمدة تسع سنوات لمجرد تعرض هذه الاتجاهات إلى الخطر نتيجة التحالف بين الشارع المسلم والوجود الفلسطيني.
الانسحاب الإسرائيلي لماذا؟
إن هذا السؤال يدور في مخيلة جميع أبناء المنطقة العربية الذين يقفون بعيدًا خارج إطار التأثير والتأثر نتيجة لعوامل عديدة لا نظن أن أحدًا يغفل عنها.
لقد مضى على الغزو الإسرائيلي للبنان أكثر من عامين ..فلماذا لم تثر قضية الانسحاب إلا بعد مرور هذا الوقت الطويل وخاصة وأن الهدف الأساسي للغزو قد تحقق لإسرائيل بخروج الفلسطينيين من لبنان بعد شهور من الغزو نقول إن الجانب الإسرائيلي يعلم تمامًا أن التعاطف بين الشارع المسلم والفلسطينيين هو أمر مبدئي ثابت وبالتالي فإنها تعتبر أن القوة الإسرائيلية التي أخرجت الفلسطينيين واستطاعت تحجيم الشارع المسلم لا تضمن في حال خروجها من الأرض اللبنانية عدم عودة هذا التحالف من جديد ومن ثم عودة التهديد للكيان الصهيوني ولهذا كان استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي يدور ضمن الاستراتيجية الإسرائيلية القائلة بأن حكمًا غير مسيحي في لبنان من شأنه أن يعرض الأمن الإسرائيلي للخطر، ومن هنا كان الجهد الإسرائيلي المدعوم من السياسة الأمريكية والأوروبية والذي تغطيه بعض الأنظمة الثورية!! تغطية كافية ... يتفق مع هذه النظرة الإسرائيلية ومن هذا المنطلق بدأت الجهود المتناسقة من أجل إعادة تثبيت الحكم المسيحي في لبنان.
وهنا لا بد من الإشارة إلى حادثة نسف مقر الكتائب ومقتل بشير الجميل ومن ثم انتخاب شقيقه أمين الجميل رئيسًا للجمهورية وإحاطته بالدعم السياسي الكامل ومن كافة الأطراف محليًا وعربيًا ودوليًا.
ولا بد من الإشارة هنا إلى رسالة «البابا» للقيادات المسيحية في لبنان والتي أكد فيها على هذه القيادات عدم التنازل عن أي حق مما أسماه بحقوقها التاريخية!! ومن هنا كانت الضغوط العالمية والعربية تدور كما قلنا حول هذا المبدأ الذي أكد عليه البابا.
ثم كانت النقطة الثانية في الاستراتيجية الإسرائيلية وتتعلق بتعميق الانقسام الطائفي وتشكيل حواجز نفسية تنكفئ خلفها هذه الطوائف فيما يشبه الكانتونات المستقلة وهذا من شأنه أن يؤدي إلى حماية الكيان الإسرائيلي وسيطرته على معظم هذه الطوائف سياسيًا واقتصاديا.
ومن هنا فقد نجحت جهود الغزو الإسرائيلي في رسم حدود خاصة بالطائفية الدرزية وحدود خاصة بالطوائف الأخرى.. ويلاحظ هنا أن معظم الطوائف الدينية استفادت من الغزو الإسرائيلي ومن الوجود الإسرائيلي خلال العامين الماضيين باستثناء «أهل السنة» حيث خسروا كل شيء حتى بتنا نعتقد أن أحد أهداف الغزو الإسرائيلي كان ضرب طائفة السنة وتحجيم دورها عسكريًا وسياسيًا.
ونخلص هنا إلى القول بأن النقاط التي استطاع الغزو الإسرائيلي تحقيقها خلال العامين الماضيين تكمن في:
- تثبيت الحكم المسيحي في لبنان.
- تعميق الانقسام الطائفي.
- ترسيخ الطوائف ضمن حدود جغرافية خاصة.
- ضرب الوجود الفلسطيني.
- تحجيم دور أهل السنة.
وبعد تحقيق هذا كله كانت مسألة الانسحاب الإسرائيلي قابلة للبحث والتفاوض نظرًا للاستعداد السياسي والنفسي والاستراتيجي للجانب الإسرائيلي.
في المسألة التفاوضية:
إن قبول إسرائيل بمبدأ الانسحاب من الأراضي اللبنانية عبر مفاوضات بين الجانبين لا يعني تحقيق هذا الانسحاب بالصورة التي انسحبت منها عام ٧٨. ومن هنا فإن العدو الإسرائيلي وكعادته التي جبل عليها لا بد له من تحقيق مكاسب تتناسب إلى حد ما مع حجم خسائره المادية والبشرية لعملياته العسكرية في لبنان. صحيح أنه استطاع تحقيق بعض الانتصارات الأساسية التي أشرنا إليها في الفقرة السابقة إلا أن هذه الانتصارات لا زالت ضمن الدائرة اللبنانية، ولهذا فإن قبوله بالمفاوضات يعني أساسًا حرصه على تحقيق الفوائد المباشرة. وتكمن هذه الفوائد التي يتطلع إلى تحقيقها المفاوض الإسرائيلي في مسألتين رئيستين هما:
١- الترتيبات الأمنية.
٢- المياه اللبنانية.
وتدور الترتيبات الأمنية التي تعلق عليها إسرائيل أهمية كبرى حول تقسيم المنطقة الجنوبية تقسيمًا يضمن تحقيق مثل هذه الترتيبات التي يعول عليها الجانب الإسرائيلي في تأمين الحماية للحدود الشمالية لفلسطين المحتلة. وتقترح حكومة إسرائيل في هذا المجال إعطاء دور للجيش الجنوبي العميل الذي يقوده أنطوان لحد للعمل في الشريط الحدودي ويؤكد على هذا الاتجاه المقابلة التي تمت بين شمعون بيريز وأنطوان لحد أثناء زيارة بيريز للجنوب مؤخرًا، بالإضافة لإعطاء الأمم المتحدة دورًا مماثلًا.
ويقول إسحق رابين وزير الدفاع الإسرائيلي إن إسرائيل لن تتنازل عن دور الجيش الجنوبي أما بالنسبة للمياه فإنها قضية القضايا بالنسبة للكيان الصهيوني وأطماع إسرائيل في المياه اللبنانية معروفة تاريخيًا وموضوعة ضمن الاستراتيجية البعيدة لإسرائيل. ولذلك تصر في اقتراحاتها التفاوضية على منع إقامة حواجز بينها وبين مشاريعهم لاستثمار المياه اللبنانية.
الكمب الجديد في الناقورة:
تتحدث كثير من الوسائل الإعلامية عن مفاوضات الناقورة وكأنها تتم من خلال الجهود اللبنانية والانتصارات اللبنانية والمواقف المبدئية للسياسة اللبنانية إلى غير ذلك من تعبيرات دأبت بعض الأجهزة الإعلامية على ترديدها. ونحن وإن كنا نتمنى على الموقف اللبناني أن يكون هكذا، إلا أن الكثير من الشواهد يدل على غير هذا، فالثابت أن اجتماعات الناقورة لا تبعد كثيرًا عن مسار كامب ديفيد حتى ولو كان التفاوض يتم عن طريق إحدى القيادات العسكرية، لأن هذه القيادات لا تمثل نفسها ولا تبحث فقط في مسائل عسكرية بل تبحث في الاتجاهات السياسية والعسكرية وهي تمثل القيادة السياسية ولا تقطع أمرًا إلا بعد الرجوع إلى تلك القيادة. وهذه المفاوضات تعطي الجانب الإسرائيلي اعترافًا كاملًا بشرعية وجوده وسوف يثبت ذلك في وثائق رسمية يوقع عليها الجانبان إن نجحت المفاوضات ولا ننسى هنا أن القيادة السياسية اللبنانية من أعلى قمة إلى زعماء المليشيات المسيحية والدرزية والشيعية وعبر زعمائها من وليد جنبلاط إلى نبيه بري إلى ... أبدت تأييدها للاعتراف بشرعية الوجود الإسرائيلي وضمان أمن إسرائيل، ومنع التسلل الفلسطيني إلى مناطق الحدود مع دولة إسرائيل فهل يختلف هذا كله عن مسار الكامب؟؟