العنوان من له الحق ...؟
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 09-ديسمبر-1997
مشاهدات 90
نشر في العدد 1279
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 09-ديسمبر-1997
خطورة مزالق الصراع مع الباطل لا تخفى على العاملين المخلصين في المجال الدعوي، رغم وقوع البعض أحيانًا في شراكها وعدم قدرتهم على التخلص من أحابيلها، وخاصة إذا كان فيها بعض النفع الدعوي في الوصول إلى مجموعة معينة أو طائفة خاصة من الناس، تغري الدعاة بالوصول إليها، لمناقشة أفكارها، وبيان زيفها، وما لم يكن هؤلاء الدعاة على قدر كبير من سلامة الصدر من كل شائبة، فإنهم قد يتأثرون بأفكار بعيدة عن المنهج، بحيث يصعب عليهم التخلص من آثارها.
وضربنا مثلًا لذلك الإمام أبا حامد الغزالي الذي كتب «تهافت الفلاسفة»، فزلزل الأرض تحت أقدامهم ولم تقم لهم من بعده قائمة، ولكنه- رحمه الله- لم يستطع أن يتخلص من كل أدران الفلسفة، فجاء عمله في السنة فيه شيء من التساهل حتى أنه جمع في كتابه الإحياء ضمن ما جمع ٩٤٣ حديثًا لا سند لها كما ذكر ذلك الإمام السبكي، وهذا ما يفسر قول الإمام أبي بكر بن العربي عنه: «شيخنا أبو حامد بلع الفلسفة وأراد أن يتقيأها فما استطاع».
وخلصنا من ذلك إلى أن التريث لا ضرر منه والعمل بثقة وروية أمر مطلوب.
وحتى لا يفسر هذا الاستنتاج على غير تأويله ولا يحمل على غير محمله فإننا نقدم صورة لإمام آخر اقتحم هذه اللجة دون أن تبتل ثيابه، وخاض غمار الفلسفة والمنطق دون أن يتغير عطاؤه الدعوي بل إنه ازداد رسوخًا على رسوخ وعطاء على عطاء، ناقش المتشككين، ودحض شبههم وأزال باطلهم دون أن يتأثر تفكيره، أو يقل تأثيره.
إنه الإمام ابن تيمية الذي دخل في علم المنطق وهدمه في كتابه «الرد على المنطقيين»، وخرج في الغالب سالمًا من لوثاتهم حيث كان مؤهلًا للدخول في وحل المناطقة مع القدرة على الاحتراز من التلطخ بطينه، وإن كان ولابد من إصابته بشيء منه، فقد استطاع أن يتنظف منه، والمطلع على كتب الشيخ يجد أنه لا أثر عليه من الغوص في مغاليق المناطقة حتى قالوا: إنه عرفها أكثر من أربابها، فأصالة الإيمان وصلابته هي العدة التي لا يمكن التخفف منها ونحن ندعو إلى هذا الدين والتهاون في أي أمر من أموره- وإن تم عن جهل أو عن غفلة.
أو عن استسهال للطريق- هو في ذاته عين الضرر وموطن الخطأ الذي يصاب به العاملون، علموا ذلك أم جهلوه.
وواقعنا اليوم يحتاج إلى جرأة لاقتحام المستجدات وإسقاط الأحكام والقواعد العامة عليها ولكن من له ذلك؟ إنهم أهل الاختصاص والمحققون في العلوم فالدقة في البيان والإفتاء عند النوازل وتفصيل الأمور وتيسيرها بما لا يتعارض مع النصوص والقواعد الشرعية أمر يحتاج إليه العاملون في تحركهم، فنحن اليوم نحتاج إلى أصالة وصلابة شيخ الإسلام ابن تيمية، كما نحتاج إلى دقة الإمام الحافظ محمد بن إسماعيل البخاري عندما بين مسالة اللفظ بالقرآن، فقال: القرآن كلام الله لفظًا ومعنى، ولكن لفظي في القرآن مخلوق.
وكان الإمام أحمد لا يرى الخوض في هذه المسألة لقربها من فتنة المعتزلة في القول بخلق القرآن، ولكن بعد انتهاء ذلك الزمان كان لابد من الدقة في البيان الذي انبرى له الشيخ الإمام محمد بن إسماعيل- رضي الله عنه، وبعد قوله انقسم الناظرون إلى هذه الجرأة المبنية على العلم والفهم فقال الإمام الذهلي وهو شيخ البخاري عندما كان في نيسابور: من جلس مجلس محمد بن إسماعيل فقد تجهم، لقوله باللفظ ثم جاء بعد ذلك الإمام المحقق ابن قيم الجوزية ليقول من عبارة الإمام البخاري «نهي الإمام أحمد أحوط وقول البخاري أدق»، ونحن عند أمن الفتنة نحتاج إلى الدقة وخصوصًا أننا في بحر مائج متلاطم لا نهاية له، ولهذا نطلب من إخواننا الذين يخوضون في بحر الإبداع والتجديد والدخول إلى المستجدات في الحياة أن يتحصنوا بلباس العلم الأصيل المبني على الكتاب والسنة وأن يعطوا لأهل الاختصاص والعلم حقهم في توجيه المسار الدعوي والحركي.
وفي النهاية نسأل الله السلامة للجميع وأن يوفقنا إلى اتباع الوسائل الصحيحة للغايات العالية .