العنوان من نهاية التاريخ إلى الطريق الثالث.. المركزية الحضارية الغربية
الكاتب إدريس الكنبوري
تاريخ النشر الثلاثاء 08-ديسمبر-1998
مشاهدات 49
نشر في العدد 1329
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 08-ديسمبر-1998
كانت نهاية عقد الثمانينيات وبداية التسعينيات مرحلة تميزت في التاريخ العالمي الحديث بسرعة التحولات الدولية وتسارع الحركة على المستوى الدولي، ففي دول المنظومة الشيوعية أو ما كان يطلق عليه المعسكر الشرقي، كانت الأنظمة الشيوعية الحاكمة تنهار تباعًا، وأخذت الأقليات العرقية والدينية تخرج إلى العلن معبرة عن مطالبها في التحرر والاستقلال الذاتي عن الإمبراطورية السوفييتية أو المظلة اليوغسلافية، وتقرير مصيرها والعودة إلى تاريخها وتقاليدها المحلية التي طمستها الأيديولوجية الماركسية بقوة الحديد والنار.
وشكل هدم جدار برلين وتوحيد الألمانيتين اللتين كان تقسيمهما بعد الحرب العالمية الثانية رمزًا لانقسام العالم إلى قطبين متقابلين اشتراكي ورأسمالي نهاية لظاهرة الثنائية القطبية وبداية الزحف الشرقي نحو الجناح الغربي سياسيًّا واقتصاديًّا وأيديولوجيًّا، وبدا للوهلة الأولى أن التحولات العميقة التي شهدتها دول المعسكر الشيوعي لم تكن بحثًا عن طريق جديد أو مسالك مغايرة للاشتراكية السابقة والرأسمالية المتوحشة بقدر ما كانت تلك التحولات تعبيرًا عن الرغبة في اللحاق بالنمط الاقتصادي والخيار الأيديولوجي للرأسمالية الغربية التي كان نموذجها يغري الشعوب في تلك الدول.
وهكذا بات الغرب الرأسمالي مزهوًا أمام هذه التحولات في المعسكر المقابل الذي طالما قاسمه العداء، وظهرت نهاية الحرب الباردة كعلامة انتصار كبرى للنموذج الاقتصادي الغربي، مما شكل سببًا في انبعاث النزعات الأوروبية والغربية القديمة المتمثلة بالخصوص في مركزية الغرب الحضارية وأهليته على قيادة العالم غير الغربي، ولأن الولايات المتحدة هي الدولة الكبرى التي تقف على رأس هرم الرأسمالية الغربية وتتزعم قيادة النظام العالمي الجديد الذي كان قد بدأ التبشير به منذ بداية هذا العقد، فقد كان من الطبيعي أن تعتبر نهاية الحرب الباردة وغياب الاتحاد السوفييتي تأكيدًا نهائيًّا لغلبتها وانتصارها واحتلالها مركز القوة الوحيد في العالم.
وفي هذا الإطار التاريخي الجديد المتولد كان لابد من أن تظهر أطروحة أيديولوجية تسند فرضية الهيمنة الغربية عمومًا والأمريكية على وجه الخصوص، فظهرت مقولة نهاية التاريخ الفرانسيس فوكوياما، وبالتأكيد، فإن فوكوياما حاول ترجمة الإحساس الأمريكي والأوروبي بالنصر التي كانت حاجة لابد منها في ذلك المشهد العالمي الجديد قيد التشكل، بحيث إن الغرب كان سيبحث عمن يحرك هذه المقولة أو شبيهًا بها لتسويغ هيمنته حتى وإن لم يكن هو فوكوياما نفسه، ففي كل محطة من محطاته، كان الغرب سيبحث عما يؤسس شريعته عالميًا، ويدعم سياساته الدولية ذات الطابع التوسعي، ويبرر أدواره وأهدافه العالمية التي تتجاوز حدوده القومية، إذ في العهد الاستعماري وجدنا الغرب ينتج نظريات حضارية وثقافية تقدم مفاهيم محددة للتقدم والتخلف لتبرير حملاته الاستعمارية، ونشأت في النصف الأول من هذا القرن نظريات استشراقية تحاول التقدم والتخلف إلى أسباب عرقية أو دينية أو جغرافية، ومناخية تضع الشعوب المتخلفة بباقي مناطق العالم في مربع التخلف وتعطي للغرب ذريعة القيام بدور إنساني، في نقلها إلى صف الحضارة وتأهيلها للتقدم، وهكذا أصبحت النظريات والمفاهيم الثقافية والفكرية الأوروبية والأمريكية عرضة للتغير والتبدل مع كل محطة من محطات الحضارة الغربية الحديثة، إذ إن النظريات تتبع الأحداث وليس العكس، حتى أصبح خلق النظريات الفكرية موضة غربية تتغير باستمرار كما تتغير الأزياء ويكفي أن نشير إلى تسارع ظهور بعض هذه المقولات والنظريات في هذا العقد وحده، منذ أطروحة النظام الدولي الجديد مرورًا بنهاية التاريخ وصراع الحضارات، وصولًا إلى الطريق الثالث الذي ظهر مؤخرا.
مقولة أيديولوجية
وأطروحة نهاية التاريخ هي بالدرجة الأولى مقولة أيديولوجية أكثر مما هي أطروحة علمية لها ما يؤكدها في الواقع التاريخي للدول والشعوب سواء في المراحل التي سبقت ظهورها أو في تلك التي أفرزتها التطورات بعد ظهورها، والفكرة المركزية لهذه المقولة أن التاريخ الإنساني قد حقق نضوجه واكتماله مع الدولة الرأسمالية المعاصرة، وأن ما شهده التاريخ البشري السابق لم يكن سوى تمهيدًا لهذا الانتصار الذي يعتبر نهاية للتاريخ، وبروزًا لإنسان جديد هو الإنسان الأخير الذي حقق الاعتراف الكامل به كإنسان حر في مجتمع ليبرالي ديمقراطي، كما حقق جميع رغباته واحتياجاته في نظام رأسمالي أساسه مبدا الاستهلاك والوفرة الاقتصادية، فنهاية التاريخ هي بهذا الاعتبار إعلان بانتصار الليبرالية الاقتصادية الرخاء والليبرالية السياسية الحرية معًا.
غير أن هذه المقولة، بالرغم من الجلبة الإعلامية التي رافقتها ولحقتها إلى اليوم، لم تكن من النجاعة والسلامة المنطقية التي ترسخ بقاءها كمقولة علمية لها أسانيد، لكن ذلك في المقابل يؤكد ما ذهبنا إليه من أنها واحدة من القوالب المفاهيمية الجاهزة التي تهدف إلى تسويق أهداف محددة أكثر مما تسعى إلى التعبير عن حقيقة قائمة.
لقد أغفل فوكوياما عند صياغة أطروحته تلك عدة نماذج وحالات تعاكس منطقها وتفنده، وأول هذه النماذج هو النموذج الياباني الذي كثيرًا ما تمت الإحالة إليه من طرف مفكرين غربيين أنفسهم من طينة فوكوياما كنموذج حضاري متميز عن النموذج الغربي في تحقيق التنمية الاقتصادية ومجتمع الرفاه والوفرة بعيدًا عن الأنماط الغربية والأوروبية، ومن داخل المنظومة الثقافية والدينية الآسيوية، لليابانيين التي تختلف نظرتها إلى قيم السوق والعمل، وإلى الإنسان نفسه عن نظرة الغرب كما أن التجربة الاقتصادية للنمور الآسيوية هي الأخرى تؤكد فشل تلك المقولة.
نهاية التجارب البشرية
لكن الدفاع عن الحضارة الرأسمالية الغربية واعتبارها نهاية التجارب البشرية وأرقى ما وصلته الإنسانية في تاريخها يصطدم بواقع الدول الرأسمالية نفسها، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية قمة هذا الهرم الرأسمالي، فتصوير العالم الغربي على أنه الفردوس الأرضي أو الجنة الاقتصادية ومهد الرخاء والوفرة والحرية يجانب الحقيقة، ويجنح إلى أقصى حدود الخيال، ذلك أن انتشار الظواهر الاجتماعية التي تهدد كيان الغرب ووجوده، وذيوع الإجرام والاغتصاب والمخدرات وبروز مرض الإيدز الفتاك، والتفكك الأسري كل هذه الظواهر وغيرها تثبت اهتراء مقولة فوكوياما وسقوطها، كما أن المجتمعات الغربية والأمريكية خصوصًا ما زالت تعشش فيها الصراعات الإثنية والعرقية والطائفية، وتبين لنا قضية «مونيكا لوينسكي» التي تهدد بإطاحة الرئيس الأمريكي كلينتون أن السلطة نفسها في الولايات المتحدة لم تعد منجى من التسيب الخلقي والانفلات القيمي الذي يسود في المجتمع الأمريكي، وأن ظواهر الشارع وانحرافاته بدأت تتسرب إلى دواليب السلطة ودوائر الحكم، بمعنى آخر أن من يمثلون المواطنين الأمريكيين، ويقدمون المثال والقدوة في المواطنة والأخلاق سقطوا هم الآخرون في الحماة.
إذن لا يمكن النظر إلى أطروحة نهاية التاريخ إلا باعتبارها أطروحة أيديولوجية هدفها تمجيد المركزية الحضارية الغربية والذاتية الأوروبية ووسيلة لتسويق النموذج الغربي على نطاق واسع ويعتبر ظهور مفهوم الطريق الثالث مؤخرًا من وحي المزاوجة بين قيم السوق والضوابط الاجتماعية، كما كتب ذلك رئيس الوزراء البريطاني توني بلير يؤكد أن الغرب لم يستقر بعد على نموذج بعينه، وأنه في طور البحث عن آليات جديدة الضبط التحولات الداخلية فيه، واستباق الانفجارات التي تهدده.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل