; من هو مُحرِّر العبيد؟ | مجلة المجتمع

العنوان من هو مُحرِّر العبيد؟

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر الأربعاء 01-يوليو-2020

مشاهدات 118

نشر في العدد 2145

نشر في الصفحة 48

الأربعاء 01-يوليو-2020

مقال

لا تجد في نصوص القرآن والسُّنة نصاً يأمر بالاسترقاق بينما يحفلان بالنصوص الداعية إلى العتق والتحرير

إلغاء تجارة الرقيق منذ أكثر من 200 عام لم تقض على قضية الاستعباد الحديث الذي يشهده العالم اليوم

عدد العبيد الأفارقة الذين أرسلوا إلى المستعمرات البريطانية بالبحر الكاريبي يقدر بنحو 2.3 مليون شخص

عدد ضحايا العمل القسري في العالم أكثر من 21 مليون شخص يشملون ضحايا الاستغلال الجنسي

لندن-

هل من حرر العبيد هو «سبارتاكوس» أشهر الذين قادوا ثورة لتحرير العبيد في روما القديمة قبل الميلاد؟ أم البرلمان الإنجليزي حينما قرر حظر العبودية في عام 1833م؟ أم الرئيس الأمريكي الأسبق «أبراهام لينكولن» عام 1865م حينما وقع قانون «تحرير العبيد»؟

سؤال ظهر في أعقاب المظاهرات العارمة التي شهدتها أمريكا وبريطانيا ثم أستراليا وكندا، إثر خنق شرطي أبيض لرجل أسود بالولايات المتحدة الأمريكية، في 25 مايو الماضي، وطالت مظاهرات بريطانيا تماثيل لتجار العبيد والساسة العنصريين.

لقد خلف إرث العبودية جروحاً لم تلتئم بعد، ونزف جرح العبودية القديم، وكشف المستور في هذه المجتمعات، ليس فقط العنصرية المتجذرة ضد كل من لا ينتمي إلى العرق الأبيض، ولكن أيضاً انشطار المجتمعات رأسياً، إلى طبقات تمتلك السلطة والثروة بكل مؤسساتها؛ الشرطة والقضاء والاقتصاد، وإلى طبقات تعاني التمييز بشتى طرقه في العالم، سواء كان ذلك المسلمين، أو الملونين، أو الفقراء، أو أصحاب الإعاقة، أو المهجرين والمهاجرين واللاجئين، أو النساء، أو أصحاب الأرض الأصليين في أستراليا (الأبورجيون)، أو كندا (سكان كندا الأصليين)، أو أمريكا (الهنود الحمر)، أو كافة أشكال التمييز العنصري المتعلقة بالأقليات والشعوب القبلية.

تاريخ أبيض

وللإجابة عن السؤال، فإن الإسلام كان ولا يزال هو محرر العبيد؛ فقد قرر الإسلام أنَّ الله خلق الإنسان كامل المسؤولية، وكلَّفه بالتكاليف الشرعية، ورتَّب عليها الثواب والعقاب على أساس من إرادته واختياره، ولا يملك أحد من البشر تقييد هذه الإرادة أو سلب ذلك الاختيار، ولا عجب أنَّك لا تجد في نصوص القرآن والسُّنة نصاً يأمر بالاسترقاق، بينما تحفل آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم بمئات من النصوص الداعية إلى العتق والتحرير.

كانت مصادر الرِّق ومنابعه كثيرة عند ظهور الإسلام، بينما طرق التحرُّر ووسائله تكاد تكون معدومة، فقلَب الإسلام في تشريعاته النظرة، فأكثر من مصارف الحرية والتحرر، وسدَّ مسالك الاسترقاق، جاء في حديث قدسيٍ: «ثلاثة أنا خصمهم يومَ القيامة، ومَن كنتُ خصمَه خصمْتُه؛ رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حُراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه العمل ولم يعطه أجره» (رواه البخاري). 

ولقد كان الأسر في الحروب من أظهر مظاهر الاسترقاق، وكلُّ حرب لا بد فيها من أسرى، وكان العرف السائد يومئذٍ أن الأسرى لا حرمة لهم ولا حق، وهم بين أمرين؛ إما القتل، وإما الرق، ولكن الإسلام حثَّ على طريق ثالث من حسن معاملة الأسرى بالعدل والرحمة وفكّ أسره؛ ولهذا نجد أن المسلمين في «بدر» قبلوا الفداء، وفي «الفتح» قيل لأهل مكة: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، وفي غزوة «بني المصطلق» حرر وتزوَّج الرسول أسيرة من الحي المغلوب ليرفع مكانتها، إذ كانت ابنة سيد قومها، فما كان من المسلمين إلا أن أطلقوا سراح جميع هؤلاء الأسرى وكانوا مائة، حيث قال الناس: أصهار رسول الله(1).

ونبي الإسلام عليه الصلاة والسلام في ميدان مكارم الأخلاق يقول: «عودوا المريض، وأَطعِموا الجائع، وفُكُّوا العاني» (رواه البخاري)، والعاني هو الأسير، ومع كل هذا؛ فإن فرصة استعادة الحرية في الإسلام كثيرة وواسعة، فمن وسائل التحرير: فرض نصيب من الزكاة لتحرير العبيد، وكفَّارات القتل الخطأ، والظهار، والأيمان، والفطر بالجماع في نهار رمضان، إضافة إلى مناشدة عامة لإثارة المشاعر من أجل العتق ابتغاء وجه الله تعالى، من هذه الآيات: ﴿وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ (البقرة: 177)، ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ﴾ (التوبة: 60)، ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (المائدة: 89)، ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (النساء: 92)، ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ (المجادلة: 3).

ولو سارت الأمور بمقتضى ذلك المنهج الرباني، لما كانت تلك المشكلات، وعلى رأسها استرقاق الأحرار عن طريق الخطف والغصب والاستيلاء والاتجار قديماً وحديثاً.

في حين خلَّد التاريخ قول الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً»، في أول الإسلام، وبعد ألف ومائة عام أو يزيد أُلغي قانون تجارة الرقيق عام 1807م، وهو قانون من البرلمان البريطاني، الذي ألغيت بموجبه تجارة العبيد عبر الأطلسي، إضافة إلى الضغط على دول أوروبية لاتخاذ نفس الموقف، لكن ذلك لم يلغ العبودية نفسها، وإن صدر بعد 26 عاماً من ذلك التاريخ قرار بإلغاء العبودية في عام 1833م في بريطانيا، قبل 32 عاماً من حظرها في الولايات المتحدة، ورغم إعلان وقف تجارة الرق، وأن تجارتها عبر السفن البريطانية نحو الأمريكتين غير قانونية، فإن هؤلاء واصلوا إلى جانب غيرهم من الأوروبيين نقل المزيد من السكان الأفارقة عبر الأطلسي على مر العقود. 

أكبر الهجرات القسرية للبشر

وكانت تجارة الرقيق عبر الأطلسي واحدة من أكبر الهجرات القسرية للبشر، وكان لها تأثير كبير على تاريخ أفريقيا والأمريكتين وأوروبا حتى اليوم، ويقدر عدد العبيد الأفارقة الذين أرسلوا إلى المستعمرات البريطانية في البحر الكاريبي بنحو 2.3 مليون شخص، وعلى عكس تاريخ أمريكا مع العبودية، فإن تجارة العبيد البريطانية نادراً ما يُفصح عن حجمها الحقيقي؛ وذلك لأن تجارة العبيد الأمريكية كان مسرحها داخلياً، ومن ثم لا يزال إرثها ماثلاً، في حين أن الكاريبي بعيد عن بريطانيا، ونُقل نحو 30 مليون شخص من أفريقيا وبيعوا في سوق النخاسة بالأمريكتين والكاريبي؛ 5% من هؤلاء الرقيق نُقلوا إلى أمريكا، بينما بيع 55% منهم في المستعمرات الإسبانية بأمريكا الجنوبية و35% بيعوا في جزر الهند الغربية البريطانية(2).

إن إلغاء تجارة الرقيق التي أعلنت منذ أكثر من 200 عام لم تقضِ على قضية الاستعباد الحديث الذي يشهده العالم اليوم؛ فيوجد بالفعل ما يقدر بنحو 152 مليون طفل في سوق العمل؛ 73 مليوناً منهم يمارسون أعمالاً خطرة، وأولئك يواجهون الآن ظروفاً أكثر صعوبة، ويعملون لساعات أطول، نصف الضحايا بين 5 و11 عاماً، وقد ركزت «منظمة العمل الدولية»، في 12 يونيو الماضي، فعالية اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال لعام 2020م، على تأثير الأزمة الحالية على عِمالة الأطفال، فلجائحة «كوفيد- 19» وما تسببت به من صدمة اقتصادية واختلالات في سوق العمل أثر كبير، وللأسف غالباً ما يكون الأطفال هم من أوائل من يعانون، وقد تدفع الأزمة ملايين أكثر من الأطفال لسوق العمل(3)، وتحذر منظمة «يونيسف» من احتمالية أن تدفع التداعيات الاقتصادية ما يصل إلى 86 مليون طفل إضافي إلى الفقر بنهاية عام 2020م(4). 

العبيد الجدد والرق الحديث

إنه الاتجار بالأشخاص، وهو جريمة استغلال للنساء والأطفال والرجال لأغراض بما فيها العمل القسري والبغاء، وتقدر «منظمة العمل الدولية» عدد ضحايا العمل القسري في العالم بأكثر من 21 مليون شخص، يشملون ضحايا الاستغلال الجنسي، وفي حين أنه من غير المعلوم عدد الذين اتَّجر بهم، فإن التقديرات تشير إلى وجود ملايين البشر في ربقة هذه الممارسات الشائنة.

ويتأثر كل بلدان العالم بظاهرة الاتجار بالبشر، سواء أكانت من بلدان المنشأ أو نقاط العبور أو المقصد، ويتم استغلال الأشخاص في شبكات الدعارة وأشكال الاستغلال الجنسي، أو العمالة المجانية والسخرة، أو العمل كخدم، أو الاسترقاق، أو الممارسات الشبيهة بالرق، أو الاستعباد بهدف الاستخدام الجسماني ونزع الأعضاء(5). 

هذا غير الاختفاء القسري، والاحتجاز التعسفي، الذي استشرى في بيئات الاستبداد والغطرسة التي تعامل المواطنين كعبيد، وضربت «منظمة العفو الدولية» مثلاً لتعرض 82 ألف شخص للاختفاء القسري في سورية منذ عام 2011م، وقد اختفوا في المراكز الحكومية، وضحايا الاختفاء القسري هم أشخاص اختفوا فعلياً بعيداً عن أحبائهم ومجتمعهم، والإخفاء أداة لإرهاب المجتمع أو فئات سياسية أو دينية فيه، ويعد دائماً جريمة بموجب القانون الدولي، ولا يتم إطلاق سراحهم، ويبقى مصيرهم مجهولاً، ويتعرضون للتعذيب، أو القتل، أو يعيشون في خوف دائم، ويعلمون أن عائلاتهم لا تعلم مكانهم، ولا يمكن لأي شخص مساعدتهم، وحتى إذا نجوا من الموت وأطلق سراحهم، تبقى فيهم جراحهم البدنية والنفسية(6).

الهوامش

(1) انظر: كتاب «شبهات حول الإسلام»، «تلبيس مردود في قضايا خطيرة» للشيخ د. صالح بن حميد إمام الحرم المكي.

(2) مسرحية بريطانية تسلط الضوء على جوانب «خفية» في تاريخ بريطانيا في تجارة الرقيق.

https://www.bbc.com/arabic/vert-cul-51503141

(3) جائحة "كوفيد- 19": حماية الأطفال من عِمالة الأطفال الآن أكثر من أي وقت مضى.

https://www.un.org/ar/observances/World-Day-Against-Child-Labour

(4) اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالأشخاص 30 يوليو.

https://www.un.org/ar/events/humantrafficking

(5) "كوفيد-19": 86 مليون طفل إضافي حول العالم مهددون بالانزلاق في براثن الفقر مع نهاية العام.

https://news.un.org/ar/story/2020/05/1055622

(6) الاختفاء القسري.

https://www.amnesty.org/ar/what-we-do/disappearances/

الرابط المختصر :