; من وراء اختطاف بو سليماني في الجزائر؟ | مجلة المجتمع

العنوان من وراء اختطاف بو سليماني في الجزائر؟

الكاتب النذير المصمودي

تاريخ النشر الثلاثاء 21-ديسمبر-1993

مشاهدات 76

نشر في العدد 1080

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 21-ديسمبر-1993

سؤال طغى على جميع المعالجات والتحليلات التي تناولت حادثة اختطاف الشيخ محمد بوسليماني رئيس جمعية الإرشاد والإصلاح الجزائرية وأحد الوجوه البارزة في الحركة الإسلامية بالجزائر، 53 سنة، ومتخرج من المدرسة العليا للأساتذة، وسجين سياسي في عهد الحزب الواحد من 1976 إلى 1979، والذي كان قد اختطف من بيته يوم 26/11 من قبل أربعة مسلحين.

وظلت معظم المعالجات والتحليلات في الأيام الأولى من عملية الاختطاف وفي غياب معطيات واقعية عن ملابساتها وهوية المختطفين مجرد احتمالات غذتها الشكوك والتوقعات، وكان كل ما أمكن الجزم به في هذا الشأن هو أن الحادثة في ذاتها كانت سابقة ذات أبعاد ودلالات خطيرة. غير أن اتصال المختطفين هاتفيًّا بالمكتب المركزي لجمعية الإرشاد يوم 29/11/93 والسماح للشيخ بوسليماني بالتحدث عبر الهاتف، أدى إلى الجزم بأن الشيخ المختطف ما زال حيًّا على عكس ما شاع في الشارع والكواليس، وفتح الباب على مصراعيه أمام التوقعات والاحتمالات التي قطعتها مكالمات هاتفية في اليوم التالي أكدت فيها الجماعة الإسلامية المسلحة تبنيها للعملية.

ورغم أن مكالمة هاتفية أخرى تلقتها الجمعية من جمعية الشباب الجزائري الحر تبنت فيها هي الأخرى عملية الاختطاف، فإن الاعتقاد ظل سائدًا لدى المحللين بأن العملية مدبرة ومنفذة فعليًّا من طرف الجماعة الإسلامية المسلحة، وأن المكالمة الهاتفية الثانية مجرد تضليل وخلط للأوراق. ويرى أصحاب هذا الاعتقاد أن العملية قد يكون الهدف من ورائها:

  • استفزاز التيار الإسلامي المعتدل الذي يمثل الشيخ بوسليماني أحد أقطابه وإقحامه في معركة لا يحبذها.
  • ممارسة الضغط على الإسلاميين المعتدلين الداعين إلى الحوار والمصالحة بعيدًا عن لغة السلاح والقوة، خصوصًا بعد احتمال نجاح الندوة الوطنية للحوار والمصالحة، وبعد تحقيقها نتائج لا بأس بها في إطار لجنة الحوار التي تكونت لهذا الغرض وعقدت لقاءاتها الأولى مع الأحزاب المعارضة.

ومن وجهة نظر المحللين فإن أي تقارب بين أحزاب المعارضة من جهة والسلطة والجيش من جهة أخرى سيقلل من رهان نجاح أي عمل مسلح يؤدي إلى تهميش الجماعات المسلحة خصوصًا بعد بروز اختلافها في المواقف وطرق عملها الاستراتيجية والتكتيكية، واستياء الرأي العام من الأعمال التخريبية التي طالت بعض المصانع والمدارس والتي تبنتها بعض فصائل الجماعات المسلحة. وترى جهات مسؤولة في الأوساط الإسلامية أن مثل هذه الممارسات البشعة لا مبرر لها من العقل أو النقل سوى الأهواء الطائشة والجهل المركب.

وقد وردت على مقر جمعية الإرشاد التي يرأسها الشيخ بوسليماني عشرات البيانات والرسائل من داخل الجزائر وخارجها تندد بعملية الاختطاف وتدعو المختطفين إلى التعقل وتحكيم الشرع، والابتعاد عما يزيد الأزمة تعقيدًا وخطورة. واعتبر الشيخ يوسف القرضاوي في رسالة بعث بها إلى جمعية الإرشاد أن هذا الاختطاف منكر يرفضه الدين ويأباه العقل وتذمه الأخلاق، ووجه نداء إلى جميع الجزائريين -حكامًا ومحكومين عسكريين ومدنيين إسلاميين ووطنيين- أن يتقوا الله في وطنهم وشعبهم، وأن يسعوا جادين إلى مصالحة وطنية جادة وشاملة تشارك فيها جميع الأطراف تعود بالبلاد إلى الحياة الطبيعية وتوقف نزيف الدم، وتغمد سيف القهر والتسلط. وقد لاقي هذا النداء تجاوبًا كبيرًا من جميع الأطراف، وتناولته جميع وسائل الإعلام المحلية بالتحليل، فيما عمل أعضاء المكتب الوطني لجمعية الإرشاد على تهدئة الأمور ومعالجة القضية بأساليب حضارية راقية جعلت التعاطف معهم يأخذ بعدًا محليًّا وعالميًّا كبيرًا، وبذلك تكون -حسب بعض الآراء- الجماعة الإسلامية التي تبنت عملية الاختطاف قد خسرت ورقة مهمة، ووصلت إلى نتائج عكسية قد تعصف بوجودها ورصيدها.

استعداد السلطة للحوار عجل باختلاف المواقف

 عقد أعضاء لجنة الحوار ندوة صحفية الخميس الماضي أعلنوا فيها أن مشاركة فعاليات من جبهة الإنقاذ في الحوار ممكنة، وأعلن أحدهم أن اتصالات تجرى بهذا الخصوص وأنه عندما تحدث أشياء ملموسة في هذا الشأن سيعلن ذلك للرأي العام. ثلاثة أيام بعد هذه التصريحات أعلن ستة أعضاء بجبهة الإنقاذ وهم: الهاشمي سحنوني، محمد كمال بوخضرة، مختار الإبراهيمي، بن عمر العربي، حسان ضاوي، وميلود بلجيلالي أن هذه المشاركة تستدعي حضور جميع الأعضاء المؤسسين لجبهة الإنقاذ بما فيهم المعتقلون. وتشير بعض المصادر إلى أن اتصالات سرية قد تمت في هذا الإطار بين أعضاء لجنة الحوار وبعض قادة الإنقاذ المعتقلين وهو ما أدى حسب نفس المصادر إلى إحداث خلافات عميقة بين الجماعات الإسلامية المسلحة وبين شخصيات سياسية في الإنقاذ. وكانت الساحة منذ عدة أسابيع قد شهدت حرب بيانات خفية وسافرة بين هؤلاء، تبادل فيها الطرفان الاتهامات والإدانات، وهو ما وصفه الملاحظون بالصراع على المواقع القيادية المختلفة واختلاف المواقف المتعلقة بالنهج المسلح والاغتيالات.

 

الرابط المختصر :