; من يحمي المسيحيين العرب الإسلام.. أم الفاتيكان؟؟ دحض أكاذيب الوثيقة الفاتيكانية | مجلة المجتمع

العنوان من يحمي المسيحيين العرب الإسلام.. أم الفاتيكان؟؟ دحض أكاذيب الوثيقة الفاتيكانية

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر السبت 01-يناير-2011

مشاهدات 56

نشر في العدد 1933

نشر في الصفحة 36

السبت 01-يناير-2011

تناولنا في العدد الماضي افتراءات الوثيقة الفاتيكانية الكاذبة حول اضطهاد مزعوم يتعرض له المسيحيون في الشرق وخاصة بمصر منذ فتحها على يد عمرو بن العاص يماثل وضعهم في ظل الاحتلال والقهر الروماني القديم عندما كانت عقائدهم مجرمة وكنائسهم وأديرتهم مغتصبة والرومان يلقونهم إلى النيران وإلى أفواه الأسود، وقدمنا عددا من الشهادات المسيحية القديمة والحديثة التي تحدثت عن التحرير والإنقاذ الإسلامي للمسيحية الشرقية من القهر الروماني بما يرد على هذا الافتراء والتزييف الذي صنعته الوثيقة الفاتيكانية.
وقد استعرضنا خمس شهادات قديمة وحديثة.. وفي هذا العدد نقدم شهادتين لعلمين من أعلام الفكر المسيحي المعاصر وهما: د. جاك تاجر، وجورج قرم.

وسادس هذه الشهادات: هي للمؤرخ المسيحي المعاصر د. جاك تاجر (۱۹۱۸ - ١٩٥٢م) صاحب كتاب «أقباط ومسلمون منذ الفتح العربي إلى عام ١٩٢٢م».. وفيها يقول: 
إن الأقباط قد استقبلوا العرب كمحررين بعد أن ضمن لهم العرب عند دخولهم مصر الحرية الدينية، وخففوا عنهم الضرائب.
أما الذين ظلوا مخلصين للمسيحية، فقد يسر لهم العرب سبل كسب العيش؛ إذ وكلوا لهم أمر الإشراف على دخل الدولة(1). 
وإذا كان في قول «جاك تاجر»، إن الإعفاء من الضرائب قد رغب الأقباط في اعتناق الإسلام ما يعد إهانة للذين تمسكوا بدينهم يوم كان الرومان يحرقونهم ويرمون بهم طعاما للأسود.. فإن عددًا من أقطار الدولة الإسلامية - وفق إحصاءات المصادر الأجنبية - قد ظل ٩٠٪ من سكانها على دياناتهم القديمة بعد مضي قرن على الفتح الإسلامي لهذه الأقطار (2).
والمهم هي شهادة «جاك تاجر» على أن الفتح الإسلامي قد استقبل في مصر كتحرير لها من الاستعمار والقهر الروماني وأنه ضمن لمصر الحرية الدينية، وأن الأقباط كانوا يديرون الدولة في ظل الحكم الإسلامي وذلك على عكس الصورة المزيفة والبائسة التي رسمتها وثيقة الفاتيكان.

وسابع هذه الشهادات: هي للمفكر والمؤرخ المسيحي اللبناني المعاصر «د. جورج قرم» الذي رصد أسباب التوتر الديني والطائفي عبر التاريخ الإسلامي، فبرأ الإسلام وحضارته وتاريخه من التعصب ضد غير المسلمين وأرجع أسباب ذلك التوتر العارض والمؤقت إلى تعصب قلة من الحكام، أو صلف أهل الثروة والإدارة من أبناء الأقليات أو الغواية الاستعمارية لأبناء هذه الأقليات وما أحدثته من ردود أفعال..
فقال:
إن فترات التوتر والاضطهاد لغير المسلمين في الحضارة الإسلامية كانت قصيرة، وكان يحكمها ثلاثة عوامل:
العامل الأول: هو مزاج الخلفاء الشخصي، فأخطر اضطهادين تعرض لهما الذميون وقعا في عهد المتوكل العباسي (٢٠٦ - ٢٤٧هـ/ 8٢١ - ٨٦١م) الخليفة الميال بطبعه إلى التعصب والقسوة، وفي عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله (٣٧٥ - ٤١١هـ/ ٩٨٥ - ١٠٢١م) الذي غالى في التصرف معهم بشدة، (وكلا الحاكمين عم اضطهادهما قطاعات كبرى من المسلمين). العامل الثاني: هو تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لسواد المسلمين والظلم الذي يمارسه بعض الذميين المعتلين لمناصب إدارية عالية.
أما العامل الثالث: فهو مرتبط بفترات التدخل الأجنبي في البلاد الإسلامية وقيام الحكام الأجانب بإغراء واستدراج الأقلـيـات الدينية غير المسلمة للتعاون معهم ضد الأغلبية المسلمة. 
إن الحكام الأجانب – بمن فيهم الإنجليز - لم يحجموا عن استخدام الأقلية القبطية في أغلب الأحيان؛ ليحكموا الشعب ويستنزفوه بالضرائب، وهذه ظاهرة نلاحظها في سورية أيضًا، حيث أظهرت أبحاث «جب» و«بولياك» كيف أن هيمنة أبناء الأقليات في المجال الاقتصادي أدت إلى إثارة قلاقل دينية خطيرة بين النصارى والمسلمين في دمشق سنة ١٨٦٠م، وبين الموارنة والدروز في جبل لبنان سنة ١٨٤٠م وسنة ١٨٦٠م. 
ونهاية الحملات الصليبية قد أعقبتها في أماكن عديدة أعمال ثأر وإنتقام ضد الأقليات المسيحية - ولا سيما الأردن – التي تعاونت مع الغازي.
بل كثيرًا ما كان موقف أبناء الأقليات أنفسهم من الحكم الإسلامي، حتى عندما كان يعاملهم بأكبر قدر من التسامح، سببًا في نشوب قلاقل طائفية فعلاوة على غلو الموظفين الذميين في الابتزاز، وفي مراعاتهم وتحيزهم إلى حد الصفاقة أحيانًا لأبناء دينهم، ما كان يندر أن تصدر منهم استفزازات طائفية بكل معنى الكلمة (۳).

تلك سبع شهادات لسبعة من الشهود العدول الثقات من أعلام الدين والفكر المسيحيين - شرقيين وغربيين - تغطي شهاداتهم تاريخ التعايش المشترك بين المسلمين والمسيحيين في الشرق الإسلامي على مر تاريخ الإسلام.
وهي شهادات تنقض وتدحض هذا الكذب الصريح والبواح الذي جاءت به وثيقة الفاتيكان.. والتي صورت المسيحية الشرقية وأهلها في ظل الحكم الإسلامي بإعتباره الإمتداد للإضطهاد والقهر الروماني القديم!
لقد تعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بحراسة المسيحية والمسيحيين وكتب بذلك عهدًا دستوريًا لنصارى نجران - باليمن - قال فيه: «... وأن أحمي جانبهم، وأذب عنهم، وأحرس دينهم وملتهم بما أحفظ به نفسي وخاصتي وأهل الإسلام من ملتي ...»(4). 
ولقد ظل ذلك واقعًا مرعيًا، في الممارسة والتطبيق عبر تاريخ الإسلام.. شهد به بقاء الوجود المسيحي في الشرق الإسلامي وشهدت عليه شهادات الشهود الثقات من المسيحيين الشرقيين والغربيين. 
أما الذين شنوا على الشرق الإسلامي حروبًا صليبية دامت قرنين من الزمان (٤٨٩ -٦٩٠هـ/ ۱۰۹٦ - ۱۲۹۱م)، وشنوا الحروب الدينية - ضد البروتستانت - فأبادوا فيها عشرة ملايين، أي ٤٠٪ من شعوب وسط أوروبا! وأقاموا محاكم التفتيش ثلاثة قرون أبادوا فيها الملايين بالإحراق والإغراق، وعلي الخازوق المقدس... كما أبادوا أممًا وشعوبًا وقبائل وحضارات في أمريكا الشمالية والجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا باسم الإنجيل وباسم يسوع المسيح وباركوا اختطاف أكثر من أربعين مليونًا من الزنوج الأفارقة الذين سلسلوا بالحديد وشحنوا في سفن الحيوانات لتقوم على دمائهم، وعظامهم رفاهية المسيحيين البيض في أوروبا وأمريكا! وشنوا على الشرق الإسلامي منذ خمسة قرون غزوات التنصير والنهب الاقتصادي، التي بدأت بالحملة البرتغالية – التي قادها سنة ١٤٩٧م، «فاسكو دي جاما» (١٤٦٩ - ١٥٢٤م) - رافعًا شعار: «التوابل والمسيح»! 
أما هؤلاء، فليس من حقهم التدخل في شؤون المسيحيين الشرقيين.. الذين يجب أن يكون إنتماؤهم الكامل - وطنيًا وقوميًا وحضاريًا - للحضارة العربية الإسلامية، التي أسهموا في بنائها - عبر التاريخ - والتي لا يزالون يسهمون في تجديدها حتى هذه اللحظات.. فهذه الحضارة هي كما قال الابن البار للمسيحية الشرقية «ميشيل عفلق»: 
هي ثقافتهم القومية، وهي أثمن شيء في عروبتهم.. وأنه لا شيء يعدل شرف الانتماء إليها». 
فلنحذر - كما يقول عفلق أيضًا - «الأفكار الاستعمارية الخاطئة، التي خلقت تيارًا انعزاليًا ذا وعي وشعور منحرف، يسعى للتحالف مع الغرب ضد العروبة والإسلام». 

وفي الختام علينا أن نتذكر ونذكر، بكلمات المفكر القومي والمجدد الإسلامي عبد الرحمن الكواكبي (١٢٧٠ - ١٣٢٠هـ / ۱۸٥٤ - ۱۹۰۲م) الذي توجه بالحديث إلى المسيحيين الشرقيين، محذرا إياهم من شباك الغرب الاستعماري، فقال:
«يا قوم، وأعني بكم الناطقين بالضاد من غير المسلمين، ليقل عقلاؤنا لمثيري الشحناء من الأجانب: دعونا نحن ندير شأننا نتفاهم بالفصحاء فنتراحم بالإخاء، ونتواسي في الضراء، ونتساوى في السراء.
إنني أدعوكم وأخص منكم النجباء، للتبصر والتبصير فيما إليه المصير.
أليس مطلق العربي إستحقارًا لأخيه من الغربي؟! 
هذا الغربي قد أصبح ماديًا لا دين له غير الكسب، فما تظاهره مع بعضنا بالإخاء الديني إلا مخادعة وكذبًا.. وما دعواهم الدين في الشرق إلا كما يغرد الصياد وراء الأشباك (5)!
إنها الكلمة السواء، الجامعة لأبناء الشرق الإسلامي على إختلاف المذاهب والديانات... كي لا يقع أحد منهم في شباك الذين أفلسوا.. وإنحسرت سلطاتهم في الغرب. وهرب منهم رعاياهم.. وأخذت كنائسهم هناك تغلق الأبواب لتتحول إلى ملاه ومطاعم وعلب لليل.. وغرقوا في مستنقعات الفضائح الجنسية.. فجاؤوا يلتمسون النفوذ والسلطان على المسيحيين الشرقيين.. وليتوسلوا إلى هذا النفوذ بهذه الوثيقة الكذوبة التي تفتح نفق «الانتحار» أمام الذين يتنكرون لانتمائهم الحضاري، ويستبدلونه بالولاء لهؤلاء الذين سطروا ما جاء في هذه الوثيقة الفاتيكانية من افتراءات وأكاذيب.

الهوامش
جاك تاجر: (أقباط ومسلمون) منذ الفتح العربي إلى عام (۱۹۲۲م)، طبعة مدينة جيرسي – أمريكا - سنة ١٩٨٤م. 
(المسيحيون واليهود في التاريخ الإسلامي العربي والتركي) ص ٤٦، ٤٧، ٢٥.
د. جورج قرم: (تعدد الأديان ونظم الحكم: دراسة سوسيولوجية وقانونية مقارنة) ص ٢١١ - ٢٢٤ – طبعة بيروت سنة ١٩٧٩م – نقلًا عن: د. سعد الدين إبراهيم (الملل والنحل والأعراق) ص ۷۲۹ - ۷۳۰ طبعة القاهرة، سنة ١٩٩٠م.
مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة ص١٢٣، ١٢٤
عبد الرحمن الكواكبي (الأعمال الكاملة) ص ۲۸۰، ۲۸۱، دراسة وتحقيق: د. محمد عمارة - طبعة دار الشروق - القاهرة - سنة ٢٠٠٧م.

الرابط المختصر :