العنوان من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين
الكاتب د. حمدي شلبي
تاريخ النشر السبت 17-ديسمبر-2005
مشاهدات 57
نشر في العدد 1681
نشر في الصفحة 54
السبت 17-ديسمبر-2005
«جامعة الأزهر- مصر»
الإسلام سبق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بـ ١٤ قرنًا وقرر حق الفرد في التعلم
القرآن والسنة زاخران بما يحث على العلم ويرفع من قدر العلماء
قلة العبادة مع الفقه والعلم خير من كثرتها مع الجهل
وقال تعالى مبينًا قدر العلماء وأنهم وحدهم هم الذين يعقلون عن الله ما يضرب من أمثال: ﴿مَثَلُ ٱلَّذِینَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِیَاۤءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَیۡتاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُیُوتِ لَبَیۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۚ لَوۡ كَانُواْ یَعۡلَمُونَ﴾ (العنكبوت: 41) إلى أن قال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (العنكبوت: ٤٣) والآيات في هذا الباب كثيرة نكتفي ببعضها عن كلها.
أما السنة فذاخرة بالأحاديث والوقائع الشاهدة على تلك الحقيقة، ويكفي العلماء شرفًا أن جعلهم الرسول صلى الله عليه وسلم ورثة من بعده فقال: «وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر» (رواه الترمذي وابن ماجه وأبو داود وغيرهم).
ولئن كان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في عام ١٩٤٨م قد نص في مادته السادسة والعشرين على أن لكل شخص الحق في التعلم وعلى أن يكون التعليم في مراحله الأولى والأساسية على الأقل بالمجان فإن الإسلام قد سبق هذا الإعلان بأربعة عشر قرنًا من الزمان حيث قرر حق الفرد في التعلم على نفقة الدولة الإسلامية.
بل تولى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفـسـه تعـليـم الصحابة- وهو رئيس الدولة- ولقد كان يقطع خطبته الجامعة لتعليم الجاهل لأن تعليمه فرض على الدولة وهو رئيس الدولة.
فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي رفاعة قال: انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب قال: فقلت يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه؟ قال: فأقبل على رسول الله ﷺ وترك خطبته حتى انتهى إلي فأتي بكرسي أحسب قـوائـمـه حديداً، قال: فقعد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته فأتم آخرها..
وربما كان يأتيه الرجل يطلب التعلم فيدفعه إلى من يحسن تعليمه وتأديبه، فقد أخرج ابن عساكر عن أبي ثعلبة قال: لقيت رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله! ادفعني إلى رجل حسن التعليم فدفعني إلى أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه ثم قال: «دفعتك إلى رجل يحسن تعليمك وأدبك».
وهذا الموقف الإسلامي الحضاري من العلم والتعليم غير منحصر في تعلم الدين بل هي عناية شاملة بالعلم بعمومه وفي جميع مجالاته وفروعه، فقد أشار القرآن وأشاد باستخدام التخطيط في السياسة الاقتصادية والتموينية للدولة كما هو واضح في الخطة الخمس عشرية من قصة سيدنا يوسف عليه السلام.
غير أن الإسلام اعتبر العلم علمين علم وسائل وعلم غايات:
فأما علم الوسائل: فهو كل العلوم التي تستقيم بها الحياة ويستعين بها العباد على أمر معاشهم وحياتهم ويتعرفون من خلالها على خالقهم سبحانه كالطب والفلك والهندسة وعلوم الزراعة.. إلخ.
وهذه العلوم يجب على الأمة مجتمعة وعلى المجتمع المسلم بجملته توفيرها، فهي فروض كفائية متى وجدت رفع الحرج عن الجميع وإلا فالجميع آثمون.
وأما علم الغايات: فهو كل علم تستقيم به أمور آخرتهم وتصح به عبادتهم ويتعرفون به على ربهم وخالقهم وهذا فرض عين على الجميع.
وضرورة هذا العلم الأخير لا تكاد تخفى لولا الغفلة المطبقة على كثير من المسلمين حتى جهلوا بدهيات الدين وأوليات الإسلام، ومن هنا وجب التذكير بضرورة الفقه في الدين.
الفقه في الدين من مؤهلات الخيرية
ففي صحيح البخاري عن معاوية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين.
وجاء في شرح الحديث في الفتح ما نصه: يقال: فقه بالضم إذا صار الفقه له سجية. وفقه بالفتح سبق غيره إلى الفهم، وفقه بالكسر فهم ونكر خيرًا، ليشمل القليل والكثير والتنكير للتعظيم.
ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين- أي يتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بها من الفروع- فقد حرم الخير لأن من لم يعرف أمور دينه لا يكون فقيهًا ولا طالب فقه فيصح أن يوصف بأنه ما أريد به الخير.
وفي ذلك بيان لفضل العلماء على سائر الناس، ولفضل التفقه في الدين على سائر العلوم.
الجهل داء والعلم دواء
فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجر في رأسه ثم احتلم فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء. فاغتسل فمات، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال: قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي «الجهل» السؤال. إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده»، (رواه أبو داود وابن ماجه وصححه ابن السكن).
وواضح من نص الحديث أن الجهل بأحكام الإسلام يبعث على التشدد الذي قد يؤدي بدوره إلى قتل النفس بغير حق فإن الدين يسر ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ﴾ (الحج: ۷۸). ولا يدرك يسر الإسلام وسماحته إلا من فقه أحكامه ودرس علومه.
العالم العامل خير من العابد الجاهل
فعبادة الجاهل لا يؤمن عليها من البطلان ولا يؤمن على صاحبها من غوائل الشيطان.
روى الترمذي بسنده عن أبي أمامة أنه ذكر للنبي ﷺ رجلان عالم وعابد فقال: فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير. وما كان ذلك كذلك إلا لأن للعبادة أحكامًا وشروطًا وأركانًا وآدابًا، وكيف تصح عبادة أو تقبل دون الإحاطة بشروط صحتها ووجوبها؟
فالمسلم مكلف شرعًا بمعرفة فقه العبادة التي يتعبد بها ربه من طهارة وصلاة وصيام وزكاة إن كان من أصحاب الأموال والحج إن كان مستطيعًا، بل عليه أن يتعلم أحكام المعاملات التي تدخل في أنشطته الحياتية من بيع وشراء وإجارة وكراء ومضاربة ويكفي في ذلك لعوام المسلمين أن يتعرفوا الأحكام الإجمالية من حل وحرمة وجواز دون الدخول في التفصيلات وخلافات المذاهب فهذا عمل المتخصصين والدارسين.
وإن لم يتمكن من المدارسة والاطلاع فليس أقل من الرجوع إلى العلماء الموثوق بهم والتعرف من خلالهم على ما ذكرنا، والعامي مذهبه مذهب من يفتيه.
فيجب على المسلم أن يتعلم- بالدراسة أو بالسؤال- كيف يتطهر من الجنابة وكيف تغتسل المرأة من الحيض والنفاس وأن المطلوب في ذلك تعميم البدن بالماء الطهور مع النية، وهذا أقل ما يجب أن يعلم ومع ذلك نرى في المجتمع المسلم من يغتسلون بالماء والصابون أو غيره من المنظفات دون نية رفع الحدث.
ويجب أن يعلم المسلم أن عدم وجود الماء أو عدم القدرة على استعماله ليس مبررًا لترك الصلاة فالرخصة في استعمال التراب لاستباحة الصلاة وتلاوة القرآن من سماحة ديننا ويسره.
ويجب على المسلم أن يعلم أن الصلاة هي الركن الوحيد الذي لا يسقط بحال من الأحوال لا في سفر ولا حضر لا صحة ولا مرض ولا أمن ولا خوف إلا في ذهاب العقل أو الحيض أو النفاس، وليعلم المريض أن عليه صلاة وإن تركها آثم.
ويجب على المسلم الحاج أن يعلم أن للحج أركانًا وشروطًا وآدابًا قد يؤدي تركها إلى بطلان حجه وهو لا يدري وقد أنفق من المال والجهد ما أنفق ولكن دون فقه أحكام الحج.
وفي المعاملات يجب على المسلم أن يعلم أن البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما (متفق عليه).
تلك نماذج مما يجب معرفته وغيره كثير والمهم أن يدخل الدين في حياتنا في دائرة الاهتمام وبؤرة الشعور، وأن نستشعر جميعًا أننا مسلمون ولنا منهج قويم وشرع حكيم، وأن ندور مع الإسلام حيث دار إن كنا نطمع في رضا ربنا ونعيم جنته.