; من يعلق الجرس؟ | مجلة المجتمع

العنوان من يعلق الجرس؟

الكاتب عبدالعزيز بن عمر الغامدي

تاريخ النشر السبت 26-يناير-2002

مشاهدات 94

نشر في العدد 1486

نشر في الصفحة 46

السبت 26-يناير-2002

«إذا نبحك كلب فأنت موجود»... هذه النظرية الرائعة مثل نظرية كونت التي تقول: «أنا أفكر إذًا أنا موجود» أو أفضل منها. إن الوضع العربي الهزيل المتهالك هو السبب في اكتشاف هذه النظرية وإظهارها للوجود إنه يذكرني بقصة الفئران والقط الشرس المنغص على تلك الفئران حياتها حيث لم يدعها تنل قسطًا من الراحة فلها في كل يوم مأتم وفي كل ساعة فقيد، وفي كل لحظة جريح، لأن هذا القط الخبيث ينقض عليها بين الفينة والأخرى فيفتك بها الواحد تلو الآخر مما أفقدها طيب العيش في سلام وقد حاولت الفئران أن تعيش مع القط في سلام متبادل سموه: سلام الشجعان فوافق على أن يكون السلام بهذه الطريقة التي لا يفهم غيرها، وقد اجتمعت الفئران مرة بعد أخرى وفي كل مرة يخرجون بقرارات تشجع القط على الهجوم أكثر وأكثر حيث لم تتجاوز قراراتهم الرجاء والتوسل، وفي حالات نادرة وجريئة جدًا التنديد.

جميع تلك الوسائل: لم تجد أذنًا صاغية من هذا الشرس الذي لا يعرف سوى اللحم والدم، غير أنهم في مرة من المرات خرجوا بقرار عملي وحكيم أسفر عن خطة رائعة تفسد على القط انتهازه غفلة الفئران المتكررة في لهوها وانقضاضه عليها ليفتك بمن يفتك وينجو منهم بأعجوبة من ينجو تكمن هذه الخطة في أن يتطوع أحد الفئران الأبطال ويغتنم فرصة نوم القط في بعض الأحيان ثم يعلق الجرس في عنقه حتى إذا ما هم بالانقضاض عليهم سمعوا صوت الجرس وعندها يمكنهم الهروب والاحتراز منه قبل أن يصل إليهم، أعجبت الفئران بهذه الفكرة وأقيم احتفال عريض بهذه المناسبة السعيدة تبادلوا فيها التهاني والتبريكات وقرروا اعتمادها بيد أن الفرحة لم تتم ففي الاحتفال أرادوا تكريم البطل المجهول الذي قرروا أنه سيتبرع للقيام بهذا العمل البطولي، غير أنهم أصيبوا جميعًا بخيبة أمل عظيمة إذ لم يتقدم أحد ليتقلد الوسام وينطلق للقط ليعلق الجرس في عنقه ويخلصهم من شره أو يحد منه على الأقل. أعاد هذا الفشل الفئران إلى بداية الطريق البائس بعد أن لاحت لهم في الأفق بارقة أمل ولا يزال الإعلان معلقًا إلى اليوم (من سيعلق الجرس) في انتظار ذلك البطل الذي سيخلص الفئران من المهانة.

واليوم يتقدم أبطال حقيقيون من هذه الأمة من حماس والجهاد الإسلامي وغيرهم الكثير يطلبون من أنظمة عربية إعانتهم أو تركهم على الأقل ليواجهوا مصيرهم مع العدو اليهودي الشرس الذي لا يعرف سوى لغة الهدم والدم غير أن تلك الأنظمة لم تسمح لهم بذلك بل وقفت مع العدو الشرس ضد أبنائها ثم راحت تعتقلهم الواحد تلو الآخر وتزج بهم في السجون ظنًا منها أن العدو سيشكر سعيها ويثمن جهدها إلا أنها تفاجأت أن العدو لم يثمن جهدها، ولم يعرها انتباهًا بل تفرغ لها بعد أن أبعدت الأبطال من طريق العدو أو كادوا.

فها هو رئيس الشرطة الفلسطينية مسجون على كثرة القرابين التي قدمها، وعلامات الحزن على محياه لا تخفى على أحد (اللهم لا شماتة وشارون يهدد ويتوعد ويرغي ويزبد وفي كل يوم له مطلب وفي كل ساعة له ألف مأرب، والجرسون الفلسطيني يقدمها له على طاولة إفطاره وغدائه وعشائه، ومع أن طلباته أوامر إلا أنه إلى الآن لم يرض عنهم والقرابين التي قدمت لم تتقبل على كثرتها ونوعيتها، والدفاع عن النفس جريمة لا تغتفر. وإعادة ترميم البيوت المهدمة ذريعة لهدمها مرة أخرى، وكتائب القسام الذي كانت ولا تزال غرة في جبين الأمة الإسلامية في العصر الحاضر جرمت والسلاح التقليدي المسموح به في جميع أنحاء العالم للدفاع عن النفس حرم والتنازلات للعدو تسبق الأوامر قبل أن تقدم ومع هذا فلا يزال الحال ينتقل من سيئ لأسوا. فماذا يريد العدو؟ وكيف يمكننا أن نرضيه؟ سؤال حير الجرسون الفلسطيني حيث لم يجد له جوابًا، علمًا بأن جوابه أظهر من نار على علم، فهذا العدو لا يمكن أن يرضى عنا مهما قدمنا له، وهذا السؤال لا يمكن أن يجيب عليه إلا القرآن الكريم حيث قال الحق تبارك وتعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: ۱۲۰) هذه هي العلة الأصلية. إذن فليس ما ينقصهم البرهان، وليس الذي ينقصهم الاقتناع بأن الذي معنا هو الحق من ربنا ولو قدمنا لهم كل شيء ولو توددنا لهم بكل شيء، فلن يرضيهم شيء سوى أن نترك الحق الذي معنا وتدخل في اليهودية، أو النصرانية ثم هم بعد ذلك يقررون قبولنا من عدمه، أما بغير ذلك فلن يرضوا عنا ولو فعلنا لهم كل ممكن وكل ما هو غير ممكن، فيهود اليوم هم يهود الأمس غير أن مسلمي اليوم للأسف ليسوا مسلمي الأمس، ولن يوقف يهود اليوم إلا ما أوقفهم أمس وهو الجهاد في سبيل الله.

ثبت عن الرسول ﷺ أنه قال: «نصرت بالرعب من مسيرة شهر»، وهذا النصر للأمة جميعًا ليس من خصائصه وحده r بدلالة الحديث بطوله، وقال r: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها، قلنا: يا رسول الله أمن قلة بنا يومئذ؟ قال: أنتم يومئذ كثير ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل، ينتزع المهابة من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم الوهن. قلنا وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت» (أخرجه أبو داود)، والعدو لم ولن يهدأ له بال ولن يقر له قرار حتى يستأصلنا عن بكرة أبينا أو ندفع عن أنفسنا وقد جربنا معه كل الوسائل الانهزامية علنًا وقدمنا له صفوة أبنائنا قرابين ومنعناهم حتى من دعاء الله تعالى بخذلان العدو ونصرنا عليهم وسابقنا الرحى وركبنا السفين لاسترضائهم، ومع ذلك لم يزدد الكلب إلا نباحًا وسعارًا، ولم تزدد مخالبه إلا بروزًا ولها في أجسادنا أغوار وأغوار، فلماذا لا نجرب المسلك الآخر ونجابهه؟ فما دون الحلق إلا اليدين، وكل حي إذا اعتدى عليه دافع عن نفسه بما أوتي من قوة مهما ضعفت ونحن أقوياء بديننا وبأبطالنا وبمواردنا، وتاريخنا يشهد بذلك وإذا لم يكن من الموت بد فمن العار أن تموت جبانًا، ووالله الذي لا إله إلا هو إنهم لا يمكن أن يقيموا لنا وزنًا أو يحترمونا ونحن بهذا الخنوع العجيب والذل الغريب، ومن أنكر ذلك ففي عقله خلل وفي فكره دخل، وقد كانت العرب قبل الإسلام في حالة مزرية من الضعف والهوان والفرقة يتحكم فيهم الفرس والروم حتى تجرأ كسرى فارس فطلب بنات النعمان بن المنذر (ملك الحيرة) ليكن جواري عنده كل هذا بسبب الذلة التي كانوا يقدمونها له باسم الطاعة، غير أنهم لما وقفوا في وجه العدو في ذي قار انتصروا عليهم وكان ذلك بداية العزة العربية التي توجها بعد ذلك مبعث النبي r، أفبعد أن مَنَّ الله علينا بهذا الدين الذي أعزنا به وأنقذنا بهديه نعطي الدنية في ديننا أفبعد أن أعزنا الله بالإسلام وأذل أعداءه نأتي في هذا العصر ونضع أيدينا في أيدي شر الخلق وأرذلهم وأخبثهم وأذلهم اليهود ثم ندعهم يملون علينا ما يشاؤون ونحن نسمع ونطيع؟

إنها يهود في ماضيها وحاضرها ومستقبلها سواء، ما ترفع رأسها إلا حين تغيب المطرقة فإذا وجدت المطرقة نكست الرؤوس، وعنت الجباه جبنًا وحرصًا على الحياة.

الرابط المختصر :