العنوان من يقف وراء التنصير في منطقة القبائل؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 19-مايو-2001
مشاهدات 61
نشر في العدد 1451
نشر في الصفحة 28
السبت 19-مايو-2001
في 5 يوليو من عام ١٨٣٠ م عندما توجهت القوات الفرنسية لاحتلال الجزائر عبر المنفذ البحري سيدي فرج، وعقب تحطم الأسطول الجزائري -الذي كان يحمي ظهر الأسطول العثماني في معركة لافارين- على مقربة من المياه اليونانية، اصطحب قائد الحملة الفرنسية على الجزائر دوبونياك وبتوصية من دائرة ما عرف بالأراضي الفرنسية في الخارج -دائرة الاستعمار- التابعة لوزارة الخارجية، ١٤ شخصًا من أبرز القساوسة الفرنسيين الذين كانوا يعتقدون وينقلون اعتقادهم إلى الجنود الفرنسيين، بأن «الهلال» «لفظ كان يطلقه الفرنسيون على الإسلام» يجب أن يندحر في الجزائر لتعود الجزائر إلى أحضان الصليب، ولذا لم تكن مهمة تلك الحملة سياسية استعمارية بقدر ما كانت دينية مقدسة كما كان يروج هؤلاء القساوسة.
قام الفرنسيون بتحويل معظم المساجد الجزائرية التاريخية إلى كنائس والبعض الآخر إلى اصطبلات لخيول الجنود الفرنسيين، كما قاموا بإلغاء معاهد التعليم الديني واللغوي التي كانت سائدة في الجزائر، وكانت نسبة المتعلمين فيها وحسب إحصاءات فرنسية ٩٠% وذلك قبل احتلال فرنسا للجزائر. وتفيد بعض المعلومات الدقيقة التي أوردها مؤرخون جزائريون إلى أن فرنسا وقبل احتلالها للجزائر كانت قد أوفدت عشرات العيون -الجواسيس- إلى الجزائر الذين عادوا بتقارير وافية عن جميع الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وحتى التقسيم الجغرافي والجهوي. وبعد تمكن القوات الفرنسية من بسط سيطرتها على الجزائر توجه القساوسة إلى منطقة القبائل الجزائرية، وحتى لا يحيطوا أنفسهم بالشبهات فقد ارتدوا ما كان -ولا يزال- يعرف في بلاد القبائل بالبرنس الأبيض، وهو عبارة عن عباءة بيضاء من الصوف، وعرفوا وقتها بالآباء البيضLes peres blancs وقد أخفوا صفتهم الكهنوتية وراحوا ينشرون بين الناس الأميين والبسطاء أن الإسلام هو السبب في القضاء على العرق البربري، وأن العرب الغزاة الذين جاءوا من مكة والمدينة صادروا أراضي البربر ودمروا لغتهم وعبثوا بمقدراتهم. وحاول هؤلاء القسس الربط بين العرب الفاتحين وعرب اليوم في محاولة للإيحاء بأن الفاتحين الأوائل دانوا في فساد عرب اليوم، وهي مغالطة معروف مقصدها. والأكثر من ذلك فإن المؤسسة الكنسية الفرنسية التي كانت تتحرك في خط واحد مع المؤسسة السياسية والعسكرية كانت توحي للقبائليين بأن عنصرهم آري، وهو العنصر العرقي نفسه الذي تنتمي إليه أوروبا وفرنسا الكاثوليكية.
فرنسة دينية وسياسية
وقد تصدى رجالات الإصلاح والعلم في الجزائر لهذه الفرنسة الدينية والسياسية وجعلوا تحرير عقول القبائل وعقول الجزائريين عمومًا من شبهات الكنسيين الفرنسيين ضمن أولوياتهم تمامًا كأولوية تحرير الجزائر من الاحتلال. وحسب تقارير كنسية فرنسية فإن فكرة الظهير البربري وتنصير المنطقة البربرية كانت استراتيجية. وتنفيذًا لهذا الغرض بُني العديد من الأديرة والكنائس في هذه المنطقة، وكانت الكنائس الموجودة في الجزائر وعلى امتداد كل الولايات تشرف عليها فرنسا ويديرها قساوسة فرنسيون، وبعد استقلال الجزائر في 5 يوليو ١٩٦٢م بقيت هذه الكنائس على حالها عدا بعض الكنائس التي كانت مساجد في الأصل كمسجد «كتشاوة» في العاصمة الذي عاد إلى رحاب التوحيد. ورغم الاستقلال ظلت فرنسا تتعامل مع الجزائر بالاستراتيجية نفسها التي جاءت بها فرنسا إلى الجزائر عام ۱۸۳۰م، غاية ما هناك أن أعادت صياغة تلك الاستراتيجية في ضوء المستجدات الراهنة بعد الاستقلال، فأوعزت الإقامة الأكاديمية البربرية سنة ١٩٦٣م، وقد اضطلعت بكتابة الإنجيل بــ «التفانيغ» أي الأحرف الأبجدية الأمازيغية في أوقات لاحقة، وظلت البعثات اليسوعية تتحرك بشكل صامت في معظم مناطق الجزائر مع تركيز على منطقة القبائل، وكانت السلطات الجزائرية تغض الطرف عن هذه النشاطات لأسباب عديدة، منها:
- عدم إحراج فرنسا لأن الكنائس الجزائرية والمراكز الثقافية الفرنسية وغيرها من المؤسسات كانت مرتبطة بالسفارة الفرنسية في الجزائر، وكانت بدورها مرتبطة بالدولة الفرنسية.
- انشغال الجهات الرسمية في الجزائر بالمعارضة الشيوعية والإسلامية وغيرها.
- دعم الطبقة الفرانكفونية التي كانت في دوائر القرار الجزائري لهذه الإرساليات التي كانت ترى فيها ظاهرة إيجابية وليست خطيرة كـــ «الإسلام الأصولي» في نظرها!
- بعض الجهات الفرنسية كانت ترى ضرورة التعامل بالمثل: حرية المساجد الجزائرية في فرنسا مقابل حرية الكنائس الفرنسية في الجزائر.
وكانت الإرساليات في منطقة القبائل تقدم دعما ماديًّا للمعوزين والفقراء الذين نشأ لديهم اعتقاد بأن الحكومة العربية المسلمة في الجزائر العاصمة هي السبب وراء تخلفهم وحرمانهم، كما كان العرب القدامى سببًا في القضاء على المجد الأمازيغي. وعندما اندلعت الفتنة الجزائرية تكثف نشاط الإرساليات في المناطق القبائلية وذلك من خلال بناء كنائس أخذت تمارس نشاطًا تنصيريًّا، الأمر الذي أدى لتنصير مئات الشباب القبائليين الساخطين على الواقع السياسي والاجتماعي، وكان هؤلاء بعد تنصيرهم يتلقون مساعدات مالية وحتى رواتب شهرية، وكانت هذه الإرساليات تأخذ عناوين المواطنين وبعد أقل من أسبوع يتلقون الأناجيل ودورات دراسية في المسيحية تستمر لسنوات ودعوات لزيارة كنائس فرنسية، ويستمر إشراف هذه المؤسسات الدراسية التنصيرية -بتنسيق مع الإرساليات- على متلقي التعليم الكنسي عن طريق المراسلة، ويضاف إلى ذلك قنوات إذاعية تنصيرية موجهة إلى منطقة القبائل باللهجة الأمازيغية (1)، ويجري الترويج للإنجيل في المنطقة القبائلية بشكل واسع وتوزع مئات الآلاف من النسخ باللغتين الفرنسية والقبائلية، والأكثر من ذلك فإن مسجدًا في منطقة تيزي وزو وتحديدًا في قرية حسناوة تحول إلى شبه مقهى ونصب بعض الناس الهوائي المقعر «الطبق» على المئذنة المرتفعة، وبهذه الطريقة يتم تلقي استقبال القنوات الفرنسية، علمًا بأنها تبث أفلامًا خلاعية موجهة إلى سكان المغرب العربي بشكل خاص.
بعض التيارات السياسية وتحديدًا التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية بزعامة سعيد سعدي يغذي هذه الظاهرة التنصيرية، وفي نظره فإن هذا من شأنه أن يحد من الأصولية والعوربة! ولم يجهر بعض سكان القبائل بالارتداد عن الإسلام واعتناق المسيحية فحسب، بل جاهر البعض بفتح مطاعم تقدم لحوم الخنزير الذي يتم اصطياده في مناطق القبائل.
إغفال المؤسسات الإسلامية إعداد خطباء ودعاة يتكلمون اللغة القبائلية وينشرون مبادئ الإسلام في هذه المنطقة زاد في مفاقمة الأزمة، فالبربر الذين قدموا للحضارة العربية والإسلامية أعظم الإنجازات تريد فرنسا أن تجعل منهم واجهات فرانكفونية في الداخل الجزائري، وأن يكونوا رأس حربة ضد الإسلام والمسلمين في الجزائر والعالم العربي والإسلامي!
هامش
(۱) قررت أن أخوض هذه التجربة وأبحث عن خيوط التنصير في الجزائر وقدمت عنواني لهذه الجهات، وصدمت عندما تلقيت عشرات الأناجيل والدروس الإنجيلية التي استمرت سنوات، وربطوني بإذاعة تبث من فرنسا وهي إذاعة تنصيرية تعطي توجيهات معينة لمستمعيها. وكانت النتيجة هذه الدراسة وغيرها من الدراسات والمقالات التي نشرتها في الجزائر وبيروت ولندن وأوستكهولم.