; من يوميات امرأة مسلمة.. قراءة في الحرية الشخصية | مجلة المجتمع

العنوان من يوميات امرأة مسلمة.. قراءة في الحرية الشخصية

الكاتب ابتهال قدور

تاريخ النشر الثلاثاء 29-نوفمبر-1988

مشاهدات 65

نشر في العدد 893

نشر في الصفحة 39

الثلاثاء 29-نوفمبر-1988

إذا ذكرت الحرية... ذكرت السعادة... هذا كلام حق ... فالحرية هي مطمع كل قيد والتحرر هو مل كل مقيد، ولكن أحيانًا تأخذ شكل السجن بدلًا من أن تكون سعادة تكون الشقاء بعينه... بدلًا من أن تحقق الطموحات تخيب الآمال....

المعاني والنوايا!!

إن لكل لفظ معان، هذه المعاني تستخدم في الحياة الإنسانية.. ويقدر الإنسان بما يملكه من ملكات لي توجيه هذه المعاني حسب مشيئته... كما يقدر أن نفي في ثنيات هذه المعاني نواياه... طيبة كانت أم سيئة....

بين يقول أحدنا أنا مؤمن... يفهمها البعض الإيمان بالله ويفهمها البعض الإيمان بالقدر... ولكن الذي قالها ربما قصد بها الإيمان بعدم وجود إله أو الإيمان قانون الصدفة... لذلك وجب على كل من يحمل عقلًا في رأسه أن لا يحكم على الألفاظ حسب ما يفهمها هو فقط إنما حسب ما قصد بها قائلها... هذا يبين يكون اللفظ مجرد لفظ... أما حين يكون المقصود اللفظ مبدأ يتبع... وقانونًا يقنن.... فأن الانتباه وحده لا يكفي.. ولا بد من دراسة بل دراسات...ومعرفة كل ما يخص هذا المعنى.. وما يحيط به من أفكار ومفاهيم وتطورات وأبعاد....

حول مفهوم الحرية الشخصية:

حين أطلقت عبارة «الحرية الشخصية» كانت أية لأفكار بعض الطبقات.. وكانت حماية لأرواح طبقات أخرى... ولكني لم أدرك إلا مؤخرًا أنها كانت أيضًا حماية للرذيلة.. بل ربما كان الهدف الأول منادي هو هذه الأخيرة، ولكنه اضطر لإلباسها أثوابًا زاهية تثير في الأنفس بالبهجة وتبعث في العقول النشوة.

 ولا يمكن لعاقل أن يصيح «احموا الرذيلة» ولكنه قادر يلبس هذا النداء غشاء جذابًا فيصيح «احموا الأفكار» «احموا الأديان» ......

أحيانًا تلبس الرذيلة لباس الفضيلة

ويخطرني هنا قول أدرجه الرافعي على لسان إبليس يقول: 

يا فلان لو أن المعصية لم تأخذ شكل الطاعة، لما اقترفها أحد».

ولو أن إبليس تحدث في مثل هذا المقام لقال: لو أن الرذيلة لم تأخذ شكل الفضيلة، لما اتبعها أحد... كذلك فعلوا بكلمة الحرية... إذ أخفوا وراءها ما يجول في أنفسهم من نوايا شيطانية... كيف كان ذلك؟؟؟

حرية الفكر وحرية السلوك!!

إن الحرية في حياة البشر ضرورة.. نعم، ولكن أفي كل المجالات....؟؟ لو أخذنا حرية الفكر مثلًا وقارناها بحرية الأفعال والتصرفات... فماذا سنلاحظ؟؟ في الأولى نرى أن نتيجة التفكير وحرية التفكير ستعود غالبًا بالنفع على الجميع... فصاحب الفكر السليم كيفما وجه عقله سيجد القدرة الإلهية، والعظمة الربانية، حتى الذي شطحت أفكاره إلى أن وصلت به إلى الإلحاد لن تكون أفكاره المطروحة إلا حججًا عليه وستنبعث من هذه الأفكار الخاطئة أخرى صحيحة... فحين طرح داروين مثلًا فكرته عن أصل الإنسان كانت هناك آخر حدود فكره هو، ولكن هذا لم يمنع الذين جاءوا بعده من متابعة التفكير والتحليل وإبداء الحجج الأقوى على خطأ نظريته... أو صحتها... فالفكرة تتولد عنها فكرة... وفي خضم المعارك الفكرية يجد الكثير من المفكرين الصواب و يعود إليه و ينشره..... وهذا ما يؤكده لنا الواقع.... فرجل الفكر ليس منه خوف ما دام يقابله في البشرية رجل فكر آخر.... وبإمكاننا أن نقول إن تجميد الفكر إنما هو الجهل بعينه....

وأن تقييد الفكر إنما هو التخلف بعينه.... ولكن... لنا عند حرية السلوك وقفة... لنقول إن تقييد السلوكيات من أهم مظاهر الرقي الأخلاقي.

وترتدي الحرية هنا كامل معانيها حين يقابلها الانضباط والتقيد في التصرفات.... فبينما أخذت في الفكر معاني الانطلاق... أخذت في السلوكيات معاني الانضباط...

ألست معي في أن فك القيود عن سلوكياتك يعني أنها استعبدتك وأنك ستصبح مسيرًا بناء على أهوائها....؟؟

ألست معي في أن أهم ما يميز المجتمع الحيواني هو عدم وجود ضوابط على تصرفات أهله..؟؟

باسمك أيتها الحرية أصبحوا عبيدًا

وإنني لأرى أن أفضل مسرح تشاهد فيه الحرية الشخصية على حقيقتها هي دول أوروبا... هناك تتقاذفك مشاعر كثيرة... أولها إحساسك أنك ربما كنت تسير في غابة خلت من البشر... وثانيها ظنك أن الناس قد أصاب عقلها ضرب من الجنون فلم تعدتميز الطيب من الخبيث. 

ويتراود لذهنك أن الناس ربما كانوا فاقدي البصر لا يرى أحدهم الآخر... أو ربما كانوا مخلوقات غريبة ظاهرها آدمي وباطنها حيواني... وفي رهبة ظنونك تسمع أنه لا هذا ولا ذاك إنما هي الحرية الشخصية التي قتلوا بها الفضيلة فلم يعد لها في قاموسهم.... مكان

وقتلوا بها القيم فلم يعد لها ذكر...

باسمك أنت أيتها الحرية أصبحوا عبيدًا لأهوائهم..... وحينما يسمح للأهواء أن تستعبد فإنها لن ترضى إلا باستعباد كل ما في الإنسان، عقله.. تفكيره.... جسده... ثقافته... وتعطي حقنة مخدرة لروحه تجعلها تغيب في ثبات طويل ما إن تصحو حتى تنام من جديد...!!! وهذا هو فيض الأهواء... وهذه هي الحرية الشخصية....

نتائج

ونحن بعد أن شاهدنا هذه المسرحية الهزلية المسماة حرية شخصية..... وبعد أن عرفنا أن نتائجها على أرض الواقع هي كالتالي:

- أن يكون الإنسان عبدًا مطيعًا لأهوائه....

- أن تتساوى القيم العليا بالقيم السفلى....

- أن يقتل الضمير الإنساني.... أن تتساوى الرذائل والفضائل....

- أن تقتل مناعات التحصين في الرجل والمرأة...

- أن تقتل جميع أنواع الضوابط الفطرية في أنفس الناس..

- وأهم شيء... أن تتشبه قدر الإمكان بالحيوان....

- بعد أن رأينا النتائج بأعيننا... وبقلوبنا المبصرة....

- وبعقولنا النيرة... وبأرواحنا المطمئنة.. قررنا أن نبقى بدون حرية... فإن قيودنا إن كان فيها الشرق والفضيلة.... وإن كان فيها ضمير يتألم... إن كان في هذه القيود الإنسان... فنحن نتمسك بهذه القيود

التي تجعلنا أحرارًا... نفضل البقاء داخل حصوننا الفطرية... نفضل أن ترى النور نورًا والظلام ظلامًا... ونرفض وبكل قوة أن تتسرب هذه المظاهر إلى مجتمعاتنا....

نحن نريد معنى يحمي الفضيلة، والحرية الشخصية ما هي إلا عقد حماية للرذيلة يوقع عليها جميع أفراد المجتمع....

الرابط المختصر :