; مهلًا يا بابا! إني أدعوك إلى الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان مهلًا يا بابا! إني أدعوك إلى الإسلام

الكاتب د. عدنان علي رضا النحوي

تاريخ النشر السبت 07-أكتوبر-2006

مشاهدات 73

نشر في العدد 1722

نشر في الصفحة 28

السبت 07-أكتوبر-2006

ما شرع الجهاد إلا لتبليغ دعوة الله واضحة

جلية أو لصد العدوان والمظالم عن الأمة

لم تكن إساءة بابا الفاتيكان هي الأولى للإسلام فيما ادعاه من خلاف بين الإسلام والنصرانية في العلاقة بين الإيمان والعقل، مثل سوء فهم الآية الكريمة ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ ﴾ (البقرة: 256)، ولا بقوله الذي خالف فيه الإيمان والعقل معا في وقت واحد، حين قال: أرني شيئًا جديدًا أتى به محمد، فلن تجد إلا ما هو شرير ولا إنساني، مثل أمره بنشر الدين الذي كان يبشر به بحد السيف، وهنا لم يكن خطؤه مخالفة الدين والعقل فحسب، ولكن وقع في خطأ كبير ألا وهو «الافتراء»، أو الكشف عن جهله الواسع بالإسلام!

دين واحد: إن إساءته الأولى كانت لنفسه وللنصرانية التي أتى بها عيسى عليه السلام وللدين كله والعقل كله، فهل يعقل أن الله الواحد الأحد، يبعث لعباده بأديان مختلفة متصارعة، ثم يحاسبهم يوم القيامة؟!

كلا! فالدين عند الله واحد وهو «الإسلام»، وقد بعث به جميع رسله، واستمع إلى ما يقوله القرآن: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (آل عمران: 19).

هذه هي الحقيقة الأولى التي يفرضها العقل والدين في وقت واحد. 

وجاءت الآيات البينات تبين أن كل نبي ورسول كان مسلمًا، وكذلك أتباعه من الذين آمنوا به، وهذه هي الحقيقة الثانية المرتبطة بالحقيقة الأولى، ولذلك أصبح من أسس الإيمان في الإسلام أن يؤمن المسلم بجميع الأنبياء والرسل، لا يفرق بين أحد منهم: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (البقرة: 132).

بين الجهاد وحرية الاعتقاد

أما قول البابا عن التناقض بين ما تشير إليه الآية الكريمة: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 256)، وبين أمر رسول الله ﷺ بنشر الدين بحد السيف، فقد كان أحرى بالبابا أن يذكر الآية كاملة حتى ينجلي المعنى، فلا تعارض بين قول الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ ﴾ وبين أمره سبحانه وتعالى بالجهاد في سبيل الله.

وهما قضيتان متداخلتان تكملان المعنى والصورة لتكون جزءًا من نهج واحد متماسك، ف﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ تعني أن الله لا يقبل من أحد إيمانًا لم يكن نابعًا من قلبه متيقنًا منه، فعلى الإنسان أن يستمع للدعوة إلى الإيمان الحق إلى الإسلام، ثم عليه أن يفكر، ثم عليه أن يقرر هو بنفسه آمن أم لم يؤمن، ثم يتحمل هو مسؤولية قراره.

ولكن المشكلة هنا أنه يجب أن تبلغه الدعوة واضحة جلية ليفكر، وأن يفسح المجال للإنسان ليستمع ثم ليفكر، ثم ليقرر، ثم ليتحمل مسؤولية قراره، ولكل قرار نتيجة: فلو قرر الكفر فمصيره إلى النار، وإن قرر الإيمان فمصيره إلى الجنة، وحين حمل الله الإنسان مسؤولية الإيمان أو عدمه، وفر له جميع الإمكانات التي تعينه على اتخاذ قرار الإيمان لينجو عند الله، واستمع إلى آيات الله البينات ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (الكهف: ٢٩- ٣٠).

ولذلك كان من أهم القضايا التي يؤكدها القرآن الكريم أمر الله للإنسان أن يفكر التفكير الإيماني السليم، ويوفر الله لعباده سبيل التفكير الإيماني الذي يهدي إلى الإيمان والعمل الصالح، وذلك بنعم من الله كثيرة:

1-أن جعل الإيمان فطرة الإنسان التي يولد عليها، وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، فتفسد فطرته، ويتحمل أولئك المسؤولية عند الله ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (الروم: ٣٠- ٣١)

٢- أن جعل آياته بينات في السموات والأرض، وفي الإنسان نفسه آيات بينات شاهدات على أن الله حق واحد لا إله إلا هو: ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ (يونس: 101).

٣- أرسل الأنبياء والرسل في كل أمة حتى لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ۚ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (النحل: 36)، وختم الأنبياء والمرسلين بمحمد الرسول الذي بشر به موسى وعيسى والأنبياء عليهم السلام. 

٤- أن أنعم على الإنسان بالسمع والبصر والفؤاد، وجعل الله كل أولئك عنه مسؤولًا: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: 36).

ولم يكن الأمر بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة أمرًا مرهونًا بزمن، ولكنه أمر ممتد امتداد الدعوة الإسلامية ما دامت الطرق مفتوحة والأبواب مشرعة، ولا يوجد اعتداء على الإسلام ولا ظلم ولا صد عن سبيله، وهذا قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (العنكبوت: 46). نعم؟  ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾! فهم الظالمون المعتدون!

وكان رسول الله ﷺ يقول: «خلوا بيني وبين الناس حتى أبلغ رسالة ربي»!

إن الإسلام جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الكفر إلى الإيمان ولينقذهم من عذاب جهنم إلى نعيم الجنة، وهذا هو أخطر ما في حياة الإنسان على الأرض في الحياة الدنيا، أيعقل بعد ذلك أن يترك الإنسان على هواه إن اختار الشرك أو الكفر دون بذل الجهود لإنقاذه؟ فالأمر أخطر من أن يؤخذ بهذه البساطة بساطة العلمانية التي تترك أمر الدين للفرد نفسه، لا تحرص على آخرته.

دعوة البابا للإسلام

ولكننا من ناحية أخرى نعتب على أنفسنا، نحن المسلمين الذين انتشروا في الأرض ملايين من الدعاة، ثم نكتشف كل يوم أن رسالة الإسلام لم تبلغ لا إلى هذا ولا إلى ذاك، وأول واجبنا -قبل أن نهاجم البابا- أن نوضح له الإسلام ثم ندعوه بشكل واضح صريح إلى الإسلام، إلى دين عيسى الحق عليه السلام ودين جميع الأنبياء والمرسلين وهو الإسلام. 

إننا ندعوه ونلح بالدعوة عسى أن يهدي الله قلبه فيؤمن وينجو من فتنة الدنيا وعذاب الآخرة.

لقد سبق أن ذهب وفد من المسلمين إلى الفاتيكان لأجل الحوار فأي حوار كانوا يقصدون؟! فهم يعرفون موقف البابا من الإسلام والبابا يعرف موقف المسلمين من الفاتيكان، وكلاهما يعرف أنه لا نقطة لقاء بين الفريقين إلا أن يتنازل أحدهما عن عقيدته، فهذا إذن ليس حوارًا. 

وكان يجب أن يدعو الوفد البابا دعوة صريحة إلى الإسلام، وأن تكون دعوة جلية جريئة لا مجاملات فيها على حساب الحق. وهذا هو أمر الله لنا: ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ (64) يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوۡرَىٰةُ وَٱلۡإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ (65) هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ حَٰجَجۡتُمۡ فِيمَا لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ (66) مَا كَانَ إِبۡرَٰهِيمُ يَهُودِيّٗا وَلَا نَصۡرَانِيّٗا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفٗا مُّسۡلِمٗا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ (67)﴾ (آل عمران: ٦٤- ٦٧).

يا سيادة البابا! إني أدعوك إلى الإسلام دعوة واضحة صريحة، فأسلم عسى أن تسلم بين يدي الله. إن الحق جلي والله أرحم بعباده من أن يترك الحق مبهمًا غير بين أو جلي، فإذا قضيت وغادرت الدنيا، ورأيت أنك كنت كما أنت الآن على غير الحق، وبدا لك أن الحق هو ما جاءت به الرسل والأنبياء والنبي الخاتم محمد ﷺ فماذا أنت فاعل؟! وماذا يفعل الذين اتبعوك!

الرابط المختصر :