العنوان مهمة الأمة المسلمة في العالم
الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي
تاريخ النشر السبت 31-يناير-2009
مشاهدات 72
نشر في العدد 1837
نشر في الصفحة 66
السبت 31-يناير-2009
أحب أن أقف لحظات عند مهمة المسلم والأمة المسلمة في هذا العالم.. إنها-باختصار شديد-مهمة حضارية.. مشروع حضاري كتب على المنتمين لهذا الدين أن ينفذوه في واقع الحياة، ويحملوه إلى البشرية كافة لكي يحيا الإنسان حياة تستحق أن تعاش بما تنطوي عليه من عمق روحي، والتزام أخلاقي، واحترام الإنسانية الإنسان.
ولنتذكر كيف أن القرآن الكريم وضعنا في قلب الفعل الحضاري، أي أراد منا أن نكون أمة متحضرة، وذلك من خلال مثلثه المعروف بأضلاعه الثلاثة: التسخير والاستخلاف والاستعمار (بالمفهوم اللغوي لا الاصطلاحي).
فما أكثر الآيات التي تتحدث عن تسخير العالم للإنسان من مثل: ﴿..وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ (إبراهيم: 33 - 32)، ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ (النحل: ١٤)، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ﴾ (الحج: ٦٥)، ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ (الجاثية:13).
وما أكثر الآيات التي تتحدث عن استخلاف الإنسان في هذا العالم، من مثل: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ﴾ (البقرة: ۳۰)، ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ (الأنعام: ١٦٥)، ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ (يونس: ١٤).
ولعل هناك من يتساءل: ما علاقة هذا كله بالنشاط الحضاري؟ والجواب: هو أن القرآن الكريم يؤكد في سياق ثالث أن مهمة الإنسان المؤمن في هذا العالم المسخر الذي استخلف عليه هي التنمية والإعمار والبناء والتطوير، لقوله جل شأنه: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾ (هود: ٦١)،
أي خلقكم لممارسة مهمة عمرانية حضارية تستهدف جعل العالم بيئة صالحة للهدف الأساسي من خلق الإنسان وهو عبادة الله سبحانه ليس بالمفهوم الشعائري الصرف المنعزل عن الحياة، المنسحب من العالم، وإنما بمفهوم العبادة الإسلامي الواسع الشامل الذي يستهدف جعل كل عمل أو نشاط علمي أو عمراني أو حضاري في نهاية الأمر ممارسة تعبدية: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ﴾ (الذاريات: 57 - 56).
إذن فنحن بازاء عالم مسخر لنا، وقد استخلفنا عليه لكي نعمره ونطوره ليكون بيئة صالحة لعبادة الله سبحانه بمفهومها الإسلامي الحضاري الشامل.
وفي ضوء هذه الحقائق الساطعة التي لا يمكن أن يشكك فيها أحد، يبدو الإسلام مشروعًا حضاريًا، ويبدو المسلم في هذا العالم صاحب رسالة حضارية في مجابهة كل الحضارات الكافرة الملحدة، أو الدينية المحرفة، التي أذلت الإنسان واستعبدت الشعوب، وتجاوزت القيم الخلقية ووضعت الأسلاك الشائكة بين الأرض والسماء، وساقت البشرية إلى الحفر الضيقة التي تكاد تختنق فيها..
إننا كأمة وسط أريد لها أن تكون شاهدة على البشرية مدعوون للمشاركة العالمية في المصير، والعودة بالإنسانية إلى وضعها الطبيعي قبل أن تتفرق بها السبل..
ومفكرو الغرب وعلماؤه وفلاسفته ومؤرخوه وأدباؤه، يقولون هذا ويؤكدونه المرة تلو المرة، قبل ومع وبعد ما يقوله المسلمون أنفسهم.. إن الإسلام قادم بمشروعه الحضاري.. وفيه وحده الخلاص..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل