; مهمة علماء الإسلام.. الحلقة الأخيرة | مجلة المجتمع

العنوان مهمة علماء الإسلام.. الحلقة الأخيرة

الكاتب علال الفاسي

تاريخ النشر الثلاثاء 27-مايو-1975

مشاهدات 120

نشر في العدد 251

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 27-مايو-1975

مهمة علماء الإسلام.. الحلقة الأخيرة من مهمة العلماء التي يلقنونها لطلبتهم ويقومون بها عمليًا الجهاد في سبيل الله ومقاومة السيطرة الأجنبية الكافرة سواء كانت بالحكم العادي أو بغيره، كما يعلمونهم مقاومة رواسبه كهيمنة اللغة الأجنبية على الدولة والتعليم والحياة العامة، أو هيمنة الأجنبي على الاقتصاد الإسلامي والتحكم فيه، وأحرى بالهيمنة على الأقاليم الوطنية التي يتحكم فيها المستعمرون الأشداء ويأبون كل تراجع أو تصالح معنا. وهذه المهمة لا يمكن أن تقوم وتتم إلا بتثبيت العقيدة بالله واليوم الآخر وبالرسول والقرآن على أنه وحي من عند الله، وبمناهج الإسلام في التربية والأخلاق، وتجنب قشور الحضارة الغربية التي تجردنا من شخصيتنا ومن كياننا. هذه المهمة التربوية الأساس الملقاة على عائق علمائنا ضرورة لإقناع الشباب بأن الغرب إنما نهض ونجح بتخليه عن الدين وإتباع طريق العلمانية واللادينية، ولم يبقوا متمسكين إلا ببعض منه، والعودة إليه وإلى مصادره تعتبر رجعية وردة إلى الوراء، والوسيلة الوحيدة هي اتباع الماركسية اللينينية أو غيرها من مبادئ جاهلية العصر القائمة على المادية والألينة الدينية، مع أن هذه الادعاءات كلها تضليل، فالغرب نهض بالعلمانية حقًا لأنه كان تحت قبضة الكهنوت. والفيودالية المتحالفة معه، وحيث أصبحت المسيحية عبادة للبابا وممثليه من دون الله كان لا بد أن لا ينجح الغرب إلا بالتخلي عن الكهنوت، أي عن الخرافة، فنهوض المسيحيين ليس بالتخلي عن الإيمان بالعقيدة الأصلية ولكن بالخرافة التي حلت محلها وهي عبادة المسيح ومن يمثله بزعمهم من الأحبار والرهبان كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ﴾ (التوبة:31) أما نحن المسلمين فليس لنا كهنوت، ونحن علمانيون بطبيعة ديننا لأن كل واحد منا متصل بالله الذي هو أقرب إلينا من حبل الوريد لا نحتاج لحبر ولا لراهب ليحلل لنا أو يحرم أو ليعطينا الغفران من ذنوبنا التي نعترف بها أمامه، وليس علماؤنا رهبانًا ولكنهم ذوو اختصاص في علم من العلوم التي هي علوم الشريعة كما يختص غيرهم في الطب أو الهندسة، فإذا رجعنا إليهم فإنما لنستفيد من معرفتهم وذلك إذا لم نكن نحن قادرين على أن نجيب عما نريد أن نسأل عنه بأنفسنا ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل:43) ، وكل واحد منا مجتهد إذا قدر على ذلك أما رهبنة الإسلام فهي الجهاد في سبيل الله، وليس الكهنوت المسؤول عن مصير الدين، ولكن كل مسلم وكل مسلمة مسؤولون عن حالة الإسلام والمسلمين ومطالبون بأن يقاوموا أعداءهم، ولذلك لو بقي مسلم واحد في وسط ثلة من المنحرفين أو الكافرين لكان منه المنقذ الذي يقوم بواجب الإحياء والتجديد والذي يصدق عليه ما بشر به النبي في قوله :«من يجدد» وأما ضعف تمسك المسلمين بالإسلام والإبقاء على بعض منه فقط فهذا صحيح مع غاية الأسف، ولكنه لا يدعو إلى اليأس لأن ذلك من طبائع الأشياء كما أنبأنا الرسول بذلك في حديث الخلوف السابق. وقد قال تعالى في كتابه العزيز﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ *ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (التين:4-5-6)، فالصعود للإنسان ثم الهبوط ثم الصعود ثم الهبوط شيء ضروري، ولكن الثلة المؤمنة التي تظل تعمل الصالحات ولا ينقطع أجرها هي التي تعود بالمسلمين وبالإنسان إلى ما خلق عليه من أحسن تقويم وترفعه من أسفل سافلين إلى أعلى عليين، فضعف المسلمين أو تخليهم شيء موقوت لا بد أن يزول، ولن يزيله خروجهم عن ملتهم أو قبولهم مبدأ الألينة الدينية، بل بقيام طائفة ظاهرة على الحق بواجبها لرد المسلمين إلى حظيرة الإسلام الحق، ولو انحرف بعضهم فوقع في مزلقة الألينة المذكورة فإنه لا يضر أولئك العاملين الذين قال فيهم الرسول:«لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله». إن علماءنا اليوم مسؤولون عن تربية شبابنا وإرشاد أمتنا، ولكن عليهم لكي ينجحوا أن يعطوا الدليل العملي من سلوكهم وقيامهم بالنضال المستميت في سبيل الحق، في بعث الإسلام ثقافة وحضارة وشريعة ولغة كتابة، أما إذا كان العلماء يسكتون عن بقاء اللغة العربية في الحالة التي هي فيها بعيدة عن كل ميادين الدولة، بعيدة عن ميادين وافرة من التعليم، بعيدة عن الحياة العامة، وعن بقاء لغة الاستعمار مهيمنة علينا في كل تلك الميادين، ولن يتقدموا للدعوة والإرشاد معلنين أن زوال لغة الأجنبي فرض أساس لا يقبل الله منا ولا من حكامنا صرفًا ولا عدلًا إلا بتحقيقه، إذا سكتوا في هذا فكيف يمكنهم أن يتولوا غيره من المسائل التي هي أدهى وأمر. وإذا كان علماؤنا سيبقون غافلين عن استمرار الاستعمار القانوني وهيمنة القوانين الوضعية المؤسسة على مبادئ الاستعمار ومصالح الرأسماليين الأجانب دون العودة إلى شريعة الإسلام التي نجد فيها ما لا نجده قطعًا في غيرها من مجموعات الشرائع الخمس، فكيف يقال عليهم أنهم علماء وأنهم أنصار السنة وخريجو دار الحديث، والله يقول: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: 44) ﴿فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (المائدة:45) ﴿فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (المائدة:47) إن من حسن الحظ أن نفحة قد ظهرت باستعداد الدولة لإحياء المعاهد الإسلامية لدراسة الشريعة الإسلامية وما يحتاج إليه الطلاب من زاد علمي، ولكن هذا ما يزال مشروعًا لم ينجز بعد وما تزال ثمرته بعيدة المنال، فالواجب أن يقوم المتخرجون اليوم بواجب الدعوة إلى تعميم التعليم الديني والأخلاقي على وجهه في سائر مدارس الدولة لأن طلب العلم ولا سيما الديني فرض على. مهمة علماء الإسلام كل مسلم ومسلمة، ولأن وحده هو الذي يحرر فكر طلابنا وشبابنا من هيمنة الألينة الأجنبية عليها. وإذا كان علماؤنا لا يصدعون بضرورة مقاومة الفقر والعمل على تحسين المعاش وتحقيق العدالة الاجتماعية لسائر أفراد الأمة وتسوية أهل البوادي بالحواضر في جميع مظاهر الحضارة المشروعة التي تقدم مدننا فيها دون باديتنا مع أنهم يعرفون أن في تعادلية الإسلام ما يضمن للأمة العمل وحسن المعاش، و التحرر من هيمنة الأجنبي الاقتصادية ومن تحالفات المغاربة مع الأجانب على استعباد المواطنين وإخضاع الفكر المغربي في الحكومة وخارجها إلى ما يزيد مصالح الأجنبي وأذنابه والمتعاونين معه، فكيف يمكنهم أن يعد عملهم في تاريخ النهضة الشعبية، والحصول على قيادة التطور الاجتماعي. وإذا كان علماؤنا يظلون يرون الخمور والفساد منتشرين علنًا وسرًا في كل الأمكنة والبقاع، ويرون القوانين الصادرة فيها مهملة معطلة، ثم لا يقولون إن هذا منكر يجب زواله، فكيف يمكن أن يشاركوا عمليًا في بناء المجتمع الإسلامي الذي نريده ونعمل له. وإذا لم يتصد العلماء بعد الدروس والاستعدادات لمقاومة العهارة الفكرية ومناضلة الذين ينشرونها بشتى وسائل التقليل والاستقلال، فمن الذي يقوم بهذه المهمة غيرهم؟ أهم ضحاياها من الشباب أو عامة الشعب الذين لم يعوا ما يريد بهم لهؤلاء العلماء المتآمرون. وإذا كان العلماء يرون على مرأى ومسمع من الجميع دعاة التبشير بالمسيحية والبهائية والإلحاد في وسطنا وفي مدارسنا ومعاهدنا وفي منتدياتنا، علاوة على شتى المدارس الدينية الأجنبية التي لم تؤسس إلا لجمع اليتامى واللقطاء من إخواننا لينشؤوهم تنشئة غير إسلامية وليخلقوا في وسطنا أخلاطًا وأنماطًا لا تستطيع أن تتحد إلا على التخلي عن الدين على الأقل في الدولة أو في القوانين، بدعوى حياد الدولة ووحدة التشريع للجميع، فإنهم الذين سيسألون غدًا أمام الله ما فرطوا في ذات الله وعلى عدم قيامهم بواجب الذب عن حمى الإسلام ومقاومة الكفر والطغيان. وأخيرًا إذا لم يكن العلماء في مقدمة الذين يقاومون الظلم والظالمين والرشوة وحرمان المستضعفين من حقوقهم، أولئك الرجال والنساء الذين يقولون ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ (النساء: 75)، إذا لم يكن العلماء في هذا الموقف فمن يحل محلهم هل الجاهلون أم الظالمون. لقد قال الله تعالى في حق المؤمنين وغيرهم ممن انحرفوا من الطريق وأرادوا العودة إلى سبيل الحق وصراط النجاح: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11). وإنها لسنة من سنن الله في الكون صدع بها القرآن فيعمل بها الإنسان فيقوم بالتغيير الجذري الذي يريده الإسلام منه، وهل يمكن لأي قوم أن يقوموا بمعرفة السنة على وجهها وتغيير ما بأنفسهم إذا لم يقم العلماء بحقيقتها وتجلية ما بأنفسهم لهم حتى يروه بارزًا، وإرشادهم إلى ضرورة التغير وما هو الذي يطلب منهم أن يصيروا إليه، لا بد للعلماء أن يستخدموا من كتاب الله وسنة رسوله وهدى السلف الصالح، وما إفادة العلم الحديث وتجارب الأمم والشعوب ما يعوض الإسلام أن يكون غاية التغيير المطلوب منا لبناء المجتمع الإسلامي الحديث القائم على أصالة الدين، وحداثة الأنظمة والأساليب، فعلى علمائنا أن يعملوا جهد المستطاع لتحقيق هذا الهدف والإعداد له. وإنكم يا خریجي دار الحديث الحسنية تعلق عليكم آمالًا كبيرة فلا يكن حظكم من العلم هو طلب الحرمة والجاه والوظائف العالية والتخلي عن أداء مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لقد قال سفيان الثوري: «لله قراء والشيطان قراء، وصنفان إذا صلحا صلح الناس، السلطان والقراء» يعني العلماء. وصدق العظيم: ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (القصص: 83).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 5

181

الثلاثاء 14-أبريل-1970

التبرع لمنكوبي الزلازل في تركيا

نشر في العدد 146

109

الثلاثاء 17-أبريل-1973

كتاب (دفاع عن الشريعة)

نشر في العدد 247

185

الثلاثاء 29-أبريل-1975

مهمة علماء الإسلام (247)