; مهمة علماء الإسلام (247) | مجلة المجتمع

العنوان مهمة علماء الإسلام (247)

الكاتب علال الفاسي

تاريخ النشر الثلاثاء 29-أبريل-1975

مشاهدات 185

نشر في العدد 247

نشر في الصفحة 15

الثلاثاء 29-أبريل-1975

في العدد قبل الماضي- رقم ٢٤٥- كان التعليق الأسبوعي لـ«المجتمع». خطاباً مفتوحاً إلى علماء الدين والمثقفين يستنفرهم للقيام بواجبهم في إظهار الحقيقة. وقيادة الأمة وتخليصها من باطل الطغيان. ولغو المرجفين.

وكان الأستاذ علال الفاسي- رحمه الله- قد ألقى محاضرة نافعة في هذا المجال موضوعها وعنوانها «مهمة العلماء في الإسلام» رأينا من المفيد نشرها وتعميم خيرها إن شاء الله.

فالمحاضرة تتمشى مع سعي «المجتمع» في إحياء رسالة علماء الإسلام وتعزيز مكانتهم من خلال أداء واجبهم. والنهوض بدورهم.

من جانب آخر.. نحن نحس أن الإسلاميين حين يموتون يواجه إنتاجهم وتواجه مواقفهم بالطمس والجمود والتعتيم من قبل أجهزة الإعلام المشبوهة.

ولعل في نشر هذه المحاضرة للمرحوم علال الفاسي بعض الوفاء للخير الذي قدمه الرجل للإسلام.. وللأمة:

من المعلوم أن مهمة العلماء قديما وحديثاً واحدة، فهي مستمدة من طبيعة الدعوة التي جاء بها النبي- صلى الله عليه وسلم، كما أن الثقافة التي يستعملونها لتقويم المعوج من الإنسانية ووصلها بالقيمة المثلى، هي من طبيعة تلك الدعوة، لأنها تجلية لها ودفاع عنها، وبهذا الاعتبار صح للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: العلماء ورثة الأنبياء إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر.

وإذا كان الأنبياء قد بلغوا الدين وحملوا الرسالة فمهمة العلماء هي حفظ ذلك الميراث وتبليغه بكل أمانة.

والنضال في سبيله بمختلف الوسائل وابتكار هذه الوسائل نفسها. وذلك ما يقول فيه الرسول:

يحمل هذا الدين من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.

فالمهمة إذن محددة كامل التحديد في هذا الحديث الشريف وهي تنحصر في نقط ثلاث:

۱- إزالة كل انحراف عن الدين مصدره الغلو في العقيدة أو المشادة في الدين.

۲ – دفع انتحالات المبطلين الذين يدخلون في الدين ما ليس منه، وتتسرب إلى أفكارهم من حيث لا يشعرون، مبادئ باطلة لا تتفق وطبيعة التوحيد.

٣- تقويم تأويلات الجاهلين بالدين الذين لا يبالون بالانحلال الذي يصيب عقائدهم متى تدرعوا بما يرضي غرائزهم.

ويستوجب القيام بهذه النقط طبعًا معرفة الدين نفسه ومركزه من الديانات الأخرى ومن النظريات والأفكار الإنسانية على اختلاف العصور. وهذا ما يستوجب المعرفة بالبشر وباللغات والتطورات التاريخية والعلمية، وكل مقومات الحضارات الإنسانية، ووسائلها الثقافية لتكوين الخلق الإنساني في كل البيئات والعصور، وهكذا تصبح الدعوة الدينية نفسها محوراً أساساً تحيط به كل المعرفة الإنسانية وتنجذب إليه كل الابتكارات والمناهج البناءة، فتصبح هي والثقافة متحدتي المعنى، مشتركتي المدلول.

وإذا عرضنا لدراسة معالم الفكر العربي في الصدر الأول وتبينا ثروة العرب الفكرية المدهشة في بيان نهضتهم العلمية المبدعة، وجدنا أن كل ما فعله العرب لم يكن إلا بباعث من الدين ولخدمة مقاصده، فالإصلاح الثوري الذي أحدثه الإسلام في المجتمع العربي كون من نفسه تعليماً جديداً كان الرسول مدرسته الأولى التي أخرجت من الأساتذة العلماء من ذهبوا في الآفاق يبلغون الدعوة، وينشرون العلم بمقوماتها، وسرعان ما احتاج الناس إلى تفهم الغايات والأسباب والمعاني والألفاظ فبدأت العلوم الإسلامية تتكون وسرعان ما بدأ الفكر العربي يتفتح، فاحتاج إلى معارضة المقاومين له ومقارعتهم بالحجة والبرهان فتكونت العلوم الإنسانية العقلية والفلسفية.

وكان عصر الالتقاء بين مختلف الثقافات الإنسانية في ظل الدولة الإسلامية.

ولقد انتبه الكثيرون من علماء المسلمين ومن علماء الاستشراق أيضاً إلى الأثر الذي أحدثه الدين في ميدان المعرفة العربية، فاعترفوا بكون الدين نفسه كان السبب المباشر لا في خلق جو علمي قوي في الوسط المسلم فقط، ولكن في ابتكار العلوم وتعاطي ما كان موجوداً منها. وقد أوضح مؤلف عربي ناشئ هو الدكتور كمال اليازجي معالم الفكر العربي في كتاب له بهذا الاسم صدر أخيراً ببيروت، فأكد ما سبق أن أعلنه كولد زهير ورجيه باستيد، وما سبقهم إليه الذين كتبوا من المسلمين عن قانون العلوم، أمثال الفارابي واليوسي من متأخري المغاربة.

على أن عالماً من علماء القرويين الذين نبغوا في القرن الثاني عشر الهجري هو أبو عبد الله محمد بن عثمان الطرنباطي ألف كتاباً في فضل العلم سماه «بلوغ أقصى المرام في شرف العلم وما يتعلق به من أحكام» وأوضح في مقدمته الأسباب التي أدت إلى اختراع المسلمين ما اخترعوه من العلوم وتبني ما تبنوه وقد واجه الموضوع كما يأتي:

١- لما استفحل القتل في القراء وخاف أبو بكر ضياع القرآن جمعه في المصحف لعلمه أن ذلك وسيلة إلى حفظه.

٢- لما أحس عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن فهم الكتاب والسنة يحتاج إلى موصل لما فيهما من دقائق الإشارات وغرائب العبارات حض على رواية الشعر وتعلمه فقال في خطبته عليكم بديوانكم لا يضل. قيل ما هو؟

قال: شعر الجاهلية فيه معنى كتابكم.

٣- لما خشي عثمان (رضي الله عنه) اختلاف الناس جمع القرآن في المصاحف لعلمه أن ذلك وسيلة إلى ضبطه وارتفاع النزاع فيه.

٤- لما سمع علي كرم الله وجهه اللحن وخاف ضياع العربية وضع النحو لعلمه أن النحو وسيلة لحفظ اللسان العربي، وحفظه وسيلة إلى فهم معاني الكتاب والسنة اللذين هما مدار الشريعة المحمدية.

٥- لما علم مهرة الصحابة والتابعين أن ليس كل أحد يقوم بفهم معاني القرآن اشتغلوا بتفسيره ودونوا له التفاسير نصحاً لمن بعدهم ودونوا الأحاديث النبوية، لأن ذلك وسيلة إلى معرفة ما وقع به التكليف وهو وسيلة إلى الامتثال المقصود.

٦- لما كان ما ينقل من الأحاديث ليس كله متواتراً ولا متفقاً على صحته عن النبي- صلى الله عليه وسلم-، بل منه الصحيح سنداً وغيره، والقوي سنداً وغيره، واحتاج أئمة الدين إلى تمييز المعمول به من غيره وإلى معرفة تلقي ذلك وتبليغه- أحدثوا صناعة الحديث وما فيها من الاصطلاحات والألقاب.

٧- لما كانت الأحكام المأخوذة من الكتاب والسنة منها ما يرجع إلى كيفية عمل ومنها ما يرجع إلى اعتقاد صرف، والأولى لا تتناهى كثرة، فامتنع حفظها كلها لوقت الحاجة، فأنيطت بأدلة كلية من عمومات وعلل تفصيلية تستنبط منها وقت الحاجة، فجمعوا ذلك ودونوه وسموا العلم الحاصل عنه فقها.

٨- لما احتاجوا إلى استنباط المسائل المجددة والجواب عن كل نازلة إلى مقدمات كلية، كل مقدمة منها يبنى عليها كثير من الأحكام وربما التبست ووقع فيها الاختلاف، حتى تشعبوا شعباً، وافترقوا على مذاهب لم يروا إهمالها نصحاً لمن بعدهم إعانة على إدراك الحقائق فدونوا ذلك وسموه أصول الفقه.

٩- والثانية وهي الاعتقادات كانت في صدر الإسلام سليمة، وحين تكاثرت الأهواء والشيع وافترقت الأمة، كما أخبر به الصادق المصدوق- صلى الله عليه وسلم-، على فرق، وكثر الخبث في الدين وغطت على الحق شبه المبطلين، انتهض علماء الأمة، وعظماء الملة إلى مناضلة المبطلين باللسان كما كان الصدر الأول يناضلون عن الدين بالسنان، وأعدوا للمبطلين ما استطاعوا من قوة فاحتاجوا إلى مقدمات كلية، وقواعد عقلية واصطلاحات وأوضاع يجعلونها محل النزاع ويتفهمون فيها مقاصد القوم عند الدفاع، فدونوا ذلك وسموه علم الكلام وأصول الدين ليكون بإزاء أصول الفقه السابق.

١٠- وأيضاً لما كانت ألفاظ الكتاب والسنة عربية، وفهمها موقوف على فهم لغة العرب وضعوا اللغة ودونوها.

۱۱- ولما كان ثبوت الشريعة موقوفاً على صدق الرسول الموقوف على ثبوت المعجزة، وكان أعظم المعجزات القرآن العظيم، وكان إعجاز القرآن الموصل إلى ما ذكر يحتاج إلى مزيد فهم وتحقيق، إذ هو مملوء بالمجازات والاستعارات والكنايات، فوضعوا علم البلاغة ودونوه.

١٢- لما احتاجوا في أمر الصلاة والصيام وغيرها إلى معرفة القبلة وساعات الليل والنهار دونوا علم الهيئة.

۱۳- لما احتاجوا إلى العد والمحاصات وقسمة التركات وسائر المعاملات وضعوا علم الحساب إلى غير ذلك من الفنون.

١٤- لما كان كل ما ذكر من الفنون وغيرها دائراً بين إدراك أمرين والحكم بأحدهما على الآخر، وكان الفكر عند الحكم ليس بمصيب دائماً بدليل مناقضة بعض العقلاء بعضاً في مقتضى أفكارهم، فاحتيج إلى ما يوصل إلى الإدراك ويميز صحيح الفكر من سقيمه، دونوا علم المنطق وعربوه لتنتفع به هذه الأمة المشرفة العربية إذ هو المهيمن على الأفكار وكان من العلوم التي استخرجها اليونان ومن الحكمة التي أعطوها وكان يقال: أنزلت الحكمة على ثلاثة أعضاء في الجسد: قلوب اليونان، ولسان العرب، وأيدي اليمنيين.

فإذا فهمت هذا علمت أن التوصل إلى الحق بكل ما أمكن سنة فعلها كل الخلفاء رضي الله الله عنهم، بل وكل الصحابة، فلا يخطر ببالك وجه لتحريم شيء من هذه العلوم، ولا أن يقال فيه إنه مذموم، إذ هي كلها وسائل إلى المقصود وحائمة على الورد المورود فمن حرم بعضها فليحرم جميعاً. وإلا فمن أين التخصيص ومن أنكر أن يكون ذلك وسيلة فالعيان يكذبه، نعم بعضها أقرب وأكثر إيصالاً من بعض. انتهى كلامه.

وهكذا نجد القرويين مدركة للحاجة إلى التجديد واستعمال كل الوسائل النافعة منذ عهد بعيد، ومدركة كذلك أثر الدين الإسلامي في استنباط العلوم واستخراجها.

وقد عد المرحوم مصطفى صادق الرافعي في الجزء الثاني من كتابه «تاريخ آداب العرب» وهو الجزء المتعلق بإعجاز القرآن، ذلك من معجزة التاريخ العربي ومن معجزة القرآن وبعد أن نقل عن «أحد العلماء» لونا مما نقلناه عن السيد الطرنباطي عاد فقال: غير أنا نوثق الكلمة في أن القرآن الكريم هو كان سبب العلوم الإسلامية ومرجعها كلها فإنه ما من علم إلا وقد نظر أهله في القرآن وأخذوا منه مادة علمهم أو مادة الحياة له. فقد كانت سطوة الناس في الأجيال الأولى من العامة وأشباه العامة، شديدة على أهل العلوم النظرية إلا أن يجعلوا بينهما وبين القرآن شيئاً من التأويل والاستشهاد والنظر في آثار الله، إلى ما يشبه ذلك بما يكون في نفسه صلة طبيعية بين أهل العقول والبحث وأهل القلوب والتسليم. هـ (الرافعي تاريخ آداب العرب ج ۲، ص ١١٨).

ولكني ألاحظ على السيد الرافعي تعليله الأخير بشدة العامة على أهل العلوم النظرية فهو ما لا أوافقه عليه. إذ الحقيقة أن ذلك لم يكن قط الباعث على الاتصال بالقرآن، بل العكس هو الصحيح كما يوثقه بنفسه قبل بضع كلمات. أما تشدد السلفيين على النظريين فهو راجع إلى لون آخر من الاختلاف. هو هل الأفضل التمسك الحرفي بالصيغ المروية وتسليم ما فيها استناداً على اليقين وعلماً بأن كل ما يصل إليه الإنسان من المعرفة لن يزيد شيئا في إدراك الحقائق الغيبية.

أو البحث عن وسائل أخرى للاقتناع والقناع وهو مذهب الخلف علماً منهم بحاجة العامة من المؤمنين وغيرهم إلى ما يأخذ بيدهم ويقرب لهم عن طريق مسلماتهم العلمية ما يستعصي عليهم قبوله بدونها. وهذا الاختلاف ليس لا في درجة اليقين الناشئ عن مقدار المعرفة.

ومهما يكن فالقرآن الذي أثر في خلق هذه المعارف الجمة وتنويعها، والذي أنشأ عالماً مليئاً بالبحث والدرس والنظر لا يمكن أن يقف قط في وجه أي منهج جديد من مناهج البحث أو طريق من طرق المعرفة، فكيف يعامل بجرم الجامدين من رجال الكنيسة المسيحية حين اختلفت مع أقطاب الحركة العمية؟ فتح القرآن أذهان المسلمين ودفعهم لأن يقوموا بالنظر في الكون وتلمس أسراره واستجلاء غوامضه، وقد استجابوا للدعوة وقاموا بالمهمة فكان منهم الأقطاب العاملون الذين أناروا السبيل وعبدوا المناهج لمن بعدهم.

وقيام علماء المسلمين بمهمتهم هو الذي جعلهم يفتحون للفكر الإسلامي آفاقا جديدة ويبتكرون للنظر منهجاً تجريبياً يختلف تماماً عن الفكر القياسي الذي يسير عليه المنطق الأرسطي.

وقد قرر الأستاذ بريفو في كتابه: إن روجي بيكون تعلم العربية والعلم العربي. وأنه لم يكن له ولا لسميه الآخر فضل في إدخال المنهج التجريبي إلى أوروبا، ولم يكن روجى بيكون في الحقيقة إلا واحداً من رسل العلم والمنهج الإسلامي إلى أوروبا المسيحية ولم يكف بيكون عن القول بأن معرفة العرب وعملهم هو الطريق الوحيد للمعرفة الحق لمعاصريه. ويقول بريفو: انتشر منهج العرب التجريبي في عصر بيكون، وتعلمه الناس في أوربة تحذوهم إلى هذا رغبة ملحة (علي سامي النشار، خاتمة كتاب مناهج البحث عند مفكري الإسلام).

وهكذا نجد أن القيام بتحمل الميراث الثقيل الذي خلفه الرسول الأعظم- صلى الله عليه وسلم- للعلماء، أدى بهم إلى أن يتحققوا قبل كل شيء بحقيقة العلم، كما أن الدعوة الإسلامية جعلت الفكر العربي يتحرر من كل القيود التقليدية ويميز بين ما هو منسجم مع العقل وما هو من الطفيليات التي تلتصق بالذهن كأغلوطة موروثة.

ولقد اعترف دارسو الحضارات الإنسانية بأن العرب استطاعوا أن يجعلوا خير طابع لحضارتهم من مقدرتها على استكناه المسائل واقتناء المعرفة من جميع المنابع ثم صهرها وصياغتها بمقتضى المقياس العربي القائم على التجربة وعلى النظر.

وبذلك هضموا كل ما تعلموه، واستحقوا أن يكونوا أساتذة العلم لا في ما ابتكروه من علم فقط بل في كل ما نقلوه عن غيرهم بأمانة ودقة.

لقد سبق العرب بالعمل بهذا القانون الذي يلخصه روجيه باستید في قوله:

«إن فاعلية التمدين تتألف بالدرجة الأولى من انتظام الطبيعة في الأخلاق بتوسط الثقافة خلال جميع أحوال التنوع التجريبي وأن عكس فاعلية التمدين يسبب الوحشية» (روجيه باستيد، المدنية سرابها- وواقعها، الفصل الختامي «النص العربي»).

ومعنى هذا أن المجهود العربي انصرف كله لتوجيه الفاعلية الإنسانية الاجتماعية منحى نمو الأخلاق أو بعبارة أدق منحى معرفة الإنسان لنفسه. فالطبيعة تؤخذ كخميرة أولى لتصنع منها عن طريق الثقافة مدنية غايتها هي الخلق أي معرفة الذات.

والعلم لا يقوم إلا بتجلية القيمة النهائية لتنوع الحوادث الإنسانية ولا يمكن أن يتخذ العلم الوضعي أو قوانينه كمعيار نهائي إلا إذا أعطينا للعلم وظيفة تزييف القيم الإنسانية وهو ما لا يستطيع العلم أن يدعيه.

فالغاية إذن هي إنجاح التجربة الإنسانية المبتدئة من المشاهدة والمعتمدة على العقل في تقييم الحوادث المتنوعة طبقاً للغاية المثلى.

إن علماء الإسلام الأولين أعطوا الشخصية النموذجية لانكباب الإنسان على التوفيق بين الطبيعة المعطاة له على أنها لا تحمل قيماً روحية وبين الغاية الخلقية التي تملأ الطبيعة بمحتوى روحي جديد عن طريق الثقافة فأحمد بن حنبل ومالك والشافعي وأبو حنيفة والباقلاني وابن تيمية وعديد غيرهم من مختلف أساطين المعرفة الإسلامية، ضربوا خير مثل لقيام العالم الديني بمهمته. في تجرد من حب الذات، وبعد عن الملذات أن الحروب المدنية التي وقعت داخل المجتمع الإسلامي ما كانت لتستطيع القضاء على متطرفي الخوارج ولا على مذهب الاعتزال والقول بخلق القرآن مثلاً وإنما قضى على ذلك كله موقف العلماء النظار الذين أضافوا إلى المعرفة الصحيحة الثبات في العقيدة والتضحية من أجلها. إن العذاب الذي تحمله أحمد بن حنبل من الخليفة المعتصم هو الذي قضى على الاعتزال وحكم بالنصر للسنة. وإن نفس الدور الذي قام به ابن تيمية والشاطبي وأضرابهما في العصور الوسطى هو الذي حما السنة من الضياع، وكتب لها الغلبة في النهاية على الخرافة وعلى الابتداع.

وإذا كان الشرق الإسلامي قد سبق إلى ابتكار العلوم وإنضاجها فإن المغرب سرعان ما اعتنق الإسلام وأخذ يدلي بدلوه ليكرع من معين حضارة رائعة ويستنبط ينابيع أخرى تتفق مع ذوقه الخاص. وطابعه الممتاز.

ولقد لعب المعهد القروي والمعاهد الدينية الأخرى في المغرب والأندلس دوراً هاماً في تنقيح المنقول وابتكار المعقول، وفي ذلك الجو نشأ أبطال في المعرفة والفلسفة أمثال ابن رشد وابن الطفيل وابن باجة وابن حزم وابن البنا وابن العربي وغيرهم من مختلف رجال الفكر الذين نشروا المعرفة وضحوا في سبيلها، وكانوا القناة التي سقت الغرب الأوروبي فأثمر عن ابن باجة بعض المعطيات التي قدمها المفكرون المغاربة للثقافة العربية، وفي مقدمتها سيطرة العقل عند المغاربة وحسن الإنتاج والابتكار إلى جودة التنسيق والاختصار، ونضيف إلى ذلك أن المغاربة عملوا على توحيد مجتمعهم لا من جهة العقائد ولا من جهة الفروع فتخلصوا من الطائفيات وانصرفوا لدراسة الإنسان وعلاقته بالطبيعة متجنبين بقدر الإمكان كل الأبحاث الميتافيزيقية التي لا يمكن للإنسان إدراكها إلا عن طريق النقل .

واتجهوا في فلسفتهم الاجتماعية نحو مجتمع واقعي يقوم على التعاون ويتأثر بقوانين الكون وعوامل الاقتصاد ويتطور بحسب البداوة والغزو أو الحضارة والإتجار. ومقدمة ابن خلدون خير مثال لذلك. على أن الاتجاه الاجتماعي كان بارزاً لا عند الفلاسفة والفقهاء المغاربة فقط بل حتى عند متصوفة المغرب أمثال أبي العباس السبتي وأبي محمد صالح من الذين بحثوا في تجربتهم الروحية سبيل خدمة المجتمع والتعاون على سد حاجاته. وبذلك قدر المغاربة مهمة العالم الديني على أنها ليست في مجرد البحث والتدريس ولكن حتى في نقل معرفته وبذل جهوده لخدمة الإنسان وتحسين حالته المادية والخلقية. ولكن المسلمين لم يسيروا على وتيرة واحدة دائمًا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 5

181

الثلاثاء 14-أبريل-1970

التبرع لمنكوبي الزلازل في تركيا

نشر في العدد 146

109

الثلاثاء 17-أبريل-1973

كتاب (دفاع عن الشريعة)