; مواصفات الداعية (3) الرحمة.. الرفق | مجلة المجتمع

العنوان مواصفات الداعية (3) الرحمة.. الرفق

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 17-مايو-2008

مشاهدات 85

نشر في العدد 1802

نشر في الصفحة 52

السبت 17-مايو-2008

كان رسول الله [ سيد الدعاة رحمة تمشي على الأرض، يقول عن نفسه الرحيمة: «إنما أنا رحمة مهداة» (الحاكم).. بُعث بالرحمة، ويقول: «وبُعثت بالرحمة» (رواه مسلم)، ودعا إلى الرحمة فقال: «ارحموا تُرحموا» رواه أحمد).. وأرسله الله بالرحمة وقال تعالى: {$ّمّا أّرًسّلًنّاكّ إلاَّ رّحًمّةْ لٌَلًعّالّمٌينّ <107>}(الأنبياء).

 

[... ما أرحمه بمن يدعوهم، وما أشد حرصه على هدايتهم.. يقول الله تعالى له: {لّعّلَّكّ بّاخٌعِ نَّفًسّكّ أّلاَّ يّكٍونٍوا مٍؤًمٌنٌينّ (3)}(الشعراء).. يدعو الناس رحمة بهم ورغبة في نجاتهم من غضب الله عز وجل، ويقول لنا موضحاً ذلك: «إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد ناراً فجعلت الدواب والفراش يقعن فيه، فأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقتحمون فيه» (رواه مسلم).

فربنا هو الرحمن الرحيم، ورسولنا رحمة، وديننا يدعو إلى الرحمة.

الرحــمة..

والرحمة: «هي الشفقة واللين والرأفة ورقة المشاعر والأحاسيس وبشاشة الوجه، والبعد عن القسوة والجفاء..»(1).

وهي: «الرقة والعطف والمغفرة»(2).

فينبغي للداعي إلى الله أن تكون الرحمة ملازمة له حيّة في نفسه، مستقرة في قلبه ووجدانه ليظهر أثرها في دعوته للناس حباً وإشفاقاً ورفقاً بهم، فهو كالوالد المشفق على أبنائه البارّ بهم، وكالطبيب الحريص على شفاء مرضاه وسلامتهم لا موتهم أو قتلهم للتخلص منهم.

وقد قال الشاعر:

«ارحم بُنيّ جميع الخلق كلهم

وانظر إليهم بعين اللطف والشفقه

وقر كبيرهم وارحم صغيرهم

 وارعَ في كل خَلْق حقّ مَن خلَقه»(3).

ولقد خص الله رسوله [ بهذا الخلق وامتدحه به فقال: {لّقّدً جّاءّكٍمً رّسٍولِ مٌَنً أّنفٍسٌكٍمً عّزٌيزِ عّلّيًهٌ مّا عّنٌتٍَمً حّرٌيصِ عّلّيًكٍم بٌالًمٍؤًمٌنٌينّ رّءٍوفِ رَّحٌيمِ <128>} (التوبة). وبيّن له أن الفظاظة أو الغلظة لا تأتي بخير فقال: {فّبٌمّا رّحًمّةُ مٌَنّ پلَّهٌ لٌنتّ لّهٍمً $ّلّوً كٍنتّ فّظَْا غّلٌيظّ پًقّلًبٌ لانفّضٍَوا مٌنً حّوًلٌكّ...} (آل عمران:159)..

 الداعي وخلق الرحمة..

والرحمة تجعل الداعية صبوراً في إبلاغ دعوته، معرضاً عن حماقات الجاهلين، ومنهم يكتسب صفة الاستمرارية في عمله الدعوي، فهو الحريص على هدايتهم لعلمه بعاقبة المكذبين منهم والعصاة، يبذل جهده ليعرفهم ويدلهم على الطريق.

«وما دام الداعي المسلم ينظر إلى من يدعوهم نظرة الرحمة والشفقة عليهم فإنه يعفو ويصفح عنهم في حق نفسه، قال تعالى: {خٍذٌ پًعّفًوّ $ّأًمٍرً بٌالًعٍرًفٌ $ّأّعًرٌضً عّنٌ پًجّاهٌلٌينّ <199>} (الأعراف).

وإذا كان هذا هو شأن الداعي المسلم بالنسبة لمن يدعوهم ويحتمل صدور الأذى منهم فإن عفو الداعي وصفحه عن أصحابه أوسع، قال تعالى: {فّاعًفٍ عّنًهٍمً $ّاسًتّغًفٌرً لّهٍمً $ّشّاوٌرًهٍمً فٌي الأّمًرٌ} ( آل عمران:159)..

 «فليتق الدعاة إلى الله ربهم، وليتكلفوا الرحمة والرفق إن لم يكونوا رحماء حتى يكتسبوها ويألفوها، ولا يكونوا منفرين عن الإسلام بسوء أخلاقهم وغلظة قلوبهم وخشونة طبعهم وبذاءة كلامهم، فإن عجزوا عن اكتساب الرحمة، وحمل نفوسهم على أخلاق الإسلام فمن الخير لهم وللدعوة ترك الدعوة والانصراف إلى علاج نفوسهم»(4).

الرفــق..

 وهو خلق جميل من الأخلاق التي يجب على كل مسلم التحلي بها ولا سيما الدعاة إلى الله.. وهو زينة الأعمال كما أخبرنا رسول الله [ في قوله: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» (مسلم). وحثنا عليه فقال: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه» (مسلم).

«والرفق: هو التلطف في الأمور، والبعد عن العنف والشدة والغلظة»(5).

الرفق من أخلاق النبوة..

وقد كان رسول الله [ أرفق الناس بالناس، وكان هذا الخلق العظيم سمة من سماته وجزءًا من ذاته التي جبلها الله تعالى على مكارم الأخلاق وأحسنها. يدخل عليه أعرابي المسجد وكان حديث العهد بالإسلام لم يتعلم من آدابه الكثير ولم يتفقه في دينه القدر الكافي، وإذا به يقف في جانب المسجد ويبول فيه.

 وتجاه هذا المنظر الذي يؤدي إلى الانفعال ورد الفعل يقوم إليه الصحابة وينهرونه، فإذا بالرسول الرفيق [ يعلمهم أدباً من آداب الدعوة وخلقاً عظيماً من أخلاقها، فكان نعم المؤدب والمعلم إذ يقول لهم: « دعوه، وأريقوا على بوله ذنوباً من ماء ــ أو سجْلاً (دلواً) من ماء، فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين» (البخاري).

وحين جاءه فتى شاب فقال: «يا رسول الله ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه قالوا: مه مه (أي كف)، فقال: ادنه، فدنا منه قريباً، قال فجلس، قال: أتحبه لأمك؟ قال لا والله، جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم. قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم. قال أفتحبه لخالتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم. قال: فوضع يده عليه وقال: اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء» (أحمد).

تدرج الداعي في دعوته..

ومن الرفق أن يتدرج الداعية في دعوة الناس فلا يحملهم على الأخذ بالدين كله  جملة واحدة، وإنما يرتقي معهم درجة درجة، خاصة من أراد الدخول فيه، وإذا كانوا في بداية طريقهم إلى الإيمان، أو حديثي عهد بالإسلام.

وقد علم النبي [ معاذ بن جبل رضي الله عنه ذلك فقال له: «إنك ستأتي قوماً من أهل الكتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» (متفق عليه).

 وكان [ يدعو لمن يرفق بالناس فيقول: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به» (مسلم).

التيسير على المدعوّين..

ومن الرفق التيسير على المدعوين فديننا يسر. وقد قال رسول الله [: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا» (متفق عليه).

وليس معنى ذلك أن يتخلى الداعي في دعوته للناس عن بعض ما أمر الله تعالى به، وإنما يأخذ القدوة من رسول الله [، وقد قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: «ما خير رسول الله [ بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس عنه» (متفق عليه).

«غير أن مظاهر التيسير والتبشير ينبغي ألا تتجاوز حدود المشروع والمباح، فليس من التيسير المطلوب أو المشروع تبديل بعض الأحكام أو التلاعب بمفاهيم الإسلام، وليس منه الإقرار على المعصية مهما كان شأنها، وإن كان للتيسير المشروع دخل في اختيار الوسيلة التي ينبغي أن تستعمل لإنكارها»(6).

الهوامش

(1) علي، مصطفى أحمد، وقدح، أشرف عبد الرءوف، قصص الأخلاق (الرحمة) هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية، السعودية، 1994م.

(2) مجموعة باحثين وأساتذة جامعات، موسوعة الأسرة المسلمة (الأخلاق)، دار المعارف، 1998م، ص190

(3) المرجع نفسه، ص19

(4) المرجع نفسه، ص76

(5) د. عبدالكريم زيدان، أصول الدعوة، الطبعة الثانية، مؤسسة الرسالة بيروت 1987م، ص358

(6) د. محمد سعيد رمضان البوطي، فقه السيرة النبوية، الطبعة الحادية عشرة، دار الفكر دمشق، 1991م، ص 324

 

 

الرابط المختصر :