العنوان مواصفات الداعية الناجح (4) التواضع.. والحلم
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 31-مايو-2008
مشاهدات 86
نشر في العدد 1804
نشر في الصفحة 52
السبت 31-مايو-2008
«التواضع» خلق مهم للداعية.. فهو يخالط الناس ويدعوهم إلى أخلاق الإسلام فكيف يكون عارياً منها؟ ومن طبائع البشر أنهم لا يقبلون قول من يتعالى عليهم.
حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على التواضع وبيّن لنا فضله وعاقبته فقال: «وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله»(أخرجه مسلم).
وحين سئل الفضيل عن التواضع قال: «هو أن تخضع للحق وتنقاد له، ولو سمعته من صبي قبلته، ولو سمعته من أجهل الناس قبلته»، وقال الحسن: «التواضع أن تخرج من منزلك ولا تلقى مسلماً إلا رأيت له عليك فضلاً» (1).
وقد ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل في التواضع. فقد ورد أن رجلاً سأل عائشة رضي الله عنها: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في بيته شيئاً؟ قالت: نعم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصف نعله ويخيط ثوبه ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته. (رواه أحمد).
والتواضع: «هو خفض الجناح ولين الجانب، وقبول الحق ممن كان والانقياد له»(2). قال تعالى:{وعٌبّادٍ الرَّحًمّنٌ الذينّ يمًشٍونّ علّى الأّرًضٌ هّوًنْا وإذّا خّاطّبّهٍمٍ الجّاهٌلٍونّ قّالوا سّلامْا} (الفرقان 63). وعن أنس بن مالك رضى الله عنه أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله. (البخاري).
حاجة الداعي إلى التواضع..
والداعية أحوج ما يكون إلى التواضع؛ حيث إنه يخالط من الناس أصنافاً شتى تتفاوت مستوياتهم ويحتاج إلى القرب منهم، وكسب قلوبهم، فلو ظن بنفسه أنه أفضل منهم وأعلى مقاماً، أو أن له فضلاً عليهم، أو احتقرهم لدنو منزلتهم وطبقاتهم، فقد نأى بنفسه عن خلق يجب ألا ينفك عنه في دعوته؛ بل في حياته كلها ولعرّض نفسه لمقت الله وسخطه، وفي الحديث: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» (مسلم).
التواضع خلق مهم للداعية
«فهو يخالط الناس ويدعوهم إلى الحق وإلى أخلاق الإسلام، فكيف يكون عارياً من التواضع، وهو من ركائز أخلاق الإسلام؟ ثم إن من طبيعة الناس التي جبلهم الله عليها أنهم لا يقبلون قول من يتطاول عليهم ويحتقرهم ويستصغرهم ويتكبر عليهم، وإن كان ما يقوله حقاً وصدقاً(3).
وعكس التواضع.. الكبر
حقيقة الكبر: جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الكبر بطر الحق وغمط الناس» (رواه مسلم).
والداعية بشر قد يخطئ في بعض الأوقات أو يوصل معلومة خطأ عن سهو أو نسيان أو خطأ؛ إذ ليس معصوماً من ذلك، وعندئذ وجب عليه ألا يمتنع عن تصحيحها أو قبول تصويبها من غيره من العلماء، ولا يكابر ويرفض الحق حتى لا يظهر مخطئاً، فالغرض إيصال الرسالة إلى الناس، كما أن الاعتراف بالحق فضيلة، وإلا سكن نفسه الكبر، ودخل قلبه العجب، فيؤدي ذلك إلى نفرة الناس من دعوته وردها عليه. وفي الحديث الشريف: «ثلاث مهلكات: شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه»(الطبراني).
رسول الله.. المثل والقدوة: ألا فليكن لكل داعية من رسول الله [ المثل والقدوة في التواضع، وليتواضع لعباد الله.. قال تعالى: {ولا تٍصّعٌَرً خّدَّكّ لٌلنَّاسٌ ولا تّمًشٌ فٌي الأّرًضٌ مّرّحْا إنَّ اللَّهّ لا يٍحٌبٍَ كٍلَّ مٍخًتّالُ فّخٍورُ }( لقمان :8). وليعلم أن ما عنده من علم فمن الله وحده واهب العلم، وما فُضّل به من فصاحة وبلاغة فمنه ــ سبحانه ــ هو مطلق الألسنة بالكلام، وليحذر أن يسلبه هذا أو ذاك إن تطاول به على عباد الله أو تكبر بسببه، أو نسب ذلك لنفسه دون فضل الله، كما أن عليه أن يحفظ لسانه عن القدْح في إخوانه من الدعاة أو أن يحقرهم أو يقلل من قدر أعمالهم لترجح كفته أمام الناس إعجاباً بنفسه وعمله، أو أن يخالفهم فيما أجمعوا عليه، ظناً أنه وحده على صواب، فليحذر ذلك. وإن حدثته نفسه بشيء منه فليتذكر مَن هم أفضل منه منزلة عند الله وأكثر علماً وأوسع، وهم صحابة رسول الله [ الذين كانوا يأخذون أنفسهم بالتواضع ويلزمونها به.
فها هو الصحابي الجليل أبو هريرة رضى الله عنه، حامل العلم الكثير وراوي أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكذا حذيفة وأبيّ وابن مسعود رضي الله عنهم كانوا «يحملون حزم الحطب وجرب الدقيق على أكتافهم، وكان أبو هريرة يقول ــ وهو والي المدينة والحطب على رأسه ــ: طرّقوا لأميركم»(4).
الحـــلم..
إن الدعوة إلى الله تحتاج الداعية الحليم الذي يتصف بخلق الحلم ، فلا يغضب لنفسه؛ وإنما يكظم غيظه ويعفو ويصفح. وقد اتصف أنبياء الله بالحلم وهم لا يستغنون عنه في مشوار حياتهم ورحلتهم الدعوية إلى أقوامهم، قال تعالى: {والًكّاظٌمٌينّ الغّيًظّ والًعّافٌينّ عّنٌ النَّاسٌ واللَّهٍ يٍحٌبٍَ المٍحًسٌنٌينّ} (آل عمران: 134).
الحلم: «هو ضبط النفس، وكظم الغيظ، ومقابلة السيئة بالحسنة. وهو لا يعني أن يقبل الإنسان الذل أو الهوان. وإنما هو الترفع عن شتم الناس، وتنزيه النفس عن سبهم وعيبهم»(5).
والحلم: «وسيلة لنيل محبة الناس واحترامهم، فقد قيل: أول ما يُعوّض الحليم عن حلمه أن الناس أنصاره»(7).
وبه يتجنب الداعية الوقوع في الخطأ ويكسب ثقة الناس وحبهم. وفي طريق دعوته الطويل يحتاج للتزود من هذا الخلق العظيم ليقوى على المسير. وقد قال الله تعالى لنبيه الكريم: {ادًفّعً بٌالَّتٌي هٌيّ أّحًسّنٍ فّإذّا الذٌي بّيًنّكّ وبّيًنّهٍ عّدّاوّةِ كّأّنَّهٍ ولٌيَِ حّمٌيمِ }(فصلت: 34).
وكان رسول الله [ أحلم الناس.. فعن جابر ] قال: «بينما رسول الله [ يقسم مغانم حنين إذ قام إليه رجل فقال: اعدل، فقال: لقد شقيت إن لم أعدل» (رواه أحمد).
وعكس الحلم.. الغضب
والغضب خلق مذموم إذا كان لغير الله، ولا يليق بالداعية المسلم أن يتخلق به إذ كيف يقبل الناس دعوة من يغضب عليهم ويعاملهم بجفاء؟ وقد نهى النبيصلى الله عليه وسلم عنه فقال: «لا تغضب» (البخاري).
الهوامش
(1) الإمام أبو حامد محمد الغزالي: إحياء علوم الدين ج2 تحقيق سيد بن إبراهيم ابن صادق بن عمران. دار الحديث القاهرة 1998، ص488.
(2) الأستاذ نعيم يوسف: الداعية إلى الله مقوماته وصفاته، الطبعة الأولى، دار المنارة المنصورة2001م ص34.
(3) الدكتور عبد الكريم زيدان، أصول الدعوة، الطبعة الثانية، مؤسسة الرسالة بيروت 1987م، ص 363.
(4) الإمام أبو حامد محمد الغزالي، إحياء علوم الدين ج2 ص323.
(5) مجموعة باحثين وأساتذة جامعات، موسوعة الأسرة المسلمة (الأخلاق)، دار المعارف، 1998م.
(6) موسوعة الأسرة المسلمة (الأخلاق)، مرجع سابق، الصفحة نفسها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل