; مواقف الشعوب الإسلامية في حرب رمضان | مجلة المجتمع

العنوان مواقف الشعوب الإسلامية في حرب رمضان

الكاتب محمد المجذوب

تاريخ النشر الثلاثاء 26-فبراير-1974

مشاهدات 68

نشر في العدد 189

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 26-فبراير-1974

- الشعوب الإسلامية كلها.. كانت في حرب رمضان

- والذين يحاولون طمس الصبغة الإسلامية لأمتنا.. لا يفهمون الحقائق

قبل أيام جاءتني ابنة لي بمجلة «الأسبوع العربي» وهي تشير إلى مقال فيها بعنوان: «لماذا كانت الكتلة الإسلامية أقل تأييدًا للعرب من الكتل الأفريقية والأوروبية والاشتراكية..» ثم قالت: هذا كتاب يحمل اسم مسلم، بل وينتسب إلى أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لا يتورع أن يحارب الإسلام.. وابتسمت لغير سرور، وأنا أقول لها: الذين يحاربون كثيرون يا ابنتي.. منهم المنحدرون من أصلاب الصحابة، وبينهم مشايخ يمشون تحت أثقل العمائم وزنًا.. ولكنهم جميعًا يلتقون على نقطة واحدة هي: أن قلوبهم فرغت من قداسة هذا الدين، فسهل عليهم أن يبيعوا أنفسهم للشيطان..

ونحيت المجلة إلى جانب من مكتبي ريثما أفرغ من بعض البحوث الأكثر أهمية.. ثم لم يتح لي أن أعود إلى ذلك المقال، ذي التزويقات الكثيرة، إلا بعد وقت غير يسير.. وعلى الرغم من أنني لم أعثر فيه بجديد من التنكر للإسلام والنقمة من روابطه، التي لا يمكن أن ترضي الذين انسلخوا منه واندفعوا بكل طاقاتهم لتشويه سمعته، والإجهاز على البقية الباقية من وشائجه فقد وجدتني أطيل الوقوف على مغالطاته الجريئة جدًا.. إذ كانت أنموذجًا مصغرا من ذلك الهجوم، الذي واجهه الإسلام في أعقاب محنة حزيران ١٩٦٧م يوم قذفت الماركسية والصهيونية بالدكتورين نديم البيطار وصادق العظم، ليصرخا بالناس من على منابر لبنان: إن مرد الهزيمة إلى ما تركه الإسلام من رواسب غيبية في نفوسهم وإن النصر موقوف على تجريدهم نهائيًا من هذا الدين..

والحق أن منشئ مقال "الأسبوع العربي" محمد جابر الأنصاري -الذي لم أعثر له على ذكر من قبل، وقد يكون أحد هؤلاء الذين تنشق عنهم الأحداث، كالكمأة التي لا تظهر إلا في أعقاب الصواعق- لم يكن صريحًا في الكشف عن عدائه للإسلام بالقدر نفسه الذي تجلى في حملات سلفية، إذ اكتفى بالدوران حول فكرة واحدة هي: إنکاره أن يكون للكتلة الإسلامية أي دور في مجرى الصراع العربي ضد العدو أثناء حرب رمضان ۱۳۹۳ ه.

وقد بذل قصارى جهده لتوكيد هذا الحكم خلال اثنتي عشر جدولًا من صفحات المجلة الواسعة.. ولكي يستحوذ أذهان الفارغين من العلم بمجاري الأحداث، راح يتناول بمغالطاته مختلف الجهات التي تنتسب إلى الإسلام، ولو آثما وزورا، مقارنًا بينها وبين الاتجاهات الأخرى، وبخاصة اليسارية منها، ليخرج من ذلك بالتوكيد على فراغ الدعوة الإسلامية الحديثة من أي مردود يمكن الاعتماد عليه.

ومهما يكن من شيء فإن تحامل هذا الكاتب على الإسلام، انتصارًا لليسارية الهدامة، أوضح من أن يشار إليه عند ذوي البصائر ممن يفقهون ما يقرؤون. فقد جاءت بيناته من التهافت بحيث لا تملك دفاعًا عن زيفها أمام أي نقد.. ولكنني مع ذلك ألفيت من الواجب أن أذكره ببعض الوقائع التي من حقها أن ترده إلى الوعي والتراجع عن الكثير مما ذهب إليه، اللهم إذا كان في قلبه أي مجال لقبول الحق والوقوف عند حدود الإنصاف.

التكتلات الإسلامية

من المغالطات المفضوحة التي يتستر وراءها هذا الكاتب ذلك الزعم الذي يريد إيهام القراء بأن ثمة تكتلًا إسلاميًا أثبت فشله وإخفاقه أثناء حرب رمضان.. وهو ادعاء مردود بفقدان هذا التكتل على مستوى الحكومات، إذ ليس في أي بلد إسلامي رجل واحد يستطيع القول بأن ثمة تجمعًا إسلاميًا من هذا الطراز.. بل الواقع هو عكس ذلك، لأن أجهزة الحكم في جميع هذه الأقطار قائمة على أساس التمزيق المستمر لروابط الأمة الإسلامية، ومرد هذا إلى ارتباط كل حكومة- إلا من رحم الله- بواحد من الأنظمة التي تتنازع السيطرة على العالم، حتى الحكومات الضالعة مع النظام الواحد منها لا يسمح لها بتنسيق العلائق فيما بينها وبين زميلاتها على مستوى القرابة الإسلامية.. وهي حجة بارزة ليس بوسع أحد طمسها مهما بلغ من التشويش والتهويش.. وما عدا ذلك من الحركات الإسلامية في أي بلد يحكمه أولئك الطواغيت، فإن مصدره العناصر المؤمنة من صميم الشعوب المقهورة، تغامر بحياتها في كل مناسبة تقتضي إظهار العاطفة الأخوية نحو المواطن الإسلامية المنكوبة..

وإذا حدث أن أشترك أي حاكم لهذه الشعوب، في مؤتمر أو عمل يحمل الطابع الإسلامي، فأما تزلفًا لمشاعر العامة من المسلمين، أو محاولة لتثبيط الجهد الإسلامي وصرفه من الطريق الصحيح، أو تنفيذًا لمخطط مرسوم بأيدي المحركين لهم من طواغيت الأنظمة المتنازعة..

 

وسائل الإعلام

على الرغم من جو الإرهاب الذي تعيشه العناصر الإسلامية الواعية فهي لا تقدم وسيلة لترجمة مشاعرها عندما يحيق الخطر بأي جزء من ديار الإسلام.. وقد تجلى ذلك بأوضح بيان في مختلف المناسبات. ولعل الكاتب نفسه على علم بمجهود السرية الإسلامية التي تسللت من يوغوسلافية للمشاركة في الدفاع عن فلسطين عام ١٩٤٨ م، وهي التي استشهد معظم أفرادها في كمين نصبه لها بعض الذين كانوا يزعمون أنهم زاحفون للجهاد، فدفعوا بها لقمة سائغة لنيران العدو حتى لم يبق من أفرادها سوى المشوهين الذين يعيش بعضهم في دمشق، وإلا العشرات الذين لجأوا إلى بلد الأزهر، فساقهم الطغيان إلى مشانق الحليف العظيم بروتس تيتو.. وقد شهدت تلك الحرب غير اليوغسلافيين المسلمين أشتاتًا من العناصر الإسلامية غير العربية، شارکت دماؤها الطاهرة في إرواء أرض الشهداء، مع دماء المخلصين من أبناء فلسطين وغيرهم..

جهود كبيرة في إندونيسيا

بين يدي الآن رسالة مؤثرة من أخ إندونيسي عزيز، يحدثني فيها عن أسباب تخلف زعيمها الكبير الدكتور محمد ناصر عن الحج الفائت... فيقول: «لقد أصيب في رمضان وهو في غمرة نشاطه بمواجهة أحداث حرب التحرير، وما ينبغي أن يتخذه مسلمو إندونيسيا تضامنا مع إخوانهم في الشرق العربي.. أصيب في ذات القلب، وظل مكبًا على مكتبه في ما كنا نظنه إغماءة، وإذا هو إغماءة تداركها الله بلطفه، إذ نقل إلى المستشفى، حيث حجب عن الناس في معالجة استمرت ٢٥ يومًا، سمح له بعدها بالعودة إلى منزله على أن يواصل العلاج يوميًا والكشف أسبوعيًا..

ثم يقول هذا الأخ «إن ما يواجهه الدكتور ناصر من صراع خفي ذبًا عن الإسلام في إندونيسيا وخارجها عبء تنوء به أعصاب الفولاذ، فهو يوجه مسيرة المقاومة للانحرافات السياسية ضد الإسلام، وقبل أن يفيق منها فوجئ بحرب العاشر من رمضان.. وهو مشفق من نتائجها أن تكون سلبية.. لقد كان يتنقل من اجتماع إلى اجتماع ومن الجنة إلى لجنة.. لمساعدة ضحايا حرب تحرير فلسطين والمسجد الأقصى، ويستثير الهمم لجمع التبرعات وأخصها بلازما الدم.. ثم يختم رسالته بالحديث عن مأساة بلده قائلا: «وهكذا تتأكد كل يوم ضخامة المؤامرة ضد الإسلام في إندونيسيا، وكيف أن الأغلبية المسحوقة يتجاهلها المسئولون هناك، حتى لتحرم من محاولات تحصين النفس» وهذه حقائق أن دلت فعلى مدى تفاعل الشعب الإندونيسي المسلم بقضية إخوانه، في كفاحهم لإنقاذ الكرامة التي مرغها الطغيان الداخلي- لا العدوان الخارجي- بوحول المذلة منذ عام ١٩٤٨م إلى مأساة الانسحاب من شرق القناة عام ۱۹۷۳ م، ومع ذلك يأتي -من نسل الأنصار- من ينكر على الإسلام صلاحيته للحياة ولتجميع الطاقات، ويؤثر عليه كل نحلة حتى الشيوعية والصليبية عدوة الإنسان والأديان.

باکستان

ثم ها هي ذي باكستان تتابع خطاها لتأييد العرب فتدعو إلى مؤتمر إسلامي يتقصى إحدى الوسائل لتحقيق كرامتهم واستنقاذ حقهم وربما يتم عقده قبل أو أثناء نشر هذا المقال.. هذا إلى مواقف باكستان المستمرة في تبني القضية العربية ومساندتها في المحافل الدولية منذ قيام باكستان حتى الساعة، وإعلانها العداء لإسرائيل طوال هذه السنين دون أن تتراجع قيد أنملة، على كثرة ما لقيت من عقوق العرب، ولا سيما في حربها مع الهند، حيث استخدمت مطارات عربية لإمداد عدوها بالعتاد الروسي الذي قضى على وحدتها..

فليت شعري.. كيف يفسر هؤلاء الخوارج عمل باكستان في جانب العرب؟.. أمن أجل سواد عيونهم، أم تقديسًا لدعوتهم القومية العلمانية تغامر بوجودها في نصرتهم؟!.. وإذا لم تكن هذه هي أخوة الإسلام، أفتكون أخوة الاشتراكية واليسارية والإلحاد؟!.. تعالى الله عما يقول الظالمون..

ولقد نشرت جريدة الشهاب اللبنانية في ٨ ذي الحجة ۱۳۹۳ ه تلك القصة الرائعة عن قطع نيجيرية ذات الكثرة المسلمة علاقتها بإسرائيل.. فإذا هي تكشف سرًا لأيسر كاتب الأسبوع العربي ولا مجلته.. إذ أوضحت أن تلك الخطوة المباركة إنما تمت تحت ضغط العالم الإسلامي النيجيري أبي بكر حومي، ومساندة القادة المسلمين في جيش نيجيرية، الذين أكرهوا يعقوب جاون، على مخالفة أميركة والاندماج في موجة المقاطعة لإسرائيل، التي عمت القارة السوداء، فاضطر مكرها لسلوك هذا السبيل، على الرغم من ارتباطاته الصليبية بالجهات التي لا ترضى أن يتحقق للمسلمين على يده أي خير..

ولو أن هذا الكاتب قد استعمل ذاكرته بحرية لما فاته أثر الإسلام في الوصول بأفريقية السوداء إلى هذه النتائج الدبلوماسية الرائعة، وذلك بما يعلمه حتى الأميون من وجود الأكثريات المسلمة تحت سلطة أولئك الحاكمين، الذين فرضهم عليهم الاستعمار.. فهم موقنون أن استمرارهم في الضلوع مع اليهود ضد مصلحة المسلمين لن يكون في صالحهم إلى الأبد.. فلا بد لهم إذن من مراعاة مشاعر شعوبهم الإسلامية ولو في حدود المقاطعة الدبلوماسية لأعدائهم.. وأخيرًا هذا الخبر الذي ما يزال العالم أمام ذيوله.. ذلك هو احتجاز الثلاثة المسلمين للسفينة اليونانية في مرفأ كراتشي.. إذ أعلنوا أنهم لن يفرجوا عن ملاحيها إلا بأن تفرج السلطات اليونانية عن الفدائيين العربيين اللذين يعتبرهما هؤلاء الثلاثة في جهاد شرعي ضد أعداء دينهم وحقوقهم.. وقد نجحوا في إنقاذ الفدائيين من حبل المشنقة ثم من السجون اليونانية..

فما الذي حدا هؤلاء المسلمين- الباكستانيين أو الفيليبين- إلى خوض هذه المغامرة، غير الشعور الإسلامي المتأجج غيرة على مقدسات الإسلام ووطن الإسلام وأمة الإسلام ..وبعد..

فما الذي ينقمه هؤلاء الراغبون في تشتيت المسلمين من الدعوة إلى التقارب الإسلامي.. الذي بدأ يعطي بواكير ثماره؟!.

أهو حرصهم على قوميتهم العربية- كما يزعمون-؟.

 وأي خسار يلحق بالعرب إذا هم ربحوا تأييد ستمئة مليون من المسلمين في معاركهم المستمرة أبدًا مع أشرس عدو للعربي ولدينهم منذ أيام قريظة حتى عهد ابن غوريون، وحتى يوم يبعثون.

لقد جرب الخارجون على الإسلام كل الانحرافات وأنواع الهرطقات، فلم يحصلوا على غير المذلة يومًا بعد يوم.

فلماذا لا يجربون مرة واحدة فقط اللياذ بالدين، الذي فتح لآبائهم أبواب التاريخ، ووضع في أيديهم أزمة العالم، فما زالوا قادته وساسته حتى اجتالت الشياطين أبناءهم، فصدتهم عن السبيل، فانطلقوا يهدمون كيانهم بأيديهم وأيدي أعدائهم، وهم يحسبون أنهم مهتدون!

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (الكهف: 103، 104).

الرابط المختصر :