; مواقف للشيخ محفوظ نحناح | مجلة المجتمع

العنوان مواقف للشيخ محفوظ نحناح

الكاتب خالد أحمد الشنتوت

تاريخ النشر السبت 06-مارس-2004

مشاهدات 76

نشر في العدد 1591

نشر في الصفحة 46

السبت 06-مارس-2004

قلت له: كيف ستحكم الجزائر إذا فزت في انتخابات الرئاسة؟ فرد بالمشاركة مع الآخرين.. لن نستأثر بالحكم

من نعم الله علي أن عشت في الجزائر خمس سنوات في عقد السبعينيات، استفدت فيها من صحبة إخواني الجزائريين فوائد عظيمة، ومنها صلتي بالشيخ محفوظ -يرحمه الله تعالى- وبعد أن استقر بي المقام في المدينة المنورة كنت ألقاه في كل عام مرة أو مرتين، وهذه لقطات من مواقفه وفهمه للحركة الإسلامية يرحمه الله: 

١- كان - يرحمه الله- متواضعًا لينًا لإخوانه، يصر على زيارة إخوانه من الطلاب الجزائريين في المدينة المنورة في بيوتهم وبيوت الطلاب متواضعة ومتقشفة، مع ذلك كان يلقاهم في بيوتهم، ويتحدث إليهم، ويتفقد أحوالهم ويشاركهم الطعام والشراب على هذه الحال، ومن شدة تواضعه كان يصر على أن أسبقه بالحديث قبل أن يتكلم أمامهم، شارحاً لهم أدق مواقف الحركة وسياستها وأحوالها.

٢- في إحدى زياراته للمدينة المنورة كان الأخ سليمان شنين مرافقاً له، والأخ سليمان من مدينة ورقلة التي عملت فيها خلال إعارتي للجزائر، شاب ذكي ومهتم بالحركة والدعوة إلى الله عز وجل وشرفني يومها الشيخ محفوظ بأن حضر عندي في البيت مع عدد من الإخوة السوريين في المدينة المنورة، وكان موضوع المشاركة السياسية الذي نهجته حركة مجتمع السلم مع حكومة الأمين زروال قد أثار انتقادات من قبل الحركات الإسلامية الجزائرية وغيرها بأن النظام يستفيد منهم ويسخرهم لخدمته وكان موضوع الحديث عن المشاركة وأهدافها وما حققته من فوائد للحركة.

كان الأخ سليمان هو المتحدث طوال المدة تحدث بما يلزم، موضحًا أهداف الحركة من المبدأ الذي سلكته، وإيجابياته التي تحققت إيجابيات المرجوة، وكان الإخوة السوريون الكبار يوجهون أسئلة إلى الشيخ محفوظ الذي كان يقوم بإعادة السؤال لتوضيحه وتحديده أمام السائل ثم يطلب الجواب من سليمان، ويبتسم - يرحمه الله- ويستشهد بقوله تعالى ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ (الأنبياء: ۷۹)، وكانت أجوبة الأخ سليمان شافية كافية، ومع ذلك لاحظت أن بعض السائلين كانوا يتمنون لو كان الجواب من الشيخ محفوظ نفسه، لأنهم لم يعودوا أنفسهم على أن يتحدث الصغير بحضرة الكبير.

 وقد تبين لنا بشكل جلي أنه -يرحمه الله- كان يقصد أن يربي الأخ سليمان ليكون واحدًا من الكفاءات الكثيرة التي خلفها الشيخ يرحمه الله بعد وفاته، وقد أكد المؤتمر الثالث للحركة صحة ذلك، فقد استأنفت الحركة نشاطها وعملها وخطتها في المشاركة السياسية مع أنها فقدت رجلًا عظيمًا من رجالها يرحمه الله.

تبين لنا ذلك ونحن نجد بعض الإخوة الدعاة وقادة الحركة الإسلامية إذا حضر في مجلس ما كان هو المتحدث وحده، والآخرون كلهم تلاميذ «مريدون» ولو كانت أعمارهم فوق الخمسين. كما أننا استخلصنا من تاريخ بعض الحركات السياسية ذبولها، وربما تشرذمها، بعد وفاة المؤسس لها، لأنه لم ينتبه إلى إعداد كفاءات قيادية تخلفه في قيادة الحركة.

وهكذا فقد استوعب الأخ الشيخ محفوظ -يرحمه الله- هذا الدرس العظيم «تربية القادة» الذي أخفق فيه إخوة أخرون، ولذلك أتوقع أن تزداد حركة مجتمع السلم قوة كلما حافظت على قيم الشيخ محفوظ يرحمه الله تعالى، ومنها تربية القادة وتكوين الكفاءات والاستمرار في مبدأ المشاركة السياسية وغيرها.

ولا بد من الإشارة إلى أن مبدأ المشاركة لا المغالبة، هو المبدأ المعتمد حاليًا في جماعة الإخوان المسلمين في أكثر من قطر.

٣- ترشح الشيخ -يرحمه الله- لرئاسة الجمهورية منافسًا للأمين زروال، وتعجب كثير من كبار الإخوة الدعاة وقادة الحركات الإسلامية لهذا القرار الذي اتخذته الحركة في الجزائر، فكيف يحكمون الجزائر وسط هذه العواصف والأمواج المتلاطمة من المحن المحلية والإقليمية والعالمية؟

 وكان الإخوة السوريون يوجهون لي الأسئلة حول ذلك لمعرفتهم أنني على صلة وثيقة بإخوان  الجزائريين، وجاءني جواب من بعض الإخوة في المكتب الوطني بأن من أهم أهداف هذه المشاركة في انتخابات رئاسة الجمهورية تدريب أبناء الحركة على خوض الانتخابات الرئاسية، وهي على مستوى الوطن ولها خصوصيات لا تكون في انتخابات البلديات أو مجلس الشعب، وكنت قانعًا بهذا الجواب وهذا التعليل، خاصة أني من المهتمين جداً بالتربية السياسية. ولما جلست مع الشيخ محفوظ يرحمه الله منفردین سألته: 

لقد أثار ترشحكم لرئاسة الجمهورية تساؤلات كثيرة عند إخوانكم السوريين وغيرهـم ومعظم التساؤلات تتركز حول ماذا تفعلون لو نجحتم في الانتخابات؟ كيف تحكمون هذا البلد وسط ما تعلمون من الفتن؟

قال: -يرحمه الله- جوابًا في غاية الحكمة والوعي السياسي سوف نحكم الجزائر عندئذ بالمشاركة، فنحن نشارك الآن كأقلية في البرلمان وسوف نشارك الآخرين عندما نكون أكثرية أو بيدنا رئاسة الجمهورية، ولن نستأثر بالحكم ونحتكره لحزبنا كما يفعل غيرنا، لأننا نعتقد أن الحكم مغرم وليس مغنمًا، مغرم نوزعه على الجميع ليحملوه معنا، ويشاركونا في حمل ذلك العبء، فنحن طرحنا مبدأ المشاركة الآن ونحن أقلية في البرلمان، ونطرحه أيضًا إذا كنا أكثرية وبالمشاركة نستطيع أن ننهض بالجزائر، وتزدهر الحركة الإسلامية عندئذ.

ولا بد من التذكير بأن الحكومة يومذاك لعبت بالانتخابات لصالح الأمين زروال، ويعتقد كثير من إخواننا الجزائريين أن الفائز الحقيقي هو الشيخ محفوظ يرحمه الله، وهنا أيضًا موقف للحركة وللشيخ محفوظ في غاية الوعي السياسى والحكمة، لم يثيروا ضجة كما أثارها غيرهم ولم يدعوا إلى إلغاء الانتخابات، لأنهم يعتقدون أن الحكم مغرم أعفاهم الله منه، ولا يريدون زيادة أزمات الجزائر فوق ما تحمله من أزمات بل استمروا في موقفهم السلمي من الحكومة ومشاركتها في تحمل جزء من المغرم «الحكم». 

رحم الله شيخنا فقد كان مدرسة سياسية إسلامية معاصرة، أدعو الله أن يجعل ذلك في صحائف أعماله، وأن يجزل له الثواب وأدعو الـله عز وجل أن يوفق إخوانه الذين رباهم وأعدهم ليخلفوه في مسيرة الحركة، وأن يعينهم على جمع تراثه السياسي ليستفيد منه العاملون للإسلام في كل مكان. 

الرابط المختصر :