العنوان مواكب الملبين في مشارق الأرض ومغاربها تقبل على الله
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-مايو-1995
مشاهدات 104
نشر في العدد 1149
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 09-مايو-1995
مواكب الملبين أقبلت على البيت العتيق عطرة الأنفاس، خافقة الجوانح ندية القلوب والهة الألسن طاهرة الجوارح، خاشعة الأرواح، ساجدة الوجوه مستسلمة الخطو، رافعة الأكف لاهجة الدعاء دامعة العيون مسكوبة العبرات تسألك يا ربها بالعزة التي لا ترام والملك الذي لا يضام وبالعين التي لا تنام وبالنور الذي لا يطفأ وبالوجه الذي لا يبلي، وبالديموية التي لا تفنى وبالحياة التي لا تموت وبالصمدية التي لا تقهر، وبالربوبية التي لا تستذل، أن تجعل لها من صعابها فرجا ومخرجا، وأن تعيذها مما تخاف وتحاذر، وأن تجيرها من شر كل جبار عنيد، وشيطان مريد ومن شر ولاة السوء ومن شر كل دابة أنت أخذ بناصيتها، لا ترجو غيرك ولا تدعو سواك ولا تطرق إلا بابك يا من يملك حوائج السائلين، ويعلم ضمير الصامتين، ويجيب سؤال المضطرين.
يا من تحل بذكره عقد النوائب والشدائد
يا من إليه المشتكى وإليه أمر الخلق عائد
أنت المعز لمن أطاعك والمذل لكل جاحد
إني دعوتك والهموم جيوشها نحوي تطارد
فافرج بحولك كربتي يا من له حسن العوائد
كن راحمي فلقد يئست من الأقارب والأباعد
أقبلت مواكب الملبين مبايعة على الجهاد موثقة على العهد مؤكدة على الخطو ثابتة على الصراط عاقدة العزم على النهوض من كبوتها، مخلصة النية على التخلص من فرقتها، صابرة النفس للرفعة من وهدتها، بازلة أموالها لابسة أكفانها تاركة متاعها ورياشها، أقبلت بكلها وعزمها وخطوها ملبية، وقد خلعت عبودية الشهوات والأنداد قائلة لبيك لا شريك لك لبيك وسعت بقضها وقضيضها نافضة العجز، تاركة الغفلة هاجرة المسكنة متجهة إلى رحاب القدوس معتمدة على قوة المهيمن، مكتفية بمنح الجليل معتصمة بحبل المجيد، مرددة إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.. نعم ما أحلى التلبية لأنها تأتي لتكون تخلية للعبد المسلم من شروده، بعيدا عن الهداية، وجموحه بعيدا عن الله ونكوصه بعيدا عن جادة الطريق وما أفضلها أن تأتي في الأيام العشر الأوائل من ذي الحجة لما لهذه الأيام من النفحات والتجليات والرحمات. ولما لها من فضل عظيم تتطلع إليه همم المشمرين وتستشرف إليه نفوس العاملين للاغتراف من فيضه والري من عطائه، والاقتباس من نوره، لقوله صلى الله عليه وسلم: ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام.
وهي أيام العشر الأوائل من ذي الحجة. قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله، قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء، وذلك إعظاما للحجيج وتقديرا لاجتماع المسلمين، وإجلالا للتلبية وإكبارا للإقبال على الله، وتفضيلا للتجرد في الإحرام والبيعة والمساواة والاقتداء بالصالحين والمتقين من الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
هذه التلبيات الخاشعة الضارعة المعاهدة الموثقة المبايعة المتجردة لله العازمة على تنفيذ شريعته وطاعة أوامره والخالعة للأنداد والأرجاس، تتجاوب معها تلبيات كثيرة في هذه الأيام تنطلق من كل أرجاء المعمورة لتنادى بشرع الله وتطالب برفع لوائه وسيادة منهجه وإحلال حلاله وتحريم حرامه، ضاربة بشهوات الأنداد والطواغيت عرض الحائط هنا وهناك مستبسله مضحية متجردة تلبس أكفانها كما يلبسه المحرم ملبية كما يلبي لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، أكاد والله أسمع هذه التلبية في رحاب البوسنة والهرسك على الجبال وفي الروابي والشعاب وفي الساحات تتجاوب مرددة وتتناصر مقوية وتتعاهد مكبرة مهللة وأكاد الله أسمعها في سماء الشيشان في روابيها وساحاتها وجبالها أكاد اسمعها من أفواه البنادق والمدافع والقنابل المجاهدة، أكاد اسمعها من الجند المرابطين وسط الثلوج والأعشاب والخنادق أكاد أسمعها واسمع تجاوب الكون معها كما تجاوب مع داود ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ (سبأ: 10) ، أكاد أسمع تلك الجبهات الملبية في أرجاء المعمورة بعد غياب طويل وظلم مديد وليل بهيم وتيه سادر أكاد اسمع تلبية المجاهدين الدعاة في مشارق الأرض ومغاربها، في كفاحهم ضد الباطل والهوان والقهر والبغي والعدوان، بل ضد قوى الشر والإفك والضلال، أكاد أسمع تلبية المعذبين في سبيل الله والمشردين في أرجاء المعمورة والقابعين في السجون والمعتقلات والأسر من المجاهدين الصامدين المحتسبين، بل أسمعهم وانصت إليهم وأطرب لهم والكل يرد بصوت واحد يتجاوب مع صوت الحجيج في عجة وسجه، وغدوه ورواحه لبيك اللهم لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك، لبيك وسعديك والخير كله بين يديك، وسيسمع الزمان هذه التلبية طوعاً أو كرها، وستذعن الدنيا للحق وسينصف المظلوم ويبرأ المكلوم وإن ادلهمت الخطوب وحمى الوطيس واشتدت المعارك، وكثرت البأساء والضراء، وزلزلت القلوب، وحتى
إذا اشتملت على اليأس القلوب *** وضاق لما به الصدر الرحيب
ولم تر لانكشاف الضر وجها *** ولا أغنى بـحــيــلــتــه الأريب
وكل الحادثات إذا تناهت *** فموصول بها الفرج القريب
فما أقبل إنسان على الله ورده خائبا أو جاهد في سبيله واقنطه من رحمته فهل هناك أعظم وأكرم وأجل من هؤلاء الملبين الخاشعين الضارعين الصابرين وهل هناك أفضل من تلك الأيام للتلبية
وهل تسارع يا أخي في مشارق الأرض ومغاربها بالتلبية لتنضم إلى الكتائب الملبية ويفرح المؤمنون بنصر الله نسأل الله ذلك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل