العنوان موضوع الغلاف: أحداث طولكرم.. تشهد بداية انتفاضة ضد السلطة الفلسطينية
الكاتب محمد إبراهيم
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أغسطس-1996
مشاهدات 67
نشر في العدد 1212
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 13-أغسطس-1996
- المراقبون يؤكدون أن تأييد الولايات المتحدة وإسرائيل لعرفات جعله يطلق عنانه في اضطهاد الشعب الفلسطيني وتعذيبه.
- بلغ عدد الذين قتلوا تحت التعذيب في سجون عرفات 9 أشخاص.. فيما تغص السجون بالسياسيين والخطباء والصحفيين وناشطي حماس.
- إنجازات سلطة عرفات للشعب الفلسطيني: ٣٠ مركزًا للاعتقال، و ۱۷ سجنًا، و ۹۰۰ معتقل يلاقون التعذيب..
شهدت الأراضي الفلسطينية الواقعة تحت سلطة الحكم الذاتي، وخاصة مدينتي نابلس وطولكرم شمالي الضفة الغربية خلال الأيام القليلة الماضية تطورات دراماتيكية، تمثلت في قيام المواطنين الفلسطينيين تنظيم إضراب عام هو الأول من نوعه منذ إعادة انتشار القوات الإسرائيلية في ست مدن في الضفة الغربية أواخر العام الماضي، والقيام بمظاهرات جماهيرية حاشدة ضد سلطة الحكم الذاتي شارك فيها أكثر من ٣٠ ألف مواطن فلسطيني في مدينة نابلس فقط، وردد المتظاهرون هتافات معادية لقوات الأمن الفلسطينية ولسلطة الحكم الذاتي، بالإضافة إلى إعلان الحداد العام في المدينتين، وذلك على خلفية الأحداث الخطيرة التي شهدتها هاتان المدينتان، واحتجاجًا على التجاوزات التي تقوم بها الأجهزة الأمنية الفلسطينية العديدة في مناطق الحكم الذاتي.
شرارة هذه الأحداث انطلقت بعد تسرب نبأ وفاة الشاب الفلسطيني محمود الجميل (٢٥ عامًا) تحت التعذيب في معتقل أريحا، وفقًا لتقرير «مؤسسة مانديلا» الفلسطينية، وهي مؤسسة تعنى بشؤون المعتقلين والمساجين الفلسطينيين ومُقرَّبة من حركة فتح، أن محمود الجميل أعتُقل بتاريخ ٢٥/١/ ١٩٩٥م، مع صديق له يدعى ناصر الأحمد لدى توجههما إلى مدينة أريحا للاستفسار عن شقيقه مؤيد الجميل المحتجز هناك، وبقي في السجن منذ ذلك الوقت دون أن تقدم ضده أية أدلة اتهامية، مما دفعه إلى الإضراب عن الطعام عدة مرات.
وذكر بيان المؤسسة الحقوقية أنها تلقت نبأ في وقت متأخر من يوم ٢٧/٧/١٩٩٦م يفيد عن وجود مريض في غرفة العناية المركزة في مستشفى رام الله، وتم إحضاره من قبل عناصر تمثل الأجهزة الأمنية، وقدم المدير الإداري للمستشفى والمدير الطبي والأطباء المشرفين تفاصيل عن حالة المريض لخصتها المؤسسة على النحو التالي: «آثار تعذيب شديد، حروق طولية في مختلف أنحاء الجسد، علامات حرق بالسجائر والأسياخ الملتهبة، كسور في الجمجمة ونزيف حاد في الدماغ جراء ضربة قوية على الرأس، ومعاناة المريض من موت دماغي كامل ووفاته إكلينيكيًا منذ عدة أيام».
وقد تبين فيمَا بعد أن المريض الذي مات تحت التعذيب ما هو إلا المواطن محمود الجميل من مدينة نابلس، وأنه مات نتيجة تعذيب رجال البحرية الفلسطينية، وتزامن هذا الحادث مع حادث إطلاق نار على شاب فلسطيني آخر يدعى محمد زبون الذي حدث على يد أحد أفراد الشرطة الفلسطينية في مدينة بيت لحم، مما أدى إلى وفاته بعد ذلك.
وتجدر الإشارة إلى أن الجميل هو أحد أعضاء تنظيم «صقور فتح» العسكري، وهو معروف بنشاطه خلال الانتفاضة الفلسطينية في مدينة نابلس، وأمضى ثماني سنوات في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وهو تاسع مواطن فلسطيني يقضي في أقبية التعذيب التابعة لسلطة عرفات في غضون العامين الماضيين، الأمر الذي يكشف عن تجاوزات لم تحدث حتى في أكثر الدول والحكومات قمعًا وديكتاتورية في العالم.
وتقول مصادر فلسطينية: إن محمود الجميل أُعتُقل بتهمة الانتماء إلى مجموعة قامت العام الماضي بقتل أو جرح فلسطينيين متهمين بعدم احترام الأخلاق العامة من أمثال مهربي المخدرات ورموز الفساد الأخلاقي، وبعضها متهم بالتعاون مع الاحتلال الإسرائيلي.
●استنكار عام:
وقد قويل خبر موت محمود الجميل تحت التعذيب باستنكار جميع فئات الشعب الفلسطيني، وسلط الأضواء على ما يعاني منه المعتقلون الفلسطينيون، وخاصة أعضاء حركتي حماس والجهاد الإسلامي الذين يزيد عددهم على ۹۰۰ معتقل والمحتجزين من نهاية فبراير «شباط الماضي» بعد العمليات العسكرية التي نقذها مقاتلو الحركتين ضد الأهداف الإسرائيلية التي أدت في حينها إلى قتل ما يزيد عن ٦٠ إسرائيليًّا إضافة إلى مئات الجرحى الآخرين الذين يتعرضون لصنوف عدّة من التعذيب؛ لذلك فقد سارعت حركة المقاومة الإسلامية «حماس» من جانبها إلى إدانة تعرّض الجميل للتعذيب، وقالت في بيان لها: إن الجميل «لم يكن أول ضحايا السلطة القمعية»، ودعت في بيان لها «القضاء الفلسطيني إلى التحرك بعيدًا عن تمثيليات لجان التحقيق».
وأعربت «حماس» في بيان لها عن استنكارها الشديد لما تعرض له الجميل من أساليب تعذيب قاسية، مطالبة بتقديم المتورطين بهذه الحادثة لمحاكم علنية.
واتهمت حماس الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات أنه يحفظ أمن الصهيونية على حساب أمن شعبنا وحقوقه.
هذا وقد تحولت جنازة الجميل إلى مظاهرة ضد قمع أجهزة الأمن الفلسطينية، وقدرت أوساط فلسطينية في مدينة نابلس عدد المشاركين في تشييع الجثمان بنحو ١٠ آلاف فلسطيني انطلقوا من منزل عائلة الجميل صوب مقر المحافظة، ثم توجهوا بالجثمان إلى المقبرة، وقد ردد المشيعون هتافات ضد التعذيب في سجون السلطة الفلسطينية، وشارك أعضاء من مجلسي السلطة التشريعية والتنفيذية في الجنازة
● تفاقم الأحداث:
وبلغت الأحداث ذروتها يوم الجمعة ٨/٢/ ١٩٩٦م حين اقتحم فلسطينيون غاضبون سجنًا في طولكرم، وأفرجوا عن عشرات المعتقلين الذين ينتمون لحركة حماس بعدما فتحت الشرطة الفلسطينية النار على متظاهرين أمام السجن، فقتلت واحدًا منهم وجرحت عشرة.
وقد اندلعت الأحداث في مدينة طولكرم في أعقاب إضراب عن الطعام، كان ينفذه معتقلون من حركة «حماس» في سجن طولكرم، وأدخل عدد منهم في حالة خطرة إلى المستشفى عرف منهم: باسم عوض، ومنير عبد الله، وحسن الحارون، وإبراهيم العامي، ومحمود العاصي وإياد أبو صلاح، ومحمد أبو ردينة، ومحمود الحصري، وحمد مصطفى بدير، ومحمد جميل وسلامة سليمان طه.
وكانت حركة حماس قد وزعت منشورات أثناء صلاة الجمعة في مساجد طولكرم محذرة السكان من أن المعتقلين المضربين عن الطعام «يحتضرون»، واحتشد أهالي المعتقلين الذين كانوا أول من لبي النداء أمام السجن رافعين شعارات معادية لقوى الأمن التي فتح عناصرها النار على أهالي المعتقلين، مما أدى إلى مقتل المتظاهر إبراهيم الحدايدة (23 عامًا) من مخيم نور شمس، وكان الحدايدة معتقلًا في سجن طولكرم حتى وقت قريب، حيث أفرج عنه في ٢٢ من الشهر الماضي، فيمَا لا يزال شقيقه الأصغر جمال محتجزًا في سجون السلطة الفلسطينية منذ قرابة 5 أشهر
واتهمت عائلة الحدايدة أحد مسؤولي الشرطة، ويدعى على الجبالي وهو أحد أقرباء غازي الجبالي مسؤول الشرطة الفلسطينية بإطلاق النار تجاه ابنها، وقد أصيب القتيل بعيار ناري في الظهر خرج من الصدر، وآخر في الفم، حيث توفي فور وصوله إلى المستشفى متأثراً بجراحه.
وبعد انتشار نبأ مقتل الحدايدة على أيدي الشرطة الفلسطينية، توجه إلى السجن مئات الأشخاص الذين أتوا من مخيم اللاجئين المجاور، حيث كان يسكن الفلسطيني القتيل، واقتحموا السجن وأخرجوا عشرات المعتقلين.
وفي اليوم التالي شنت أجهزة الأمن الفلسطينية حملة اعتقالات واسعة في عموم المدينة، أدت إلى اعتقال السجناء الهاربين، بالإضافة إلى اعتقال عشرات آخرين، وقد حاولت سلطة عرفات تحميل حركة حماس مسؤولية أحداث طولكرم للتغطية عن قمعها للشعب الفلسطيني، كما اتهمت السلطة عناصر من حركة حماس، أنهم كانوا مسلحين شاركوا في المسيرة، وقاموا بإطلاق النار بشكل عشوائي على المتظاهرين، وهو ما نفته حركة حماس، حيث أصدرت بيانًا قالت فيه:« إن حماس التي رفضت الانجرار لصراع داخلي يطيح بوحدة الشعب الفلسطيني رغم كل الاستفزازات وممارسات السلطة، ترفض أكاذيب وافتراءات سلطة الحكم الذاتي حول مشاركة مسلحين من حركة حماس في أحداث طولكرم وإطلاق النار بشكل عشوائي على الجماهير».
وقال البيان:« إن الحركة ترى في أحداث طولكرم أنها لا تعدو كونها امتدادًا طبيعيًّا لممارسات السلطة الفلسطينية وانتهاكاتها الصارخة لحقوق شعبنا، وبداية انتفاضة شعبية ضد سلطة باعت نفسها للمحتل». مشيرًا إلى أن السلطة الفلسطينية التي مر عامين منذ دخولها قطاع غزة، عمدت إلى كيت الحريات وخنق تطلعات الشعب عن طريق الاغتيالات وحملات الاعتقال وملاحقة الرأي الآخر في محاولة لتمرير اتفاقات هزيلة يواصل الصهاينة نقضها كل يوم.»..
وتعتبر أحداث طولكرم الأخطر منذ نوفمبر «تشرين ثان» عام ١٩٩٤م، حيث أقدمت الشرطة الفلسطينية على قتل ۱۳ فلسطينيا في مسجد فلسطين بقطاع غزة لمنع حفل تأبين لأحد شهداء حركة حماس في ذلك الوقت.
● ردود فعل السلطة:
وفي محاولة من جانب السلطة الفلسطينية لتدارك الموقف ووقف الغضب الجماهيري العارم، أعلن ياسر عرفات عن تشكيل محكمة لمحاكمة المسؤولين عن مقتل المواطن محمود الجميل، حيث تم إحالة ثلاثة من الضباط بتهمة الإقدام على تعذيب محمود الجميل، وحكمت المحكمة على ضابط برتبة نقيب وآخر برتبة ملازم بالسجن ١٥ عامًا، وحكمت على ضابط صف برتبة رقيب بالسجن عشرة أعوام مع الشغل.
وقالت مصادر فلسطينية: إن أجهزة الأمن الفلسطينية شنت حملة اعتقالات واسعة في طولكرم في شمال الضفة الغربية، هي الأولى من نوعها منذ تسلم السلطة الفلسطينية صلاحياتها في هذه المدينة، وقد طالت الاعتقالات عشرات الأشخاص من أهالي المعتقلين والمحسوبين على حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، وممن تشتبه بمشاركتهم في أحداث الجمعة.
وقد شهدت الضفة الغربية أحداثًا مشابهة لما وقع في مدينة طولكرم في يوليو «تموز» الماضي، حين وقعت مواجهات عنيفة بين أهالي المعتقلين في سجن بيت لحم المعروف بالمقاطعة، والشرطة الفلسطينية أصيب خلالها ٣ من رجال الشرطة، فيمَا تم اعتقال أربعة من الأهالي أثناء اعتصامهم أمام السجن للمطالبة بالإفراج عن أبنائهم، إلا أن الأحداث الأخيرة أُعتُبرت هي الأعنف والأخطر منذ بداية تطبيق اتفاقيات الحكم الذاتي.
وفي ضوء ما يحدث في الضفة الغربية وقطاع غزة فإن هناك إجماعًا في الأوساط الفلسطينية بمختلف اتجاهاتها باستثناء السائرين في ركاب السلطة والمنتفعين منها أن تجاوزات قوات الأمن الفلسطينية بلغت حدًا لا يطاق، كما احتلت انتهاكات سلطة عرفات لحقوق الإنسان مكانة بارزة في بيانات المنظمات العالمية المهتمة، بل إنها تستخدم من الأساليب التي تدعو إلى الاشمئزاز، فعلى سبيل المثال اعتقلت الشرطة الفلسطينية في الشهر الماضي الدكتور إياد السراج داعية حقوق الإنسان، ودست في أوراقه بعض قطع المخدرات بعد أن عجزت عن إدانته بأية تهمة تستحق الاعتقال، وقبلها اعتقلت مصورًا عربيًّا تابعًا لوكالة الصِّحافة الفرنسية بتهمة أنه التقط صورًا لشبان يغسلون حمارًا على شاطئ غزة باعتبار هذا العمل يسئ للصورة الفلسطينية في الخارج.
●سجون عرفات:
ويرى المراقبون أن تأييد الولايات المتحدة وإسرائيل لقمع عرفات للشعب الفلسطيني تحت حجة حماية اتفاقيات السلام وكبح جماح المعارضة الإسلامية، قد أطلق يد عرفات في الضفة الغربية وقطاع غزة، وقلل من المحتجين عليه.
تلك هي حصيلة دولة عرفات خلال عامين من عمرها، أكثر من ٣٠ مركزًا للتوقيف والاعتقال في الضفة وغزة، وفي غزة وحدها يوجد ١٧ سجنًا على حد قول أحد المسؤولين في السلطة، كما بلغ عدد الذين توفوا تحت التعذيب 9 أشخاص، وسجلت حالات تعذيب تنم عن وحشية ليس لها مثيل، ومن هذه الحالات تكسير أضلاع الدكتور إبراهيم المقادمة، وكسر ذراعي جمال جراح، وانخفاض وزن الطالب فهيم دوابشة حوالي ١٥ كيلو جراما، وحتى هذا اليوم يوجد أكثر من ۹۰۰ معتقل في غزة معظمهم من نشطاء حركة حماس والمتعاطفين معها بالإضافة إلى الصحفيين والسياسيين وخطباء المساجد والأكاديميين، حتى أصبح الناس في غزة يقولون: إن زمن الاحتلال الإسرائيلي أفضل من الوضع الحالي.
ولعل ما كتبه ديفيد هيرست في صحيفة «الجارديان» بتاريخ 6 يوليو «تموز» الماضي يعبر بشكل حقيقي عن دولة عرفات يقول هيرست: «هذه السياسة التي يتبعها عرفات تجعل غزة مقارنة بحجمها أكثر مكان في العالم كثافة من حيث الأجهزة الأمنية، ومن جهة أخرى فهي أيضًا المكان الأول في العالم الذي يتمتع بحصانة دولية عالية باعتبارها جزءًا مهمًا من العملية السلمية، لنأخذ على سبيل المثال قوات الأمن العرفاتية، لقد كان من المفترض حسب اتفاق أوسلو أن يوجد في المناطق التي يسيطر عليها عرفات ما لا يزيد على اثني عشر ألف شرطي فلسطيني، لكن يوجد الآن رسمياً ما لا يقل عن ٣٣ ألف رجل أمن، لكن الرقم الرسمي يتجاوز ذلك ليصل إلى ما يتراوح بين ٤٠ - ٥٠ ألفاً، وتشكل هذه الأعداد الكبيرة عناصر الأجهزة الأمنية التي تزيد على عشرة أجهزة، بل أكثر من ذلك إذا ما أخذنا بعين الاعتبار المنظمات والأجهزة الفرعية الموجودة داخل كل جهاز، وتعمل هذه الأجهزة تحت سيطرة عرفات الشخصية، وتقوم بأعمال ابتزاز وقمع غريبة، ويعزز سيطرته هذه محكمة أمن دولة، وهي محكمة عسكرية سرية تعقد جلساتها بشكل عام بعد منتصف الليل وتحرم المتهمين من حقهم في توكيل محامين يدافعون عنهم أو حتى معرفة التهم المنسوبة إليهم قبل تقديمهم للمحاكمة.
هذا بعض ما يحدث في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو ما لم يتعرض له الفلسطينيون على أيدي القوات الإسرائيلية الغازية طوال سني الاحتلال، لذلك فإن المراقبين يتوقعون إذا ما استمرت السلطة في إجراءاتها القمعية أن تتفجر انتفاضة جديدة في المناطق الخاضعة لها، ولكن هذه المرة ضد عرفات وأجهزته القمعية التي يتزايد عددها يومًا بعد آخر وسيكون سلاحها ربما أقوى من الحجارة !!..