; السلام للجليل والموت لإسرائيل... عملية الجليل انتصار لشعار «ثورة حتى النصر» | مجلة المجتمع

العنوان السلام للجليل والموت لإسرائيل... عملية الجليل انتصار لشعار «ثورة حتى النصر»

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 23-نوفمبر-1982

مشاهدات 79

نشر في العدد 596

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 23-نوفمبر-1982

عندما قام العدو الصهيوني بغزوه للبنان، أعلن أن السبب المباشر هو إصابة أحد الدبلوماسيين الصهاينة في لندن بجروح ونسب إلى الفدائيين الفلسطينيين الاعتداء على الدبلوماسي المذكور وأما السبب الرئيسي المعلن لهذا الغزو فيمكن استخلاصه من الاسم الذي أطلقه العدو على هذه الغزو وهو «السلام للجليل» أي تحقيق السلامة والأمان للمستوطنين اليهود في شمال فلسطين وذلك بإبعاد الفدائيين الفلسطينيين عنهم.

ولقد استطاع الغزو الصهيوني أن يبعد الفدائيين عن المستوطنات بل عن الجنوب اللبناني كله وبيروت نفسها فهل تحقق «السلام للجليل»؟ وهل انتقمت «إسرائيل» لأحد دبلوماسييها الجرحى؟

  • حقائق:

إن ما جرى في لبنان وبيروت أثناء الغزو الذي ما زال قائمًا يؤكد الحقائق التالية:

1- إن الهدف من الغزو كان أبعد بكثير من الانتقام لجرح دبلوماسي ومن تحقيق «السلام للجليل» كما يزعمون.

2- إن الهدف كما أصبح واضحًا الآن هو: 

أ- تصفية الثورة الفلسطينية وإنهاء القضية الفلسطينية.

ب- إنشاء دول للطوائف في لبنان وسط سيطرة الدولة اليهودية عليها جميعًا.

ج- أن يستبعد العرب الخيار العسكري في مواجهتهم لدولة اليهود وأن يحلوا محله التعايش السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي مع اليهود.

د- هضم الأراضي التي احتلها اليهود بعد عام 1967 قبل أن يصبح ضروريًا ضم أراض جديدة في المستقبل.

فهل استطاع اليهود أن يحققوا هذه الأهداف؟

أما بالنسبة لموضوع هضم الأراضي المحتلة، فالعملية تجري على قدم وساق، فإنشاء المستعمرات مستمر، وجلب المستوطنين أمر معروف، ولكن عملية الهضم لم تستكمل بعد، ذلك أن رفض الاحتلال بشتى الوسائل موجودة أيضًا، فهذا الهدف يمكن أن نقول إنه لم يتحقق بعد على أن محاولات الهضم اليهودية تتم عن طريق تهويد الأراضي العربية المحتلة وإزالة الصبغة التسلطية وذلك:

أ- بالتهجير لتفرغ الأرض من أصحابها الشرعيين.

ب- بتحويل المعسكرات إلى مستوطنات إضافة إلى اعتماد «200» مليون شيكل لبناء المزيد من المستوطنات حول القدس بعدما تعرض له الصهاينة في كريان أربع.

  • الخيار العسكري:

وأما بالنسبة لاستبعاد معظم العرب للخيار العسكري فهو لم ينشأ بسبب غزو اليهود للبنان بل إنه موجود في العقلية الرسمية العربية منذ وقت طويل، بل نكاد نجزم أن معظم الأنظمة العربية لم تفكر يومًا في تحرير فلسطين بقوة السلاح «واللي يقول لكم إنه عنده خطة لتحرير فلسطين يبقى يضحك عليكم» وهذه العبارة قالها جمال عبد الناصر عندما كان في أوج قوته وجبروته وعندما كانت الجماهير العربية التي ضللتها وسائل الإعلام ترى فيه المنقذ والمحرر فكان جوابه: «أنا معنديش خطة لتحرير فلسطين» وأما حرب رمضان وهي الحرب الوحيدة ضد اليهود التي كانت بمبادرة عربية فلم تكن إلا «حرب تحريك» لا حرب تحرير كما قال أنور السادات، وقد رأينا ماذا نتج عنها بعد ذلك، كانت حربًا أعقبها استسلام، وعندما اتجهت أنظار العرب إلى عبد الكريم قاسم وهو يقول ذات يوم «سأحرر فلسطين من الاستعمار الثلاثي اليهودي والأردني والمصري».

فاجأهم بصناعة مليون ميدالية مكتوب عليها «عائدون» يحملها الجنود المليون الذين سيحررون فلسطين ثم صنع مليون ميدالية أخرى كتب عليها «عدنا» ليوزعها على الجنود بعد تحرير فلسطين هكذا كان يفكر أدعياء التحرير من قادة العرب، أما اليوم فمجرد التفكير في تحرير فلسطين جريمة لا تغتفر وخيال جانح ومقولة مرذولة غير مقبولة في العقل ولا معقولة عند معظم الأنظمة العربية.

فالقول بأن اليهود استطاعوا أن يجبروا العرب على استبعاد الخيار العسكري قول مردود عليه أو هو تحصيل حاص واجترار على الواقع ومصادرة على المطلوب كما يقول المناطقة، بل ربما يكون العكس هو الصحيح فاليهود لم يقوموا بغزو لبنان حتى يستبعد العرب الخيار العسكري بل لأن الخيار العسكري مفقود عند العرب وهذا ما كشفت عنه الحرب بشكل فاق كل التوقعات حتى مناحيم بيجن الذي قال: «كنت أعلم أن العرب لن يتحركوا، لكن ليس إلى هذه الدرجة».

وأما بالنسبة لإنشاء دول الطوائف في لبنان فهو الآن قيد التنفيذ، فسعد حداد شكل دولة والمارون في المتن شكلوا دولة والدروز في الشوف في سبيلهم إلى تشكيل دولة وهلم جرًا، ولكن هذه الدولة لم تخرج إلى حيز الوجود رسميًا حتى الآن، ومعنى ذلك أن هذا الهدف اليهودي لم يستكمل بعد.

  • ماذا عن تصفية الثورة والقضية؟

فماذا عن تصفية الثورة الفلسطينية وإنهاء القضية الفلسطينية، الثورة الفلسطينية فقدت موقعها رسميًا في جنوب لبنان منذ أن أصبح لسعد حداد «دولة» في الجنوب، وفقدت موقعها رسميًا في بيروت منذ أن دخل الجيش السوري إلى لبنان، وأما عن القضية الفلسطينية فلم يعد لها وجود رسمي منذ أن أصبح الساسة العرب يتحدثون عن «مشكلة اللاجئين» و«تصفية آثار العدوان» وحل «مشكلة الشرق الأوسط» وكلها تعني ضمنًا اعترافًا «بإسرائيل» وإقرارًا بوجودها ولما كان «وجود إسرائيل» يعني «غياب فلسطين» فلا مجال للحديث عن قضية فلسطينية إذا لم يكن المقصود تحرير فلسطين من اليهود.

وإذا كانت الثورة الفلسطينية والقضية الفلسطينية لا توجد رسميًا في أي مكان فهي موجودة فعليًا في كل مكان يتواجد فيه فلسطينيون، بل يتواجد فيه مسلمون، وهذا هو الأهم، تظل القضية الفلسطينية موجودة في النفوس ما دامت النفوس عامرة بالإيمان لأن تحرير فلسطين من اليهود جزء من العقيدة باعتبار فلسطين أرضًا إسلامية يحتلها اليهود الكفرة وإذا كان «أهل مكة أدرى بشعابها» فإن أهل فلسطين يتحملون العبء الأكبر والطليعي في عملية التحرير، وقد أثبتوا من خلال تصديهم للغزو الصهيوني للبنان وبيروت أنهم قادرون بعونه تعالى لو وصلتهم نجدات المسلمين أن يهزموا اليهود وأن يحرروا فلسطين.

  • عملية صور الرائعة:

ولقد أصيب اليهود بصدمة عنيفة لعملية صور الفدائية الرائعة التي كان من نتيجتها مقتل وإصابة أكثر من 400 ضابط وجندي يهودي كما اعترف بذلك أخيرًا راديو العدو يوم 14/11/82 ولذلك أعلن الحداد العام في مختلف أرجاء فلسطين          المحتلة يوم 15/11/82، وقال المذيع اليهودي إنه لم يتم التعرف على أصحاب الجثث التي تحولت إلى إشلاء بسبب الانفجارات أو التشويه، وأشار إلى أن المستشفيات الإسرائيلية تتلقى يوميًا عشرات من الحالات لنساء لهن أقرباء في مدينة صور أصبن بانهيارات عصبية حادة عقب سماعهن نبأ الانفجار.

ومن ناحية أخرى أكدت صحيفتا «هار أرتس» و«دافار» اليهوديتان أن عدد القتلى في مقر قيادة الجيش في صور يصل إلى 400 ضابط وجندي، وكشف المراسل العسكري لراديو العدو أن الفريق «تسفي فيلغ» الحاكم العسكري في صور فقد كلتا ساقيه في انفجار مقر القيادة الصهيونية في صور، وأن حالته خطيرة، وهو يعالج في مستشفى «تل هشومير».

  • تكتم وتخبط

أما لماذا لم يعلن اليهود عن هذا الحجم الهائل من الخسائر منذ البداية؟ واكتفى المجرم شارون بالقول إنها كارثة، بينما كان يحضر حفلة مع زوجته، ولماذا التخبط في معرفة أسباب العملية البطولية وكيفية تنفيذها والجهة المسئولة عنها، فمرة يقولون إنها نتيجة عمل تخريبي، ومرة أخرى يقولون إنها نتجت عن انفجار أنابيب غاز، ومرة ثالثة يقولون إن سيارة جيب عسكرية «إسرائيلية» دخلت مقر قيادة العدو قبل نصف ساعة من انفجارها، ثم يقولون إنها نتجت عن عبوات ناسفة كانت موجودة داخل المبنى، وأيًا كان الأمر فإنها عملية غاية في الدقة والإتقان، وقد حيا الله المخططين لها والمنفذين إن كانوا من الأحياء ونحتسبهم إن شاء الله من الشهداء إن كانوا من الأموات.

  • مدلولات العملية:

هذه العملية الرائعة إن دلت على شيء فإنما تدل على ما يلي:

1- الكيان اليهودي في فلسطين كيان مصطنع وهمي هش فقد تبينت حقيقة قوته العسكرية في مواجهة حرب الشوارع في بيروت، وتبينت حقيقة قوة مخابراته في عملية صور، وتبينت حقيقة المعنويات اليهودية في مستشفيات الأعصاب المنهارة التي تعج بالجنود والضباط والمدنيين على السواء.

2- رفض الشعب الفلسطيني للصلح مع اليهود، هذا الرفض الذي ينطلق من منطلق العقيدة الإسلامية ومن تركة مثقلة بالجرائم اليهودية والإصرار على أن تظل قوة السلاح هي أسلوب المواجهة الأوحد مع اليهود الغاصبين رغم ما رافق هذه العملية من دعوات للفلسطينيين للاعتراف «بإسرائيل» والإصرار الفلسطيني الجماهيري على استمرار هذه الثورة حتى تحقق النصر واستعداده للعطاء بلا حدود.

3- سقوط نظرية المراهنة على الأنظمة العربية والقيادات التقليدية، ونجاح نظرية حرب الشعب طويلة الأمد، ويقينًا فإن عمليتين أخريين من مستوى عملية صور كفيلتان بهز المجتمع اليهودي الهش في فلسطين من أساسه، ويكفي أن نذكر من ناحية اقتصادية وعلى سبيل المثال أن الدينار الأردني وعند بداية احتلال اليهود للضفة الغربية كان يستبدل بعشر ليرات «إسرائيلية» أما اليوم فهو يستبدل بـ14000 ليرة فأي اقتصاد هذا الذي تقوم عليه دولة اليهود في فلسطين؟

السلام بالجهاد:

يبقى أن نقول إن الجيش الذي غزا لبنان ليحقق السلام للجليل لم يحقق السلام لذاته، وأن ما لاقاه ويلاقيه في لبنان إنما هو نذير تحول جديد أعطى المفاهيم الجهادية والاستشهادية بعدها الواقعي العملي وكشف عن مردودها وثمرتها الرائعة، هذا التحول الجديد وضع حدًا فاصلًا بين مفاهيم الإسلام الجهادية ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد: 35).

﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (آل عمران: 173)، وبين مفاهيم المنافقين المتخاذلين: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ (آل عمران: 167).

الرابط المختصر :