; متى يطلق الشاذلي سراح العلماء في الجزائر؟ | مجلة المجتمع

العنوان متى يطلق الشاذلي سراح العلماء في الجزائر؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 27-مارس-1984

مشاهدات 68

نشر في العدد 664

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 27-مارس-1984

  • بأي حق يعتقل أساتذة الجامعات الإسلامية ثلاث سنوات دون محاكمة؟ 
  • سطر المجاهدون بدماء الشهداء بيان تأسيس الجزائر على المبادئ الإسلامية.
  • إن محاربة الإسلاميين وتضييق الخناق عليهم سياسة فشلت في كل الدول التي مارستها.
  • إن محاربة البومدينية الشيوعية لا تعني الاتجاه نحو الرأسمالية.
  • الفساد لا يعتبر مظهراً حضاريًا.

كانت «المجتمع» قد تعرضت في مقال سابق إلى نقلة النظام الجزائري الحالي من السياسة البومدينية الشيوعية إلى وضع أقل ارتباطًا بالشيوعية، كما تعرضت أيضًا إلى علاقة النظام بالإسلاميين.

      واليوم ماذا عن علماء المسلمين في الجزائر؟ وهل يتم الإفراج عنهم بعد سقوط كثير من مراكز القوى البومدينية في الجزائر؟ إن شعوب العالم الإسلامي التي ساءها اعتقال علماء المسلمين في الجزائر لتنتظر قرار الإفراج عن هؤلاء الأبرياء، فهل يفرج الشاذلي بن جديد عنهم؟

  • فترة حكم بومدين:

     كانت سياسة الرئيس الجزائري السابق محمد بوخروبة «بومدين» شيوعية الاتجاه، مرتبطة بالاتحاد السوفييتي، ولما كان هذا الاتجاه غريبًا على الشعب الجزائري المجاهد ومتنافيًا مع مبادئ ثورته التحررية الجهادية في سبيل إقامة الدولة الإسلامية الجزائرية المستقلة، فقد كان رفضه لها أمرًا طبيعيًا.

     وقد انتظم هذا الرفض كافة الشعب الجزائري المسلم وعلى رأسه «الإسلاميون»، وبدلًا من الاستجابة لهذه الرغبة الجامحة من قبل نظام بومدين نجده على عكس ذلك؛ فقد أمسك بقبضة حديدية على شعبه، فسجن كل من خالف أطروحاته، وصادر الكلمة والحرية وكل معاني التعبير الإسلامية والوطنية، فحكم البلاد حكمًا ديكتاتوريًا جعله مظلة وستارة لتلك الديكتاتورية: المبادئ الوطنية الزائفة، ورفع شعارات القومية العربية، ثم لجأ إلى تخليد اسمه بتقليد نفسه زعيمًا على مراكز القوى، وذلك على شاكلة الناصرية، على أن سياسته المرتبطة بالاتحاد السوفييتي ارتباط الابن بأبيه دلت على أنه ضد الوطنية والإسلامية، بل ضرب بالقاعدة الشعبية الإسلامية التي حررت البلاد عرض الحائط، وتنكر لمبادئها الإسلامية، كما استهزأ وتهكم بالدعاة والعلماء؛ فسجن منهم من سجن، كما نفى منهم الكثيرين بمختلف فئاتهم وأعمارهم.

  • صراع على السلطة:

     بعد وفاة بومدين في ديسمبر ۱۹۷۷م بدأ الصراع داخل المجموعة الحاكمة، وكان البومدينيون يريدون السيطرة على الحكم خلفًا لزعيمهم، ولكن الاتجاه المغاير كانت له الغلبة؛ ذلك أن معظم القادة والسياسيين الذين كانوا في حكومة بومدين لم يكونوا مقتنعين بأدائه، فكان يشوبهم التذمر والضجر، فوجدوا الخلاص في وفاته.

     أما (الشاويون) وهم قبائل شرق الجزائر التي تسيطر على الجيش فلا يريدون رئيسًا للجزائر إلا منهم، وكان الحسم فعلًا على يدهم فكان الرئيس بن جديد.

     تسلم بن جديد الحكم، وقد بدت أمامه تلك التركة البومدينية المرفوضة حتى داخل حزب التحرير الوطني الحزب الأوحد، فظهر بن جديد بمظهر الديمقراطية، ووعد ببسط الحرية ورفع التضييق والخناق عن منابر التعبير الحيوية، ثم أطلق سراح المعتقلين، وعفا عن المنفيين؛ فكان من ذلك أن أطلق سراح الرئيس الأسبق أحمد بن بيلا، ومن المنفيين بالخارج تم العفو عن طاهر زبيدي، كذلك تم إطلاق سراح جميع الإسلاميين، وعلى رأسهم الأستاذ محفوظ النحناح وجماعته، وهذا إجراء طيب لا تنساه الحركة الإسلامية للرئيس الشاذلي بن جديد، نأمل أن يلحق به إجراء الإفراج عن العلماء قريبًا.

  • طمس البومدينية:

     لقد كانت شعارات الديمقراطية ومحاولات العفو عن المعتقلين التي قام بها النظام الجديد عبارة عن خطوات تمهيدية لكسب شعبية جماهيرية عريضة ما أمكن، وذلك في محاولة تنكر لإتجاه بومدين، وطمس جميع معالم البومدينية، فبدلًا من أن يزور رؤساء الدول الزائرة قبر الرئيس بومدين مثلًا تبعًا للبروتوكول الدولي، حاول النظام الحالي أن يبني تمثالًا كلف مبالغ طائلة، أطلق عليه اسم «مقام الشهيد» فكان هذا المقام مزارًا للرؤساء الزائرين، وهكذا نجح بن جديد في القضاء على بقايا النظام السابق، وعلى رموزه، وبعض شعاراته أيضًا.

      كما تم عزل وتغيير بعض الوزراء، مثل: محمد شريف، وبوعرفة، وقنس، ثم رئيس الوزراء محمد عبد الغني الذي أصبح حاليًا وزير دولة، وبهذا وجد اليومدينيون أنفسهم في جناح المعارضة بعد أن تمت إزاحتهم عن مواقع السلطة.

  • حزب التحرير الوطني:

     ما إن تمكن حزب التحرير الوطني الحاكم وقياداته السياسية من طمس وإذابة البومدينية حتى اتجه للقضاء على القوى السياسية الأخرى، وقد أخطأ النظام عندما ضم العلماء إلى هذه الفئات، واعتقل بعضهم إلى جانب بعض القوى الأخرى.

     ولقد تم هذا في إطار تغييرات في منهج الحكم باتجاه الرأسمالية، فكان الحظ للوزراء الجدد المؤيدين لهذا الاتجاه من أبناء (الشاوية)، كما تم تعيين بعض الأقارب في مواقع ذات أهمية، ومنهم ظهرت بعض مراكز القوى العسكرية في الدولة تتحرك من داخل الحزب، وتؤثر بشدة على توجيه سياسة الدولة، ومن أبرز هذه الشخصيات مسؤول الأمانة الدائمة لحزب التحرير الوطني، ثم رئيس المجلس الوطني الشعبي.

  • الحزب وتقليص الحريات:

    وما أن استتب الأمر بالحزب الحاكم حتى بدأ بالتراجع عما وعد به بعد وفاة بومدين من إطلاق الحريات والحكم الديمقراطي وما إليه، وكان أن تم اعتقال العلماء المسلمين الذين ينادون بالرجوع إلى كتاب الله في تسيير أمور البلاد والوفاء لبيان ثورة التحرير الجهادية الجزائرية، الذي نادى بتأسيس الدولة المستقلة على أساس المبادئ الإسلامية، فاستشهد في سبيل ذلك مليون ونصف شهيد، ولا زال العديد من المجاهدين الأوفياء أحياء ينتظرون تحقيق أهدافهم التي قاتلوا من أجلها. 

     ولما نشطت الحركة الإسلامية بالجزائر، واتسعت قاعدتها، وأصبح صوت الإسلام قویًا مدویًا قامت بعض أجهزة الأمن بمحاربة العلماء والمجاهدين؛ فمنعتهم من مخاطبة المسلمين في المساجد وغيرها، وكممت الأفواه، وحظرت تبليغ الدعوة الإسلامية والنشاط الإسلامي، كما زجت بالعديد من الدعاة في السجون، واعتقلت أعدادًا من طلاب الجامعات والمدارس من الإسلاميين، شملت الاعتقالات بعض القادة المجاهدين الذين قاتلوا وحرروا البلاد من نير المستعمرين الفرنسيين.

     وإلى جانب الإسلاميين تأثر بسياسة التضييق على الحريات والتعبير أتباع الرئيس الأسبق بن بيلا، الذي بدأ يتبنى الشعارات الإسلامية، والرجوع إلى الاسلام بعد أن اتسعت شعبيته داخل الجزائر، ولا زال بن بيلا خارج بلاده لا يستطيع دخولها أبدًا.

  • اعتقالات وسط الإسلاميين:

     كان الاتجاه الإسلامي بالجزائر قد دعا أعضاءه وكافة الشعب الجزائري المسلم عام ۱۹۸۰م إلى إقامة صلاة الجمعة بأحد المساجد، وكان معظم الحضور من طلاب الجامعات، وقد تحدث في تلك الندوة العديد من أساتذة الجامعات، منادين بتنفيذ المبادئ الإسلامية التي قاتل من أجلها الشعب الجزائري، وحرر بها البلاد من المستعمرين، وقدم مليون ونصف مليون شهيد أنفسهم قربانًا لها، كما نادوا أيضًا ببعض الإصلاحات، وبسط الحريات، وديمقراطية المشاركة في حكم البلاد، وإزالة مظاهر الفساد ووسائله التي انتشرت بكثافة في الآونة الأخيرة.

     وقد واجهت السلطات تلك المطالب بحملة اعتقالات واسعة بدأت بسجن (۲۳) أستاذًا جامعيًا من الإسلاميين، لا يزالون داخل السجن حتى الآن، ينتظرون محاكمتهم، وتحديد تهمهم، كما لاحقت سلطات الأمن الطلاب الذين حضروا تلك الجمعة ولا زالت، وقد اعتقلت منهم من استطاعت القبض عليه. 

  • المعتقلون:

ومن بين الذين تم اعتقالهم نذكر:

1 - الشيخ المجاهد أحمد سحنون:

     يبلغ من العمر (٧٨) عامًا، وهو من أتباع الشيخ عبد الحميد بن باديس، وهو معروف بمواقفه الإسلامية الصلبة، وقد شارك في الجهاد الإسلامي لتحرير الجزائر منذ أول رصاصة انطلقت لذلك، وبعد الاستقلال ظل يجاهد بما يملك من علم ومال ودعوة في سبيل الله، ولا زال ملحًا في مطالبه رغم كبر سنه، ورغم العوائق والعراقيل والضغط والتهديد من قبل السلطات السابقة والحالية، ونظرًا لكبر سنه وضعف حالته الصحية فقد وضع تحت الرقابة الجبرية؛ ينتظر محاكمته بتهمة الجهاد والدعوة في سبيل الله.

٢ - الشيخ عبد اللطيف سلطاني:

 الذي يبلغ (٧٩) سنة، وهو من المجاهدين، وأحد اتباع الشيخ عبد الحميد بن باديس.

3- الأستاذ عباس المدني:

أستاذ علوم التربية بجامعة الجزائر.

4- الأستاذ محمد سعيد بلقاسم.

5-الأستاذ ثابت حمي طبيب.

6- الأستاذ مصطفى إبراهيم أستاذ الفيزياء.

7- الأستاذ سليم كلالشة أستاذ الأدب.

  • رياح التغيير:

     بعد أن تم انتخاب الرئيس بن جديد قبل صورة رئاسية جديدة وبنسبة (99,6%) كما صرحت بذلك الجهات المسؤولة- وعد مرة أخرى بتوسيع الديمقراطية، وبسط الحريات، وإطلاق سراح أو محاكمة المعتقلين، كما نوه بانفراج سياسي متوقع، ولكن الأخبار الوثيقة لا زالت تؤكد وقوع اعتقالات وسط صفوف الطلبة، خاصة بعد وقوع الفتنة بين الإسلاميين والشيوعيين داخل الجامعة، والتي اختلقها الشيوعيون في محاولة لاستفزاز السلطة، ودفعها لمحاكمة أساتذة الجامعات المعتقلين، وإلصاق التهمة بهم على أنهم وراء الفتنة الجديدة، ومن ناحية أخرى حاولت السلطات أن تشغل الشعب عن معارضتها؛ وذلك بإلهائه، فكان الفساد المستشري وبصورة علنية -من دعارة وغيرها- بترخيص وإشراف صحي وضرائبي رسمي، كما وتعرض في دور السينما حاليًا ولأول مرة في تاريخ الجزائر الأفلام الجنسية التي لاقت رواجًا، وشهدت ازدحامًا من قبل ضعاف النفوس من الشباب، هذا فضلًا عن سياسة التعليم المختلط في جميع المراحل التعليمية من الابتدائي وحتى الجامعة، كما انتشرت أيضًا أماكن بيع الخمور، والمراقص، والشواطئ الصيفية.

  • الفرصة مواتية:

     ومع ذلك كله نعتقد أن الفرصة لا زالت مواتية أمام السلطات لإصلاح شعبها ومجتمعها، ونلفت انتباه السلطة القائمة في هذا المضمار إلى أربعة أشياء جديرة بالاهتمام:

1 - لقد قاتل المجاهدون الجزائريون وضحوا بأنفسهم من أجل قيام دولة مستقلة على أساس المبادئ الإسلامية، وذلك على شاكلة تأسيس دولة باكستان الإسلامية، فعلى المسؤولين عن البلاد من بعدهم أن لا ينحرفوا بالبلاد، ويتنكروا لهذا المبدأ.

 ٢ - بعد الاستقلال سطر المجاهدون بدماء الشهداء الأبرار ما سمي ببيان ثورة نوفمبر، والذي نص على أن من بين أهداف الثورة الجزائرية وكهدف أول إقامة دولة جزائرية ذات سيادة ديمقراطية في إطار المبادئ الإسلامية، والوفاء بحق الشهداء يحتم الوفاء بروح ونص هذا البيان الذي نص عليه الدستور أيضًا.

 3- إن محاربة البومدينية الشيوعية لا تعني الاتجاه نحو الرأسمالية، كما أن تنشيط وسائل الفساد لا يشكل مظهراً حضاريا للجزائر، فالفساد لا يلهي الشعب عن السياسة، وإنما يقتل جديته، وإنتاجيته، وخلقه.

4- إن محاربة الإسلاميين وتضييق الخناق عليهم سياسة فشلت في كل الدول التي مارستها. فلجأت أخيرًا إلى عكس ذلك، فالتيار الإسلامي متعاظم بدفع من الله، وبازدياد الوعي والثقافة، وإن مصالحته ومهادنته أرحم للسلطات والأمن لمستقبلها وبقائها، فهل تفرج السلطات عن علماء المسلمين ودعاته؟ وهل يسرع الرئيس الشاذلي بإصدار قرار الإفراج عن هؤلاء المظلومين؟ إننا بالانتظار.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل