العنوان الترابي يدخل السجن بعد مغادرة بوش السودان
الكاتب المحرر السياسي
تاريخ النشر الثلاثاء 19-مارس-1985
مشاهدات 72
نشر في العدد 709
نشر في الصفحة 33
الثلاثاء 19-مارس-1985
- لمصلحة من تم اعتقال الإسلاميين في السودان؟
أفادت الأخبار الواردة من الخرطوم عاصمة السودان أن النظام السوداني قام في حملة عنيفة باعتقال قادة الحركة الإسلامية بالسودان وعلى رأسهم الدكتور حسن الترابي مساعد رئيس الجمهورية للشئون الخارجية.
ولم يكن هذا الصدام مفاجئًا للمراقبين وإنما المفاجأة في التوقيت فقط. فالكل يعلم أن الحركة الإسلامية كانت من أكثر الجماعات التي وقفت بجانب التوجه الإسلامي وساعدت التوجه بكوادرها لإنجاح التجربة ولكن ماذا حدث؟
بداية النهاية
كان هناك في بداية التوجه اندفاع شديد نحو الإسلام والرغبة الملحة في أسلمة كل أوجه الحياة وقام مساعدو الرئيس نميري في القصر بوضع دستور إسلامي كامل للسودان وأرسل مشروع الدستور لمجلس الشعب لإقراره بأغلبية ثلثي الأصوات.
في تلك الأثناء تحركت القوى المعروفة بعدائها للإسلام سواء في الداخل أو الخارج، تحرك مجلس الكنائس العالمي ولعب دورًا كبيرًا في تحريض المسيحيين الجنوبيين المتواجدين داخل السلطة وخارجها وتحركت أمريكا والدول الصليبية الأخرى نحو الاتجاه ذاته فكان أن تصاعدت حركات التمرد الانفصالية في جنوب السودان، وتقدم اثنان من كبار الجنوبيين المسيحيين المشاركين للنظام وهما السيد جوزيف لاقو نائب رئيس الجمهورية والسيد أبيل البير رئيس المجلس التنفيذي العالي السابق لجنوب السودان ووزير الأشغال الحالي بمذكرة طويلة ضد مشروع الدستور ومعارضين تحول السودان إلى جمهورية إسلامية.
وقد اشترك العلمانيون اللادينيون من الشماليين في المداولات وقاموا بتحريض الجنوبيين وكان ممن اشترك في الندوات المفتوحة في مجلس الشعب أبو القاسم محمد إبراهيم النائب الأول السابق لرئيس الجمهورية والذي أعفي من منصبه عام ۱۹۷۹.
وبالرغم من أن مشروع الدستور كان سينال الأغلبية المطلوبة إلا أنه رؤى إعادته إلى القصر لإجراء بعض التعديلات إرضاء للجنوبيين على أن يعاد إلى المجلس في شهر نوفمبر لإقراره ولكنه لم يعد، وبالطبع لن يعود لأن أمر الإسلام في السودان قد انتهى.
تعيينات غريبة
في الوقت الذي كانت الجهات المسئولة في الحكومة تعد العدة للاحتفال بمرور عام على تطبيق القرارات الإسلامية وفي خضم موجات الهجوم المكثف من الصحف وأجهزة الإعلام المعادية للإسلام في الخارج ومنها كثير من الصحافة العربية ضد التوجه الإسلامي، قام الرئيس نميري بإعادة تعيين د. بهاء الدين محمد إدريس وزير الشئون الخاصة بالقصر وعاد هذه المرة في درجة أعلى حيث أصبح مساعدًا لرئيس الجمهورية للشئون الخاصة.
وكان السيد بهاء الدين إدريس قد أبعد من منصبه في شهر مايو مع عدد من الوزراء في أعقاب إعلان حالة الطوارئ في تعديل وزاري شامل طال أكثر الوزراء المعادين للإسلام كمنهج حياة، ولأن كثيرًا من الشبهات حامت حول الرجل.. وهو أصلًا ممن يضمرون حقدًا دفينًا للإسلاميين منذ أن طرد من الجامعة لارتكابه أعمالًا تتنافى مع وضعه كمحاضر لعلم الحيوان.
وبعد مدة وجيزة قام النميري بتعيين أبو القاسم محمد إبراهيم كرئيس للمجلس الأعلى للشباب والرياضة بالاتحاد الاشتراكي، مما أثار دهشة المراقبين لأن أبا القاسم معروف بأنه يساري ويعتبر رجل ليبيا في السودان، ولو أن العالمين ببواطن الأمور يقيمونه بأنه رجل انتهازي يتلون ويتقلب كعادة العسكريين في العالم الثالث ويعمل لمصلحته الشخصية وهو رجل المجزرة الدموية التي ارتكبت في الجزيرة إبان عام ۱۹۷۰، وعلقت الصحف آنذاك أن الرجلين قدما لإحداث توازن وتقليص لنفوذ الإسلاميين المتزايد.
بعد الاحتفال السنوي
احتفل السودان بمرور عام على النهج الإسلامي وسارت مسيرة ضخمة قدر تعدادها بمليون نسمة دعي إليها رجالات الدعوة الإسلامية في العالم. وقالت المصادر العليمة آنذاك أن النميري تلقى تحذيرًا من أمريكا بعد المسيرة من تزايد ما يسمى بنفوذ الإخوان المسلمين ووضع جهاز الأمن السوداني، وأكثر رجاله تلقوا التدريب الخاص في أمريكا- تقريرًا في المعنى ذاته. وبدأ رجال أمريكا في النظام من تضخيم المخاوف لدى الرجل فخرج بتصريح أولي هاجم فيه الإخوان ونعتهم بما لا يتفق مع الذوق الإسلامي، وتوالت التصريحات وتوجت بتعديل وزاري خرج معه ثلاثة من الوزراء الإسلاميين وعين بدلًا منهم من ليس لهم أي تجاه إسلامي.
محاصرة الإسلام
نشط العلمانيون اللادينيون بعد أن هيئ لهم الجو الملائم لهم وعاد عدنان الخاشوقجي الملياردير المعروف ليستغل تردي الأوضاع الاقتصادية للبلاد في أعقاب الجفاف والتصحر الذي أصاب البلاد ووقع اتفاقًا نال بموجبه امتياز التنقيب عن البترول بشروط مجحفة. وتوقف الاندفاع نحو الإسلام ونشرت فضيحة تهجير الفلاشا عبر السودان للضغط على النظام وإجباره على التراجع عن تطبيق الشريعة.
وتفاقمت الأزمة الاقتصادية إلى درجة لا ينفع معها عمليات نقل الدم وتصاعدت عمليات المتمردين في الجنوب وجاء الضغط من كل جانب حتى يضطر النظام على التخلي عن الإسلام كليًّا.
وفجأة وبدون مقدمات أعلنت الولايات المتحدة وقف مساعداتها المعتادة للسودان بعد أن بلغت ديون السودان الخارجية 9 مليارات دولار، ووصل عجز الميزان التجاري ٦٠٠ مليون دولار.
ومضت الولايات المتحدة في ضغوطها فألغت بطريقة غير لائقة الزيارة السنوية التي يقوم بها النميري وقالت بصراحة أنها غير مستعدة لاستقباله في الوقت الحاضر. ويبدو أن الزيارات التي قام بها عدد من المسئولين الأمريكيين للسودان بدءًا بزيارة إدوارد كنيدي ومرورًا بزيارة خبراء صندوق النقد الدولي وانتهاء بزيارة الخبراء والمبعوثين الأمريكيين لم تأت بالنتائج المرجوة فورًا. فأرسلت واشنطن أحد كبار مسئوليها إلى الخرطوم وهو ووليم ثافت لوضع الشروط القاسية أمام النميري لاستئناف المساعدات وبعده بأسبوع واحد فقط وصل نائب الرئيس الأمريكي جورج بوش بحجة مغلفة هي الاطلاع «على أرض الواقع على هول المجاعة» حسب بیان البيت الأبيض.
وصل جورج بوش حاملًا الشروط الثلاثة التي أجمعت صحافة العالم كلها بأنها تتلخص في الآتي:
١- وقف العمل بالشريعة الإسلامية.
٢- الاستجابة لشروط صندوق النقد الدولي وعلى رأسها التراجع عن أسلمة البنوك والعودة إلى النظام الربوي.
3- العمل على وحدة الجنوب تحت قيادة مسيحية.
تحرك غريب
في الأسبوع الذي تبعه زيارة جورج بوش وفي أسبوع الزيارة نفسها كتبت معظم الصحافة العالمية والعربية تحليلات مفادها أن أمريكا وبرضاء مصر قد قررت أن تجد بديلًا لرأس النظام السوداني جعفر نميري على أن يكون هذا البديل سريًّا ومحافظًا على مصالح أمريكا وغير معاد لمصر ومصالحها المعروفة في السودان، على أن يتوفر في الرجل القادم الجرأة الكافية للتحول بسرعة عن تطبيق النهج الإسلامي وارتكزت هذه الصحف على الوضع الاقتصادي السيئ كمدخل لتحليلاتها.
ومن الصحف التي كتبت في هذا الموضوع «التايمز البريطانية ولوموند الفرنسية وواشنطن بوست والنيويورك تايمز» ومن الصحافة العربية «الوطن العربي، والمستقبل» التي وضعت على غلافها صورة للنميري وكتبت تحتها الرئيس الراحل!! و«الدستور» ومجلة النهار العربي والدولي وكذلك صحيفة السياسة الكويتية ومجلة «الطليعة العربية» التي أشارت بصراحة أن المرحلة الحالية هي مرحلة التراجع عن تطبيق الشريعة الإسلامية والتي بدأت بأن سمح النظام باستيراد الخمور للبعثات الدبلوماسية والجاليات الأجنبية وكانت الخطوة الثانية تراجع النظام عن تطبيق قانون الزكاة بإعادة ضريبة رسوم الإنتاج والرسوم الجمركية والخطوة الثالثة تمثلت بإعادة العمل بنظام الفوائد في معاملات البنوك والمصارف حيث أصدر البنك المركزي قرارًا في الشهر الماضي طالب فيه بإعادة جدولة الفوائد القائمة بعد ١٤ فبراير من العام الماضي وهو تاريخ إلغاء العمل بالفوائد في المصارف والبنوك.
خلصت تحليلات كل هذه الصحف بأنه يحدث في السودان عاجلًا أحد أمرين: أما أن يرضخ جعفر نميري لشروط أمريكا ومن معها أو توجد أمريكا البديل قبل أن تؤخذ على غرة ويحدث تغيير مفاجئ غير محسوب .
أحداث داخل السودان
حدثت أحداث أخرى في السودان تزامنت بشكل غريب مع تحركات أمريكا الخفية والظاهرة وأهم تلك الأحداث في المصادمات التي حدثت بين طلاب جامعة الخرطوم وبين التيارات المختلفة المتواجدة داخل الجامعة مما أدت إلى إغلاق الجامعة إلى أجل غير مسمى. وجدير بالذكر أن تحالف كل القوى المعادية للإسلام كانت قد فازت قبل فترة بمقاعد الاتحاد ويومها قال النميري أن الإخوان قد أسقطوا أنفسهم في الانتخابات لإحراج النظام وإدخاله في مأزق وطبعًا هذا وهم.
وثاني حدث مهم هو أن إشاعات قوية راجت في العاصمة المثلثة وفي أرجاء السودان أن رئيس محكمة الاستئناف يحقق في مخالفة تتعلق بأزمة الخبز في العاصمة ضالع فيها النائب الأول لرئيس الجمهورية والنائب العام وبعض المسئولين الكبار وفعلًا استدعى رئيس المحكمة النائب العام وحقق معه مما جعل النميري يشتاط غضبًا ويطلب من رئيس القضاء بإقالته ولكن الأخير تمنع فأصدر النميري قرارًا جمهوريًّا بإعفائه من منصبه يوم الأربعاء ٦ مارس الحالي.
وكان النائب العام الرشيد الطاهر قد رفع مذكرة لرئيس الجمهورية يستعدي فيه السلطة والنظام على الهيئة القضائية وعلى عدد من كبار موظفي النائب العام ووزير الدولة للشئون الجنائية ومعروف عن هذا الرجل أنه يعادي الدستور الإسلامي ومواقفه في لجنة الدستور عام ٦٧ تشهد بذلك.
سافر بوش وتوالت الأحداث
أثناء تواجد بوش في الخرطوم راجت إشاعات بأن النميري سيسافر إلى أمريكا لمدة طويلة قدرها البعض بعام وقدرها آخرون بنصف عام أو يزيد قليلًا ومفاد الإشاعات تقول أن النميري سيذهب إلى واشنطن تمهيدًا لاستبداله بشخص آخر مرغوب فيه ينفذ الشروط السابقة الذكر بعد أن أبدى النميري اعتراضه على التراجع عن النهج الإسلامي بصراحة وبلا مواربة لأن ذلك يقضى عليه سياسيًّا.
نصف ساعة وساعة
قبل سفره بقليل وبعد أن انتهت اللقاءات الرسمية طلب جورج بوش نائب الرئيس الأمريكي الاختلاء بنميري لمدة نصف ساعة واستجيب لطلبه وبعد اجتماع بوش بالنائب الأول عمر محمد الطيب لمدة ساعة ثم توجه رأسًا إلى المطار وغادر البلاد وهو في حالة انشراح وحبور.
وعلم الناس أن أمرًا خطيرًا قد بيت وتوقعوا أن تشهد البلاد أحداثًا عظامًا.
بعد سفر جورج بوش بيوم واحد فقط أذاع النميري بيانًا عجيبًا يتهم فيه جماعة إسلامية لم يسمها بالاسم تعمل لانقلاب ضد نظامه وأنه سيلاحق أفراد هذه الجماعة التي تتستر بالإسلام للوصول إلى الحكم.
وعقب إذاعة البيان مباشرة تولى النائب الأول لرئيس الجمهورية وهو رئيس جهاز الأمن في نفس الوقت موجة الاعتقالات لأعضاء الحركة الإسلامية بالسودان، ويقدر عدد المعتقلين بمائتي معتقل في العاصمة وحدها.
وعرف الناس أن النميري رضخ لشروط أمریكا بدون قيد أو شرط حيث وضح أن شرط التراجع عن تطبيق الشريعة الإسلامية يتكون من بندين:
الأول: إلغاء العمل بقوانين الشريعة.
الثاني: ضرب الحركة الإسلامية وتصفية نشاط المؤسسات الإسلامية.
ويؤكد ما ذهبنا إليه الخبر الذي أوردته صحيفة الشرق الأوسط يوم الأحد 10 مارس الحالي.
نقل المعتقلين إلى أماكن نائية
نقل الدكتور حسن الترابي مساعد رئيس الجمهورية السابق وعدد كبير من المعتقلين الآخرين من أعضاء الحركة الإسلامية بالسودان إلى سجن «شالا» بإقليم دارفور بغرب السودان ومعروف أن هذا السجن لا تتوفر فيه أبسط الحقوق الإنسانية علمًا بأن الإقليم نفسه يتعرض للمجاعة نتيجة الجفاف والتصحر، ولا شك أن هذه الظروف السيئة ستؤثر على حياة وصحة المعتقلين وواجب الهيئات والفئات الإسلامية أن تعمل على إطلاق سراح الإسلاميين في السودان وتأمين سلامتهم.
بعض أسماء المعتقلين
بالإضافة إلى الدكتور حسن الترابي تم اعتقال الإخوة:
- ياسين عمر الإمام- رئيس هيئة مجلس الشعب.
- أحمد عبد الرحمن- وزير الداخلية السابق.
- محمد محمد الصادق الكاروري: مساعد مدير منظمة الدعوة.
- أحمد حاج نور- رئيس محكمة الاستئناف.
- علي عثمان محمد طه- رائد مجلس الشعب.
- مبارك قسم الله- مدير منظمة الدعوة الإسلامية.
- مهدي إبراهيم- مسئول الإعلام بمنظمة الدعوة الإسلامية.
- أحمد إبراهيم الترابي- مساعد مدير بنك فيصل الإسلامي.
- إبراهيم عبيد الله- رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب.
- عثمان خالد مضوي- تاجر.
۱۱- صادق عبدالله عبد الماجد- تاجر.
۱۲- توفيق طه- تاجر.
۱۳- د. المير يوسف نور الدائم- رئيس قسم اللغة العربية بجامعة الخرطوم.
١٤- محمود برات- أستاذ بمعهد المعلمين.
١٥- محمد يوسف محمد- محامي ومستشار قانوني لبنك فيصل الإسلامي.
١٦- عبد الرحيم مهدي- مدير بنك بركة.
۱۷- صلاح أبو النجا- مدير بنك التضامن الإسلامي.
۱۸- صلاح عبد الله- مدير معامل التصوير.
وما زالت تواصل السلطات السودانية اعتقال الإسلاميين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل