العنوان موضوع الغلاف (1294)
الكاتب محمد جمال عرفه
تاريخ النشر الثلاثاء 31-مارس-1998
مشاهدات 70
نشر في العدد 1294
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 31-مارس-1998
• أزمة الصحافة العربية بين السيف والقلم.
شهدت الفترة الأخيرة تراجعًا ملحوظًا في مجال حرية الصحافة في العديد من البلدان العربية.... فقد صدرت تشريعات، كما اتخذت إجراءات تمثل طوقًا خانقًا يحول دون انطلاقة الصحافة... وكان أبرز ما شهدته الساحة العربية في هذا الصدد، ما صدر في مصر مؤخرًا من أحكام بالسجن على عدد من الصحفيين يعيش بعضهم حاليًّا خلف القضبان، كما اتخذت إجراءات أخرى بوقف إصدار بعض الصحف، وتنتظر الساحة المزيد من الإجراءات.
وفي الأردن وُضِعت حرية الصحافة على طريق مجهول بعد تغيير قانون المطبوعات الذي أدخل البلاد في أزمة بعد أن شهدت الحريات الصحفية عصرًا ذهبيًّا منذ عام ۱۹۸۹م، ورغم إلغاء محكمة العدل العليا للقانون، إلا أن الساحة الصحفية لا تعلم ما ينتظرها في المرحلة القادمة.
وفي اليمن التي كانت تنعم بانفراجة صحفية مشهودة، بدأت إجراءات تراجعية تمثلت في الشروط المالية والإدارية القاسية التي سيبدأ تطبيقها على صحافة الأفراد... وهكذا تتوالى الإجراءات ولا ندري إلى أية نقطة ستصل الخطوات التراجعية؟
هذا الملف... يعالج هذه القضية في البلدان الثلاثة.
• مصر: حبس الصحفيين وتحجيم حرية النقد
- تجربة إصدار الصحف ارتبطت بصدور قوانين للسيطرة عليها حتى ولو كانت صحفًا حكومية
- منذ عام ۱۹۸۱ حتى ۱۹۹۸م: صدور سلسلة من القوانين والتشريعات جعلت تقييد الحرية هو الأصل
- من الذي أخل الصحف الصفراء إلى مصر..؟ ومن يمنع تراخيص الشركات الجادة التي تسعى لإصدار صحف تعبر عن قطاعات عريضة؟.
في أسبوع واحد تم حبس صحفيين مصريين لمدة عام، ولحق بهما ثالث بعد أسبوعين، كما تم إغلاق صحيفة، وعزل نائب رئيس تحرير مجلة، وإلغاء تراخيص (۱۱)، صحيفة أخرى، وهناك ۲۲۰ صحيفة تنتظر المصير نفسه لأنها لا تصدر بانتظام لأسباب مالية أو إدارية، ويتوقع صدور قرار من المجلس الأعلى للصحافة قريبًا بإغلاق نصفها على الأقل وسحب تراخيصها، وقبل هذا بشهرين أصدرت هيئة الرقابة على المطبوعات الأجنبية التابعة لوزارة الإعلام قرارات متتالية منعت بموجبها ١٥٧ صحيفة تصدر برخص من الخارج من الطبع والتوزيع في مصر، لتكتب شهادة وفاة لهذه الصحف التي لا تستطيع أن تحيا بالفعل إلا في مصر فهل هناك خطر يتهدد الصحافة المصرية؟
رغم هذه التطورات السلبية التي قيل- رسميًا- إنها جاءت ردًا على تفشي ظاهرة «الصحافة الصفراء»، وبعدما تقاعست نقابة الصحفيين والمجلس الأعلى للصحافة عن أداء دورهما في مراعاة آداب المهنة، حرص المسؤولون على التأكيد على أن هذه التطورات ليست مقدمة لحملة تضييق جديدة على الصحافة، وإنما هي «قضية يتعلق جوهرها بالممارسة الصحفية»، وبالتالي فلا داعي للقلق، لكن من الناحية العملية - وكما يقول الصحفيون المصريون - حطمت التطورات الأخيرة في مجال الصحافة إحدى الثوابت المتعارف عليها منذ تولي الرئيس مبارك الحكم في أكتوبر ۱۹۸۱ وهي إفساح المجال لحرية الصياح وحرية النقد، كما حطمت قاعدة عدم حبس أي صحفي في قضية نشر.
أما من الناحية النظرية- كما يقول ثلاثة من أعضاء مجلس نقابة الصحفيين المصريين استطلعت المجتمع آراءهم . فسوف تنعكس هذه التطورات سلبيًّا على مستقبل الصحافة، بل ستتأثر بقية الحريات الأخرى خصوصًا السياسية لأن حرية الصحافة هي «أم الحريات» جميعًا.
تاريخ الصحافة في مصر
ارتبط تاريخ الصحافة وحريتها في مصر بالحياة السياسية صعودًا وهبوطًا، ففي فترات الازدهار الديمقراطي ارتفعت هامة حرية الصحافة عاليًا، وكثرت المطبوعات الصحفية والعكس صحيح، فعندما دخلت مصر في النصف الثاني من القرن الماضي في زمرة الدول القليلة التي عرفت أشكالًا مختلفة من الممارسة الديمقراطية، انعكس ذلك على نشوء أول صحافة مصرية، إذ واكب إنشاء أول برلمان مصري عام ١٨٦٦ م على يد الخديوي إسماعيل صدور أول صحيفة شعبية مستقلة وهي جريدة «وادي النيل».
قبل ذلك أصدر نابليون أول صحف مطبوعة في مصر عندما احتلها في نهاية القرن الثامن عشر، كما أصدر محمد علي باشا - والي مصر ومؤسس الدولة الحديثة- أول جريدة رسمية هي الوقائع المصرية عام ۱۸۲۸م، إلا أن هذه الصحف الأولى كانت للحاكم.
لقد شجع تقليد الخديوي إسماعيل لليبرالية الأوروبية على ظهور الصحف المستقلة وغير المعبرة عن السلطة، كما شجع كتابًا وصحفيين من الشام على الهجرة المصر، وممارسة مهنة الصحافة فيها هريًا من القيود التي كان يفرضها عليهم الحكام العثمانيون هناك مثل «آل تقلا» الذين أصدروا الأهرام عام ١٨٧٦م في مدينة الإسكندرية ثم نقلوها للقاهرة فيما بعد.
والطريف أنه منذ بداية تجربة إصدار الصحف في مصر وهي مرتبطة بصدور قوانين رقابية للسيطرة عليها حتى لو كانت صحفًا حكومية، فأول قانون للرقابة على المطبوعات وضعه نابليون، وعندما أصدر محمد على «الوقائع المصرية»، أصدر معها فرمانًا بفرض الرقابة على الصحافة والمطبوعات، وحين ظهرت الصحف المستقلة أواخر القرن التاسع عشر لم تهنأ بذلك كثيرًا، إذ سرعان ما صدر قانون أوسع للرقابة عام ١٨٨١م بغرض محاصرة الصحف التي كانت تؤيد الثورة العرابية.
ومع ذلك فقد تميزت فترة ما قبل ثورة يوليو 1952م أنها شهدت اتساعًا في حرية الصحافة وفقًا للمناخ الليبرالي الديمقراطي الذي كان سائدًا في ذلك الوقت، ولذلك تعددت الإصدارات الصحفية في ذلك الوقت بشكل كبير، أما بعد تولى قادة ثورة يوليو الحكم عام ١٩٥٢م فقد نظم الصحف قانون جديد هو القانون رقم ١٥٦ لسنة ١٩٦٠م الذي صبغ ما تنشره الصحف بتوجيهات النظام السياسية والاجتماعية ووضعت قيود مشددة على حرية الصحافة، وعندما تولى الرئيس السادات السلطة وبدأ التحول النسبي تجاه الانفتاح الاقتصادي وضع قانون «سلطة الصحافة»، رقم ١٤٨ لعام ١٩٨٠م وتم تعديل الدستور لضمان حد أدنى من حرية الصحافة تتناسب مع الحرية السياسية والاقتصادية التدريجية وجو الانفتاح النسبي.
غابة من القوانين: دستور ۱۹۷۱م الذي لا يزال معمولًا به حتى الآن في مصر يتضمن نصين مهمين يمكن أن يوفرا أساسًا معقولًا لحرية الصحافة وهما المادتان ٤٧ و ٤٨ منه، إلا أن المشكلة أن السلطة لم تطق صبرًا على ذلك، وعدلت الدستور في ٣٠ أبريل ۱۹۸۰م بإضافة فصل كامل من مواد غامضة ساهمت في تقييد حرية الصحافة وخلقت الأزمات تلو الأخرى خصوصًا أزمات سبتمبر ۱۹۸۱م، ومايو ١٩٩٥م، ثم فبراير ۱۹۹۸م الأخيرة، وساعد على ذلك ترسانة من القوانين والمواد القانونية المتعلقة بالصحافة والصحفيين التي يمكن حصرها فيما يلي:
١- «قانون المطبوعات» رقم ٢٠ لسنة ١٩٣٦م المعدل بالقانون رقم ٣٧٥ لسنة ١٩٥٦م والقانون رقم ١٩٩ لسنة ١٩٨٣م.
٢- «قانون العقوبات» رقم ٥٨ لسنة ١٩٣٧موالتعديلات المختلفة التي أدخلت عليه وبخاصة القانون رقم ٢٩ لسنة ۱۹۸۲م، والقانون رقم ۱۹۹ لسنة ۱۹۸۳م، والقانون رقم ٩٧ لسنة ١٩٩٢م.
٣- «قانون سلطة الصحافة»، رقم ١٤٨ لسنة ۱۹۸۰م ولائحته التنفيذية الصادرة في ٢٦ يناير١۹۸۱ م والتي تم إلغاؤها بإصدار لائحة تنفيذية أخرى في 8 ديسمبر ١٩٨٥م.
٤- «قانون المخابرات العامة»، رقم ١٠٠ لسنة ۱۹۷۱م والمعدل بالقانون رقم (1) لسنة ۱۹۸۹م.
٥ - «قانون الأحزاب السياسية»، رقم ٤٠ لسنة ۱۹۷۷م.
٦- القانون رقم ٣١٣ لسنة ١٩٥٦م والخاص بحظر نشر أي أخبار عن القوات المسلحة والمعدل بالقانون رقم ١٤ لسنة ١٩٦٧م.
٧ - قانون الإجراءات الجنائية رقم ١٥٠ لسنة١٩٥٠م وتعديلاته.
٨- مواد من قوانين الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء والعاملين بالدولة والأزهر..
٩ - القانون ٩٣ لسنة ١٩٩٥م الذي أشتهر باسم قانون اغتيال حرية الصحافة، والذي تم إلغاؤه وتجميده بعد ثورة الصحفيين عليه.
١٠- تعديلات قانون الشركات الأخيرة رقم ١٥٩ لسنة ۱۹۸۱م التي تمت في ١٧ يناير ۱۹۹۸م، وأعطت لرئيس الوزراء حق الاعتراض على إصدار شركات الصحافة والأقمار الصناعية والاستشعار عن بعد.
وقد أثرت هذه الغابة من القوانين والتشريعات في مجموعها على حرية الصحافة في مصر، فأصبح تقييد الصحافة هو الأصل، وتحولت كبريات الصحف التي تصدر عن المؤسسات الصحفية المملوكة لمجلس الشورى التي تتحكم في ٩٥% من الإصدارات الصحفية و ١٠٠ %من شركات الطباعة إلى صحف حكومية أو تابعة للحزب الحاكم، بحيث يتم اختيار رؤساء تحريرها بقرارات فوقية، ومن ثم السيطرة على هذه الصحف وتحويل أعداد من الصحفيين إلى موظفين لدى الحكومة.
سلاح حظر النشر
ولم تقتصر عملية تقييد حرية الصحافة على إصدار القرارات والقوانين، إذ أضيف إلى ذلك التوسع في قرارات حظر النشر واستغلال المادتين ۱۹۳ و ۱۹۹ من قانون العقوبات في هذا الصدد رغم أنهما صدرا في عام ۱۹۳۱م، وزاد من خطورة الأمر أن قرارات حظر النشر تصاغ في كثير من الأحيان بصورة غامضة لا تتيح للمسؤولين عن الصحف معرفة حقيقة الشيء المطلوب حظر نشره، ويحصي بعض منظمات حقوق الإنسان ما يزيد على ۱۰۰ قرار بحظر النشر منذ عام ١٩٨٤م منها ٣٦ قرارًا منذ ١٩٨٤م وحتى ۱۹۸۷ م وكان أغلب هذه القرارات ضد صحف المعارضة، وقد استخدمت السلطة نصًا في المادة ١٩٩ من قانون العقوبات لتعطيل الصحف بالفعل.
ففي ١٢ أبريل ١٩٨٤م صودرت جريدة الوفد بحجة أنها خرقت قرارًا بحظر النشر خاصًا بسرقة أحراز في قضية تنظيم الجهاد، وتبين فيما بعد أن قرار حظر النشر أبلغ للجريدة بعد طباعتها، الأمر الذي أثار مسألة أن السلطة يمكن أن تستخدم قرارات حظر النشر لانتهاك حرية الصحافة ومعاقبة الخصوم السياسيين من خلال عدم إبلاغ الصحف بقرارات حظر النشر، بل لقد تم سجن الصحفي عبد الستار أبو حسين بعد محاكمته عسكريًا بسبب اتهامه بنشر خبر عن مناورات عسكرية صدر قرار بحظر النشر بشأنها، رغم أن الخبر نفسه نشرته الصحف الكبرى خصوصًا الأهرام، وكانت آخر مرة استخدمت فيها هذه المواد العقابية الخاصة بخرق قرارات حظر النشر في سبتمبر ۱۹۹۷م عندما تم منع صدور جريدة الشعب لمدة أسبوعين بحجة خرقها قرار للنائب العام بحظر النشر في قضية النزاع بين الجريدة ووزير الداخلية السابق حسن الألفي.
أشهر أزمات الصحافة المصرية
بعد رحيل السادات انتعشت حرية الصحافة بشكل عام وتزايدت الإصدارات الصحفية على الرغم من استمرار العمل بالمواد القانونية العقابية ذاتها السابق ذكرها، وأصبح نقد الحكومة والوزراء مألوفًا وبشكل مبالغ فيه، إلا أن الصحافة المصرية الحديثة شهدت ثلاثًا من أكبر أزماتها أعوام ۱۹۸۱م، و ۱۹۸٥م، و ۱۹۹۸م على التوالي
أولًا: أزمة تعطيل الصحف: في سبتمبر ۱۹۸۱م أصدر السادات سلسلة من القرارات تم بموجبها اعتقال عشرات المعارضين السياسيين وتعطيل صدور صحف إسلامية بارزة مثل: «الدعوة»، و«المختار الإسلامي»،و«الاعتصام» وأخرى معارضة مثل: «الشعب»، و«الأهالي»، وقد استمر تعطيل هذه الصحف حتى مايو ۱۹۸۲م بعدما انتهت تداعيات حادث اغتيال السادات.
ثانيًا : أزمة القانون 93 لسنة ١٩٩٥م في ۲۷ مايو ١٩٩٥م فاجأت الحكومة الصحفيين بطرح قانون جديد أمام البرلمان يتعلق بتعديل بعض أحكام قانوني العقوبات والإجراءات الجنائية ومادة في قانون نقابة الصحفيين، وتم التصديق على القانون في اليوم نفسه، ونشر في الجريدة الرسمية في اليوم التالي مباشرة، وقد أثار القانون أخطر أزمات الصحافة المصرية في العصر الحديث، ووقفت ضده جموع الصحفيين بشكل غير مسبوق لأنه أعطي الحكومة الحق في حبس الصحفيين احتياطيًّا - لأول مرة – وتوقيع عقوبات ضدهم بالحبس والغرامة على جرائم وردت بشأنها عبارات فضفاضة مثل: «المساس بحرية الحياة الخاصة للمواطنين»، أو «خدش سمعة العائلات»، كما أطال مدة الحبس إلى ثلاث سنوات، وزاد الغرامات المالية من ٢٠ – ٥٠٠ جنيه في السابق إلى 5-10 آلاف جنيه، وقد وصلت احتجاجات الصحفيين على القانون حد الدعوة للإضراب العام ولاحتجاب الصحف الرسمية والمعارضة والمستقلة، وقد عقدت اجتماعات بين أعضاء مجلس النقابة والرئيس مبارك ووزيري الإعلام والداخلية للبحث عن مخرج لهذه الأزمة، وانتهى الأمر باقتراح إعداد مشروع جديد للصحافة بواسطة لجنة من النقابة والمجلس الأعلى للصحافة وبعض القانونيين، وتم إلغاء القانون ٩٣ لسنة ١٩٩٥م.
ثالثًا: أزمة فبراير ۱۹۹۸م : كان يوم ٢٤ فبراير الماضي موعد أحدث أزمات الصحافة المصرية، ففي هذا اليوم صدر حكم نهائي بحبس مجدي حسين -رئيس تحرير صحيفة «الشعب». المعارضة، ومحمد هلال الصحفي بالجريدة ذاتها، وهو أول حكم يصدر بالحبس في قضايا نشر بعدما كان النقض والاستئناف ينتهي غالبًا بالغرامة أو المصالحة بين الجريدة والطرف الشاكي، وفي هذا اليوم أيضًا صدرت جريدة «الدستور» التي تطبع في مصر برخصة من الخارج وعلى صفحاتها صورة لمنشور زعمت أنه من الجماعة الإسلامية بمصر، وأنها تهدد بقتل ثلاثة من رجال الأعمال الأقباط، وكان هذا المنشور سببًا في منع طبع وتوزيع الجريدة في مصر، وبالتالي إغلاقها عمليًا، ولم تمر خمسة أيام أخرى حتى كان المنشور نفسه سببًا في عزل نائب رئيس تحرير مجلة روز اليوسف من منصبه بعدما نشرت المجلة مزاعم حول المنشور.
ومع أنه لا يبدو أن هناك صلة بين حبس الصحفيين وبين إغلاق الدستور وعزل صحفي آخر، فقد تم الربط بين هذه التطورات الثلاثة التي جرت في أسبوع واحد خصوصًا أنه تبعتها تحذيرات رسمية على لسان الرئيس مبارك من أن «حرية الصحافة في خطر»، وتحركات من جانب المجلس الأعلى للصحافة لسحب تراخيص بعض الصحف المتوقفة عن الصدور أو غير المنتظمة في الصدور، فضلًا عن أنه سبقها قيام جهاز الرقابة على المطبوعات التابع لوزارة الإعلام بإصدار قرارات بمنع طبع وتوزيع صحف مصرية تصدر برخصة من دول أجنبية «لصعوبة حصولها على الرخصة من مصر».
والأهم أنه سبق هذه الخطوات بشهر واحد قيام الحكومة بتمرير تعديلات على قانون الشركات مثلت قيدًا جديدًا على حرية الصحافة وتضمنت اشتراط موافقة مجلس الوزراء على طلبات تأسيس شركات الصحافة رغم أن التعديلات نفسها سهل تعقبات إنشاء الشركات بشكل عام.
وسبق الحكم بحبس مجدي حسين دعوة رسمية له من الرئيس مبارك وهو على متن طائرة الرئاسة في إحدى جولات الرئيس الخارجية بالبحث عن حل وسط للأزمة مع وزير الداخلية السابق، حيث قال الرئيس – كما يروي نقيب الصحفيين مكرم محمد أحمد «إنني أرجو أن تنتهي هذه القضية بالتصالح لأننا إزاء قضية قذف شخصي»
وكان من الواضح أن السلطة تسعى للخروج من مأزق حبس صحفي بما يعنيه ذلك من حرج للرئيس الذي سبق أن صرح أنه لم يتم حبس صحفي في عهده، وكشف عادل حسين -أمين عام حزب العمل الذي تصدر عنه جريدة الشعب»- أن «توجيهات عليا سيادية»، كانت وراء السعي للمصالحة بين الألفي والشعب، بيد أنها فشلت لإصرار الوزير على الحصول على اعتذار من الصحيفة عن «كل الوقائع» التي نشرت في حين لا توافق الجريدة إلا على صيغة «بعض الوقائع» ثم تعمقت الأزمة بصدور حكم ثالث بحبس صحفي يوم ١٨ مارس الماضي صدر عليه حكم بالسجن ستة أشهر مع الشغل بتهمة سب وقذف صحفي آخر، ومعروف أن هناك (۱۱۳) صحفيًا مسجلين في قضايا نشر هذا العام و (۷۰) منهم قد يدخلون السجن بسببها
حرب رجال الأعمال: لم يكن منع «الدستور» هذه المرة الحالة الأولى في تاريخ هذه الصحيفة ذات الصبغة العلمانية المثيرة، إذ سبق ذلك مصادرة الجريدة أو توجيه لفت نظر إليها عدة مرات من جانب مكتب الرقابة على المطبوعات الأجنبية بسبب نشر موضوعات أمنية محظورة أو تحقيقات سياسية غير مألوفة، ولم يحدث أن تم مصادرتها أو تحذيرها على نشر أي موضوعات أخرى ذات صبغة جنسية أو فضائحية، بل إن العلاقة بين الجريدة وأجهزة الأمن كانت حسنة لدرجة أن العدد الأخير تضمن موضوعًا حساسًا عن جهاز أمن الدولة في مصر واختراقاته للأحزاب والقوى السياسية تحت عنوان «أمن الدولة أقوى حزب سياسي في مصر» إلا أن ما أثار الأزمة وقلب الطاولة على أصحاب الدستور أنهم دخلوا من جهة في عش الدبابير المسمى نفوذ رجال الأعمال ومسوا من جهة ثانية قضية أمن قومي في وقت كان الرئيس مبارك يعتزم التوجه فيه لزيارة أمريكا، إذ إن بيان الجماعة الإسلامية الذي نشرته الدستور حذر من نفوذ ثلاثة من كبار رجال الأعمال الأقباط وأبرزته الجريدة تحت عنوان «الجماعات الإرهابية تهدد أهم وأشهر ثلاثة رجال أعمال أقباط بالاغتيال» فلفتت بذلك _كما يقول مسؤولون حكوميون– نظر الجماعات الإرهابية لهدف جديد في سلسلة عملياتهم، كما أعطت للوبي الأمريكي في واشنطن أداة ضغط في يده قبل وصول الرئيس مبارك ليعيد الحديث عن اضطهاد الأقباط، أما الخطأ الثالث من وراء نشر البيان فكان المساهمة –بقصد أو بغير قصد_ في إعطاء المواجهات والحروب السرية بين رجال الأعمال بعدًا آخر خطيرًا خصوصًا أن هناك بالفعل حرب شائعات تدور بين بعض رجال الأعمال المصريين وتؤثر على الاستثمارات في مصر.
وكان من الممكن أن تتوقف الأزمة عند هذا الحد خصوصًا أن الرئيس مبارك قال بوضوح «إن الهدف ليس تقييد حرية الصحافة» إلا أن الأمور تطورت لهجوم على ما سمي «الصحافة الصفراء» التي تنشر أخبار الجنس والفضائح والإثارة أو تستغل الصحافة للحصول على إعلانات ضخمة من الشركات، وبدأ المجلس الأعلى للصحافة خطوات فعلية لسحب رخص بعض الصحف بما في ذلك صحف بعض الأحزاب، فقد أثار البعض انفراد أحد الأحزاب بـ ٢٥ رخصة إصدار صحف، وأنه يؤجر هذه الرخص لمن يريد «المقصود حزب الأحرار» وكشف مسؤول بالحزب ل المجتمع أن المجلس الأعلى للصحافة بصدد إلغاء ثمانية من هذه الرخص بالفعل بحجة عدم صدورها أو عدم انتظامها في الصدور.
ولاحظ يحيى قلاش - عضو مجلس نقابة الصحافيين – في تصريحات لـ المجتمع أن الصحف التي أثيرت بشأنها الأزمة التي تصدربر خص من الخارج لاتزال تصدر، ويضيف اكتشفنا - في النقابة – أن كل الصحف التي تطبع في الخارج لاتزال كما هي وما تم صنعه في السابق من الطبع والتوزيع عاد مرة أخرى كما هو، وحتى الصحف الصغيرة التي كانت تطبع في المناطق الحرة وأوقفها رئيس هيئة الاستثمار من قبل لاتزال تطبع «بالتحايل» في مطابع خاصة، أيأن الصحف الصفراء مازالت موجودة، وهو ما يعني أن شعار ضرب الصحف الصفراء «يخفي وراءه رغبة أخرى لضرب حرية الصحافة».
ردود الأفعال : ولكن هل يعني ذلك التطور أن حرية الصحافة في
خطر على الرغم من أن الحكومة لم تسن تشريعات جديدة ضد الصحافة وأنها استخدمت ما هو موجود منها بالفعل؟
المجتمع استطلعت آراء عدد من أعضاء مجلس نقابة الصحفيين المصرية، وكذلك آراء ضحايا موقعة حرية الصحافة الأخيرة فماذا قالو؟
يقول عادل حسين - رئيس تحرير «الشعب» السابق وأمين عام حزب العمل حاليًا: إن المسألة في جوهرها الخطير أن كاتبًا وطنيًا بارزًا انتقد مسؤولًا حكوميًا وكتب ما اعتقد صحته في ضوء مستندات ووقائع، فإذا به يدخل السجن، ويقول: «إن كل أركان الدولة كانت قد توصلت -دون اتفاق رسمي أو إعلان -على إبطال وتجميد المواد التي تسجن الكتاب، ولذا لم يحدث فعلًا أن حكم على أي صحفي بدخول السجن طوال السنوات الماضية رغم كثرة الحملات الصحفية التي شنت ورغم نظر المحاكم لمئات القضايا ورغم وجود قانون يجيز الحكم بالسجن، ويضيف أنه متى زالت الهيبة عن حرية الرأي فستخرج القوانين المستبدة من الثلاجة وسيزول الحرج من تطبيقها» ويختم عادل حسين قائلًا: «أخشى من أن تؤدي زيادة الضجة حول الصحافة الصفراء لحجب الضوء عن القضايا الأخرى المثارة».
٢٨ مؤسسة صحفية معطلة
ويرد صلاح عبد المقصود -عضو مجلس نقابة الصحفيين- على سؤال المجتمع عما إذا كان يعتقد أن حرية الصحافة في خطر بعد التطورات الأخيرة فيقول: «بالتأكيد.. لأن هناك من يحاول خلط الأوراق وإدخال التجاوزات كمبرر للتضييق على حرية الصحافة، والذين يتحدثون عن الصحافة الصفراء الآن هم الذين قاموا بإدخالها وإفساح الطريق لها وتشجيعها، في حين أن هناك العديد من الشركات الجادة التي تريد إصدار صحف تعبر عن قطاعات عريضة من المجتمع لا تزال معطلة منذ سنوات طويلة، وبعد أن تفاقمت هذه الظاهرة اليوم قذفوا بها إلى نقابة الصحفيين وكأنها المسؤولة عن ذلك، في حين أن النقابة لم تدخر جهدًا في مقاومة الانحراف داخل الساحة الصحفية، كما أن الظاهرة لم تقتصر على الصحف ذات التراخيص الأجنبية، وإنما هناك نوعية أخرى سهلت لها السلطة التواجد في الساحة منها على سبيل المثال أن أحد الشخصيات منحته السلطة حزبًا سياسيًا، وهذا الشخص أصدر صحيفة تروج للفساد، وهذا الشخص قامت النقابة بفصله ورغم ذلك لا يزال مسنودًا من البعض، فمن الذي صنع الظاهرة؟» ويحذر عبد المقصود من استغلال هذه التجاوزات في التضييق على حرية الصحافة «لأن هذه الحرية تحمل سلة من الحريات التي تهم المجتمع والمواطنين»، أما عن المستقبل فيقول: «إن حرية الصحافة تنتقل من سيئ إلى أسوأ، وكلما لاحت بارقة أمل أغلقتها السلطة بممارساتها»، فهناك ۲۸ مؤسسة صحفية تنتظر الترخيص لها ولا تزال أوراقها في مصلحة الشركات التي تعطلها بدعوي انتظار تقارير الأمن العام ثم جاءت الحكومة مؤخرًا وسنت قانونًا جديدًا يعطي لمجلس الوزراء حق رفض هذه الشركات، وهذا تضييق جديد لا يبشر بأمل لحرية الصحافة، خصوصًا أنه بدأ أيضًا حبس الصحفيين في قضايا النشر، ويؤكد أن هذا التضييق على حرية الصحافة سوف ينعكس على العمل السياسي أيضًا لأن حرية الصحافة هي أم الحريات الاقتصادية والسياسية وغيرها.
لا ترحيب بحرية الصحافة
ويؤكد يحيى قلاش عضو مجلس النقابة أيضًا أن هناك عدم ترحيب من بعض القوى بحرية الصحافة رغم الهامش الموجود حاليًا، ومنها قوى اقتصادية وسياسية واجتماعية مثل رجال الأعمال الذين لا يعبر بعضهم عن تيار ليبرالي اقتصادي حقيقي، وإنما هم أشبه بالسماسرة والمغامرين ونشاطهم الحقيقي قائم على الفوضى الاقتصادية، ويقول: إنه لا يعتقد -كما يقول البعض- أن الأزمة الأخيرة طارئة، وإنما هي حلقة في سلسلة ولذلك «هناك خطورة كبيرة في المستقبل على حرية الصحافة وحرية التعبير ككل بدليل أننا نخرج كصحفيين -من أزمة لندخل أزمة أخرى»
نعم ولكن
ولا يخفي مكرم محمد أحمد نقيب الصحفيين وجود هذه المخاوف لكنه يطالب في الوقت ذاته بالقضاء على مبرراتها والحجج التي تساق لضرب حرية الصحافة، فيؤكد «أن مصر شأنها شأن أي مجتمع آخر توجد بها قوى تريد الإبقاء على الأمر الواقع وتضييق حرية الصحافة وحرية الرأي والتعبير وتسعى لتكبيل الصحافة، وهذه القوى التي نسمع أصواتها بين الحين والآخر مطالبة «بتغليظ العقوبات تجد في أخطاء الممارسة الصحفية ما يعطيها المبررات والأسباب لإعادة طرح مطالبها».
ويعترف مكرم «أن المشكلة أننا أغلقنا الباب الشرعي وفتحنا نوافذ جانبية وخلفية لما أسميناه الصحفالأجنبية».
التراجع ملحوظ والمستقبل مجهول
عمان : عاطف الجولاني
قانون المطبوعات والنشر الذي أصدرته الحكومة الأردنية الذي يحد من هامش الحريات الصحفية المتاح، ويضع قيودًا مشددة على عمل الصحف بل على وجودها واستمرارها، أدى إلى تسليط الضوء على وضع الحريات الصحفية في الأردن، وبخاصة أن تطبيق القانون أدى إلى إغلاق ۱۲ صحيفة أسبوعية، قبل أن تتمكن من متابعة حدث مهم شهدته البلاد في شهر نوفمبر الماضي، وهو الانتخابات البرلمانية التي أجريت في ظل غياب شبه كامل للصحافة الأسبوعية التي يرى كثير من المراقبين أنها مشاكسة وتتمتع بجرأة على النقد اللاذع لممارسات الحكومة.
ومما أضفى أهمية كبرى على أزمة الحريات الصحفية في الأردن انعكاسات الأزمة على الوضع السياسي الداخلي لاسيما على العلاقة بين الحكومة والمعارضة، حيث كان صدور قانون المطبوعات والنشر الجديد سببًا رئيسيًا في دفع القوى السياسية المعارضة، وفي مقدمتها الحركة الإسلامية، إلى اتخاذ قرار مقاطعة الانتخاباتالذي أدخل البلاد في أزمة حادة.
الحريات الصحفية في الأردن نبذة تاريخية
أظهر استطلاع للرأي أجراه مركز الدراسات الإستراتيجية في الجامعة الأردنية قبل عامين أن ٦١ % من الذكور في المجتمع الأردني يقرؤون الصحف اليومية، في حين وصلت نسبة قراءتها من قبل الإناث إلى ۳۹% وكانت النسبة العامة لقراءتها ككل ٥٢,٣٪ من المجتمع الأردني.
أما بالنسبة للصحافة الأسبوعية فقد أظهر الاستطلاع أن %۳۸٫٥ من المجتمع الأردني يحافظ على قراءتها، وهذه النتائج المرتفعة لحجم المتابعة والاهتمام بقراءة الصحافة اليومية والأسبوعية في الأردن تظهر بلا شك حجم تأثيرها في تشكيل القناعات والتأثير في الرأي العام، وهو ما يرى كثير من المراقبين أنه دفع الحكومات طوال العقود الماضية لمحاولة بسط سيطرتها على الصحافة والتأثير على سقف حرياتها.
ولم يعرف الأردن ظاهرة الصحافة إلا في بداية العشرينيات من هذا القرن، وكانت صحيفة «الحق يعلو» التي تأسست عام ۱۹۲۰ م أول صحيفة تصدر في الأردن، حيث صدرت بشكل أسبوعي وكانت تكتب بخط اليد، وبعد تأسيس إمارة شرق الأردن اهتمت الحكومة بصورة كبرى بالصحافة وقامت عام ۱۹۲۳م بشراء مطبعة وأصدرت صحيفة «الشرق العربي» بعد ثلاثة أيام من إعلان استقلال الإمارة.
وقد دخل القطاع الخاص مجال إصدار الصحف عام ۱۹۲۷م حيث صدرت صحيفة «جزيرة العرب» ثم «الشريعة»، و«صدى العرب» و «الأردن»، و«الأنباء».
وقد تميزت الصحافة في العشرينيات بمحدودية الاستمرار بسبب سوء الأحوال الاقتصادية والأمنية، وكانت القوانين العثمانية هي التي تحكم عمل الصحافة في هذه الفترة، وأنه أجري تعديلان على قانون المطبوعات والنشر عامي ۱۹۲۷ م و ۱۹۲۸ م لكنهما لم يضعا أي عراقيل مادية أو قانونية.
وفي فترة الثلاثينيات استمر صدور المزيد من الصحف وفي الوقت نفسه غياب صحف قائمة، وأجريت تعديلات على قانون المطبوعات عامي ۱۹۳۳ م و ۱۹۳۹ م وضعا عراقيل كثيرة أمام الصحف، وأعطي مراقب المطبوعات والنشر صلاحيات واسعة في منع نشر الكثير من المواد ومصادرة الصحف ومراقبتها قبل الطباعة، وكان المبرر لذلك ظروف التوتر الذي سبق الحرب العالمية الثانية.
وخلال حقبة الأربعينيات حيث حصل الأردن على الاستقلال عن بريطانيا، انطلقت عدة صحف جديدة «النسر، الحق، العهد، الحرية» واتسمت بالجرأة في معالجة القضايا السياسية والاجتماعية والتعبير عن رفض الاستعمار، ولكن هذه الصحف تميزت أيضًا كسابقاتها بعدم الاستمرارية أو انتظام الصدور، ووقف أو إغلاق العديد منها من قبل مراقب المطبوعات، وصدر خلال هذه الفترة تعديلان على قانون المطبوعات عامي ١٩٤٥م. و ١٩٤٨م وضعا العديد من المحظورات ومنحا مراقب المطبوعات صلاحيات واسعة بحق المخالفين.
شكلت الفترة ما بين النكبتين: الأولى عام ١٩٤٨ م والثانية عام ١٩٦٧م مرحلة جديدة من عمر الصحافة الأردنية، وصدر خلالها أكثر من ٤٠ صحيفة في كلا الضفتين، وكان من أبرز صحف هذه المرحلة «الجهاد» التي صدرت عام ١٩٥٣م في القدس ثم انتقلت للأردن واندمجت مع صحيفة الدفاع ليصبح اسم الصحيفتين القدس العربي.
كما صدرت خلال هذه الفترة صحيفة الكفاح الإسلامي التابعة لجماعة الإخوان المسلمين التي أوقفتها الحكومة عام ١٩٥٧م، وتميزت هذه المرحلة بصدور العديد من الصحف الحزبية، وقد أسهم انتقال الصحفيين الفلسطينيين إلى الأردن في رفد الصحافة الأردنية بخبرات متقدمة في هذا المجال،
وقد صدر خلال هذه الفترة قانون جديد للمطبوعات عام ١٩٥٣م شكل نقلة نوعية في الحريات الصحفية، حيث تمتعت الصحف بسقف عال من حرية التعبير، ولكن سرعان ما صدر قانون جديد متشدد نسبيًا عام ١٩٥٥م، وفي عام ١٩٥٧م قامت الحكومة بحل الأحزاب السياسية مما أدىإلى تعطيل الصحف المعارضة، وفي عام ١٩٦٧م صدر قانون
للمطبوعات متشدد جدًا وضع عراقيل مادية أمام صدور الصحف.
في فترة الثمانينيات اقتصر الحال على ثلاث صحف يومية« الرأي الدستور، صوت الشعب» وعدد محدود من الصحف الأسبوعية، وتمثلت ذروة التدخل الحكومي في حرية الصحافة عام ١٩٨٨م بتدخل الحكومة من خلال لجنة الأمن الاقتصادي في تعيين لجان من طرفها لإدارة الصحف وقيامها بتعيين رؤساء تحرير الصحف، حيث أصبحت الصحف تابعة للحكومة عمليًا وانخفض سقف الحريات بدرجة كبيرة، وكان وزير الإعلام يملي سياسة الحكومة الإعلامية على الصحف.
صحافة المرحلة الديمقراطية
بعد الأحداث الشعبية التي شهدتها الأردن عام ۱۹۸۹م، وانطلاقة المرحلة الديمقراطية، دخلت الصحافة عصرًا ذهبيًا بعد الانتخابات البرلمانية العام ۱۹۸۹م، وإلغاء حالة الطواري ، وقد صدر قانون جديد للمطبوعات والنشر بدأ العمل به في بداية عام ۱۹۹۳م، ومع أن هذا القانون لم يخل من بعض الثغرات، إلا أنه شكل نقلة نوعية في التشريعات الإعلامية القانونية التي تنظم العمل الصحفي، وقد أقر هذا القانون من البرلمان الأردني الذي تمتعت المعارضة فيه بحجم معقول.
ومنح قانون ۱۹۹۳م الأحزاب حق امتلاك وإصدار الصحف واستثناها من شرط رأس المال المطلوب للصحيفة، ونص على تقليص النسبة المسموح للحكومة بالمساهمة بها في رأس مال الصحف التي تشكل عاملًا رئيسيًا للضغط على الصحف وتوجيهها بحيث لا تزيد على ٣٠ %وسحب القانون الجديد من الحكومة حق تعطيل أو إغلاق الصحف أو رفض إعطاء تراخيص الصحف جديدة وجعل القضاء هو الفيصل في ذلك، وقلص من صلاحيات السلطة التنفيذية في التدخل والرقابة ولكنه لم يعف مالك الصحيفة ورئيس التحرير وكاتب المادة الإخبارية من المساءلة أمام القضاء.
نقيب الصحفيين الأردنيين سيف الشريف وصف قانون ۱۹۹۳م أنه قانون عصري وجيد وديمقراطي يراعي الكثير من المبادئ الصحفية، وقال إن الصحفيين كانوا يأملون أن يستمر الأردن في السير عليه، وهو ما لم يحصل حيث صدر في عام ۱۹۹۷م قانون جديد للمطبوعات فرض شروطًا مشددة لترخيص الصحف واستمرارها، كما فرض عقوبات صارمة في حق المخالفين لقائمة المحظورات التي اتسعت لتشمل بنودًا جديدة، وأعاد القانون الجديد للحكومة حق تعطيل أو حتى إغلاق الصحف وسحب تراخيصهافي حال ارتكاب عدد من المخالفات.
وأدى تطبيق القانون الجديد إلى إغلاق ۱۲ صحيفة أسبوعية، وشهدت الساحة الصحفية الأردنية موجة احتجاجات واسعة ضد القانون الذي اعتبرته الأوساط السياسية والصحفية محاولة لتكميم الأفواه والتضييق على الحريات الصحفية من أجل تغييب الصوت المعارض، وقالت: إن القرار سياسي تم تغليفه بغلاف قانوني، وأصدر دون الرجوع إلى مجلس النواب الذي كانقائمًا في حينه.
المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين عبد المجيد ذنيبات قال: «كنا على أبواب انتخابات نيابية، والحكومة أرادت ممارسة العملية الانتخابية وفق سياساتها ومعاييرها بعيدًا عن الأضواء والنقد والرأي الآخر الذي يمكن أن تطرحه الصحف الأسبوعية»، واعتبر المتحدث الرسمي في حينه باسم نواب جبهة العمل الإسلامي حمزة منصور أنه «لا معنى للديمقراطية في ظل تغييب صوت الصحافة».
فهد الريماوي – رئيس تحرير صحيفةالمجد» ذات التوجه القومي، وصف قرار تطبيق القانون وإغلاق الصحف أنه تعسفي وأدى إلى تشريد مئات الصحفيين، ووصف الإجراء أنه سياسي بحث، اتخذ مبررات مالية واهية، وأضاف: «نحن نعلم أن هناك نوايا مبيته لتغييب عدد من الصحف الجريئة»، وهذا ما أكده رئيس تحرير صحيفة «الميثاق»،ناهض صر الذي قال: «إن القرار سياسي وأعد مسبقًا لإغلاق الصحف الأسبوعية التمر الانتخابات دون رقابة صحفية».
الكاتب الصحفي فهد الفانك الذي يعد مقربًا إلى الحكومة، اعتبر القانون الجديد ضربة لحرية التعبير وتراجعًا عن الديمقراطية «الأمر الذي لطخ سمعة الأردن العربية والدولية، وأثار عليه منظمات عالمية ذات مصداقية، فلابد أن تتحمل الحكومة مسؤولية ما حدث وتدفع الثمن».
وكانت عدة منظمات صحفية وحقوقية محلية وعربية ودولية قد انتقدت القانون الجديد بشدة، وقد تضمن تقرير وزارة الخارجية الأمريكية لعام ۱۹۹۷م حول حقوق الإنسان نقدًا لتضييقات الحكومة على الحريات الصحفية.
وجدت الحكومة نفسها في وضع لا تحسد عليه، وحاولت الرد على الاتهامات الموجهة إليها، وأكدت أنها حريصة على ضمان الحريات الصحفية، وأن الدافع وراء القانون لم يكن التضييق على الحريات، وإنما وضع حد للتجاوزات الصحفية وبخاصة فيما يتعلق بالجانب الأخلاقي.
وقد أكد وزير الإعلام في حينه أن الحريات لم تمس «بدليل أن الصحف اليومية استمرت تنتقد أعمال الحكومة»، وأضاف أنه ثبت لدى الحكومة أن قانون ۱۹۹۳م كان فيه الكثير من الثغرات التي أدت إلى حالة «فلتان»، استدعت تعديل القانون، وأشار بصورة خاصة إلى «موضوعات الأخلاق العامة والقصص الإباحية».
مراقبون محايدون قالوا إن مبررات الحكومة واستنادها إلى التجاوزات الأخلاقية في بعض الصحف ضعيفة، رغم أنها تستند إلى درجة من الصحة من حيث انتشار صحافة الإثارة التي تجاوزت الحدود في كثير من الأحيان، ولكنهم تساءلوا : لماذا شمل التضييق جميع الصحف؟ ولماذا لا تقوم الحكومة بتطبيق المعايير الأخلاقية على نفسها فتوقف التجاوزات الأخلاقية في التليفزيون الرسمي التي تتجاوز كثيرًا في سوئها ما تنشره بعض صحف الإثارة؟
وأضاف المراقبون أن من الأسباب الإضافية التي دفعت الحكومة لسن قانون جديد يضيق هامش الحريات الصحفية القيد الذي وضعه القانونالسابق على الحكومة فيما يتعلق بنسبة مساهمتها في أسهم الصحف اليومية، حيث تبلغ ٦١% في صحيفة الرأي اليومية أوسع الصحف الأردنية توزيعًا وشهرة و ٣٢ % في صحيفة «الدستور»، الصحيفة الثانية في الأردن، ومما عزز هذا الشعور لدى المراقبين أن إصدار القانون الجديد جاء بعد يومين فقط من انتهاء المهلة التي منحها القانون السابق للحكومة لتوفيق أوضاعها من حيث نسبة المساهمة في الصحف للحكومة بحيث لا تزيد على ٣٠٪
وترى مصادر المعارضة أن هجمة الحكومة على الحريات الصحفية بدأت قبل إصدار القانون بنحو ثلاث سنوات وإن كانت وصلت ذروتها عام ۱۹۹۷م، حيث تعرض عشرات الصحفيين للمحاكمة خلال هذه الفترة، وربطت المعارضة بين تضييق الحكومة على الحريات الصحفية و معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية التي وضعت قيودًا في الجانب الإعلامي، فقد نصت المعاهدة في المادة رقم 11 على ما يلي: «الامتناع عن القيام ببث الدعايات المعادية القائمة على التعصب والتمييز، واتخاذ كافة الإجراءات القانونية والإدارية الممكنة التي من شأنها منع انتشار مثل هذه الدعايات من قبل أي تنظيم أو فرد موجود في المناطق التابعة لأي منها»
تحسن نسبي ومستقبل مجهول
ورغم التشاؤم الذي ساد الساحة الصحفية إزاء مستقبل الحريات الصحفية في الأردن، فقد جاء قرار محكمة العدل العليا الأردنية بإلغاء قانون المطبوعات الجديد واعتباره مخالفًا للدستور ليعيد الأمل بإمكانية الحفاظ على قدر معقول منالمكتسبات الصحفية.
وقد شكل هذا القرار القضائي الذي عادت بموجبه الصحف المغلقة للصدور ثانية ضربة قوية وصدمة غير متوقعة للحكومة التي وجدت نفسها في وضع حرج دفع وزير الإعلام للتفكير بالاستقالة من منصبه لولا معارضة رئيس الحكومة.
فيما رحبت المعارضة والأوساط الصحفية بقرار المحكمة واعتبرته انتصارًا للحريات الصحفية، وقال المراقب العام للإخوان المسلمين إن القرار شكل انتصارًا للوطن وتعزيزًا للنهج الديمقراطي، وقال: إنه أعطى مصداقية لدى الرأي العام أن ما كانت تشكو منه المعارضة كان صحيحًا، وأن أسباب الشكوى ومقاطعة الانتخابات كانت في محلها، وقال النائب السابق محمدعويضة: إن القرار وضع حدًا لتطاول الحكومات عويضة على الدستور وتماديها في إصدار القوانين المؤقتة،ورأي فهد الفانك أن قرار المحكمة شكل نكسة سياسية للحكومة التي دافعت عن القانون بحرارة. رغم هذا التفاؤل النسبي فإن هناك مخاوف حقيقية من أن تتقدم الحكومة للبرلمان بقانون جديد شبيه بالقانون الذي تم إلغاؤه، وهو ما يعني عودة التأزم مجددًا حيث ستكون الحريات الصحفية هي المستهدفة من وراء ذلك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل