العنوان تتيح صناعة أسلحة فتاكة أصغر من حجم النمل.. تكنولوجيا النانو ترسم مستقبل العالم
الكاتب أورخان محمد علي
تاريخ النشر السبت 27-سبتمبر-2008
مشاهدات 76
نشر في العدد 1821
نشر في الصفحة 16
السبت 27-سبتمبر-2008
- أمريكا خصصت ٦٠٠ مليون دولار لبحوث الـ «نانو» في عام ٢٠٠٣م.. واليابان تخصص ۵۰۰ مليون دولار سنويًا لهذه البحوث
- أبحاث مكثفة لصنع ملابس «عاقلة» للجنود تساعد على علاجهم عند الإصابة
- هذه التكنولوجيا.. تم وضع أسسها في سبعينيات القرن الماضي.. وبدأ طرح منتجاتها في سنة ٢٠٠٠م وما بعدها
- تقوم بوضع أنظمة وعمل أجهزة في مستوى جزء من المليون جزء من الملليمتر الواحد
- تحول المادة إلى سطح فقط دون عمق تقريبا أي إلى مستوى ذي بعدين.. وتعطل قوانين الفيزياء الكلاسيكية
- تعمل في مستوى الذرات والجزيئات استنادًا إلى النظرية الكمية في الفيزياء الحديثة.. وتظهر خواص خارقة لا يتوقعها أحد أو يتخيلها
- تضاعف قابلية التوصيل ومتانة مواد الأجهزة بعشرات ومئات المرات.. وتحسن خواصها الضوئية والكيميائية والإلكترونية والمغناطيسية.
يمكن استخدامها في..
- صنع أقمشة تقوم بإصلاح نفسها وذلك بوضع مادتين في القماش تتفاعلان عند حدوث ثقب أو رتق
- إنتاج «روبوت» متناهي الصغر يتم حقنه في جسم الإنسان ويقوم بإجراء العمليات الجراحية.
- مطلوب تشكيل هيئة علمية من العلماء العرب والمسلمين وتوفير المختبرات العلمية لبحوثهم وتمويل المشروع من دول الخليج الغنية..
تكاد الأوساط العلمية تُجمع على أن محرك التقدم العلمي سيكون مرتبطًا بنسبة كبيرة بالتقدم العلمي في مجالين، هما: الهندسة الجينية، وتكنولوجيا «النانو»، ولما كانت الهندسة الجينية مرتبطة بشكل مباشر مع تكنولوجيا «النانو» (أي الأشكال المتناهية الصغر)، فإنه يمكن القول: إن تكنولوجيا «النانو»، هي التي تملك مفتاح التقدم العلمي للمستقبل بمقياس كبير، وهذا التقدم التكنولوجي سيغير معالم الحياة الإنسانية في هذا العالم تغييرًا كبيرًا، وإلى درجة قد لا نستطيع الآن تصور جميع أبعادها.
أصل كلمة «نانو» يونانية، وتعني «القزم» أما في الفيزياء فتعني بعدًا صغيرًا جدًا يبلغ واحدًا من المليار من المتر، أي جزءًا من المليون جزء من الملليمتر، أو بتعبير آخر فإن تكنولوجيا النانو هي العلم الذي يتعامل مع أجزاء صغيرة لا ترى بالعين المجردة، وتبلغ جزءًا من الف جزء من شعرة رأس الإنسان، وهو علم يقوم بأخذ الذرات والجزيئات وترتيبها بشكل دقيق وحساس لإنتاج منتج معين.
فعندما كان الدكتور « إريك درسلر » Dr. Eric Drexler رئيس «معهد فورسایت» يدرس في معهد Foresight institute ماساشوستس للتكنولوجيا Massachustts institute فكر في أنه من الممكن تقليد النظم البيولوجية في الأحياء، وصنع أجهزة بحجم الجزيئات. وهكذا ظهرت تكنولوجيا «النانو» من الناحية النظرية في الولايات المتحدة الأمريكية. ثم جمع هذا الباحث مقترحاته الخيالية في كتاب تحت عنوان «محركات الخلق» Engines of Creation، وطبعه عام ١٩٨٦م، وكان الإقبال عليه كبيرًا .
ولكن سبقه في هذا المجال عالم ياباني من جامعة طوكيو عام ١٩٧٤م، هو «نوريو تانكوشي» Norio Taniguchi ، الذي يُعد أول من وضع مفهوم تكنولوجيا «النانو»، وهي تكنولوجيا أكثر تقدما بكثير من التكنولوجيا الحالية المستخدمة في مختلف أنواع الصناعات ومنتجاتها أكثر حساسية وأكثر متانة وقوة وأرخص وأصغر بكثير.
اكتشاف وتطوير
عندما اكتُشِف في بداية القرن العشرين أن أجزاء الذرة (كالإلكترونات مثلاً) تتصرف كموجة أحيانًا، وكمادة أحيانًا أخرى ظهر مفهوم «اللا تعيين» ، وظهرت الميكانيكية الكمية بعد ظهور «النظرية الكمية»، وبفضل هذه النظرية بدأ العلم يدرك طبيعة الذرات والجزيئات بشكل أفضل، ويدرك السبب في العديد من الخواص الكهربائية والمغناطيسية لأجزاء الذرات التي لم يكن في الإمكان تفسيرها بالنظريات الفيزيائية الكلاسيكية (فيزياء نيوتن).
وبفضل هذه النظرية ومعرفتنا بطبيعة الذرات والجزيئات بشكل أفضل تقدمت الصناعات الإلكترونية ولا سيما في الحاسبات الإلكترونية، وفي الصناعات البصرية المعتمدة على تكنولوجيا «الفوتونات»، كما تم استخدام هذه التكنولوجيا بنجاح في مجال الطب، وفي البحوث المتعلقة بجزيئات الحمض النووي (DNA).
وبدأ الباحثون بتكثيف جهودهم الصنع أجهزة أصغر فأصغر أجهزة تستهلك طاقة أقل وتملك سرعة أكبر وتحتاج إلى مواد أولية قليلة، أي بدأت الصناعة تقترب شيئًا فشيئًا من تكنولوجيا النانو، وكلما تقلصت الأبعاد وصغرت ظهرت مواصفات جديدة وخارقة للمادة.
وقد أُرسيت اسم تكنولوجيا «النانو» في السبعينيات من القرن الماضي، وبدأ طرح منتجاتها في السنوات القليلة الماضية (۲۰۰۰م وما بعدها)، وهي تعمل في مستوى الذرات والجزيئات استنادًا إلى النظرية الكمية في الفيزياء الحديثة.
في هذا المستوى تبدو الذرات وكأنها «عاقلة»، وتظهر خواص لم يكن يتوقعها أحد أو يتخيلها، وتقوم هذه التكنولوجيا بوضع أنظمة وعمل أجهزة في مستوى جزء من المليون جزء من الملليمتر الواحد.
ففي مثل هذا المستوى تتحول المادة إلى سطح فقط دون عمق تقريباً، أي إلى حالة مستوى ببعدين، وتظهر خواص خارقة ولا تعود قوانين الفيزياء الكلاسيكية سارية فمثلا تتضاعف قابلية التوصيل ومتانة مادة الجهاز بعشرات ومئات المرات، وتتحسن خواصها الضوئية والكيميائية والإلكترونية والمغناطيسية.
ميزات تكنولوجية
كانت الصناعة حتى الآن تقوم بالتعامل مع الأجزاء الكبيرة لصنع أشياء أصغر فمثلًا تقوم بقطع شجرة لصنع منضدة وكانت تترك وراءها كمية كبيرة من المخلفات التي تعد خسارة من ناحية وتلويثًا للبيئة من ناحية أخرى، بينما تقوم الصناعة التي تستخدم تكنولوجيا «النانو»، بتركيب ذرة مع ذرة وجزيء مع جزيء لصنع جهاز ما، مثلما تضع طابقًا فوق طابق عند بناء حائط أو بناية.. لذا فليس هناك أي ضياع في المادة ولا أي مخلفات تلوث البيئة، كما أن الأجهزة المصنوعة بهذه التكنولوجيا لا تحتاج إلى كمية كبيرة من الطاقة.
وفي هذه التكنولوجيا يمكن تركيب ذرة مع ذرة مختلفة للحصول على خواص جديدة لم تكن موجودة سابقًا، فمثلا أصبح في الإمكان الآن صنع قماش يقوم بتصليح نفسه عندما يحدث فيه ثقب أو شق، وذلك بوضع مادتين في القماش لهما قابلية إظهار ردود فعل سريعة وتفاعل عند حدوث الشق أو الثقب!
وتقوم الولايات المتحدة الأمريكية ببحوث مكثفة لصنع ملابس « عاقلة » للجنود، حيث تقوم هذه الملابس عند إصابة الجندي بجرح بتعيين مكان الجرح ومدى خطورته، وإرسال رسالة إلى المركز مع المعلومات الضرورية مثل: نبض الجندي، ودرجة حرارة جسمه وقياس ضغطه، ثم تقوم بإعطاء الدواء اللازم في جسم الجندي، وكذلك بتسليط ضغط على مكان الجرح لوقف النزيف، وإذا توقف نبض القلب تقوم بتدليك منطقة القلب لإعادة النبض.. ومع خفة وزن هذه الملابس إلا إنها ستكون بمثابة درع قوي ضد الرصاص.
بدأت هذه التكنولوجيا حاليًا بصنع أنابيب شعرية دقيقة جدًا، إلى درجة أنها تستطيع الحلول محل الشعيرات الدموية الدقيقة المتضررة للدماغ.. فقد ظهر أن الكربون وبعض المعادن الأخرى عندما تسخن إلى ۱۲۰۰ درجة مئوية تنفصل ذرات جزيء الكربون، وبعد التبريد تتكاثف هذه الذرات وتأخذ شكل أنابيب دقيقة جدًا، ولكنها تكون أقوى مائة مرة من الفولاذ وأخف منه بست مرات، لذا فهي تكون صالحة جدًا لبناء الجسور والطائرات.
صناعات متطورة
وتشترك ساحات علمية وتكنولوجية عديدة في بحوث «النانو» منها الساحة الإلكترونية وتكنولوجيا المكائن، ومنها الفيزياء الذرية التي تبحث في صفات الذرات وصفات الأجزاء دون الذرية وخصائصها وبنيتها، ومنها علم الكيمياء لتوجيه التفاعلات الكيميائية واستخدام الإنزيمات لتسريع التفاعلات الكيميائية، ودراسة بنية الأجسام البلورية وما يحدث خلال عملية التبلور من أخطاء.
وتجري حاليًا بحوث لصنع أجهزة إنسان آلي (روبوت) صغيرة جدًا يمكن إدخالها في جسم الإنسان بحيث تكون أصغر من مسامات الجلد، وتصل إلى دمه أو إلى أي جزء في جسمه، بحيث ترسل هذه الروبوتات إلى القسم المريض في الجسم أو إلى الخلايا السرطانية للقضاء عليها بما تحمله من علاج، لذا فلا تبقى هناك حاجة للعمليات الجراحية بالمشرط.
وشيء آخر يُؤمل صنعه، وهو أن هذه الروبوتات الصغيرة تقوم بصنع روبوتات مثلها حسب برنامج معين وبأعداد كبيرة جدا.. كما يمكن صنع ملابس خفيفة وعازلة للحرارة ولا تحترق الرجال المطافئ.. ويمكن بهذه التكنولوجيا صنع اقراص مضغوطة (CD) لها قابلية استيعاب ضخمة جدًا.
أما أجهزة الحاسب الإلكتروني ( الكمبيوتر) المصنوعة بهذه التكنولوجيا فستكون بحجم صغير جدًا؛ لا يتعدى السنتيمتر المكعب، ولكن سعتها وقوتها تكون بقدر مجموع جميع الحاسبات الإلكترونية الموجودة حاليًا.
طائرة عاقلة بدون طيار
وقد كلفت وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) العالم التركي البروفيسور «إلهان اقصاي» الخبير في تكنولوجيا «النانو» المقيم في الولايات المتحدة بمشروع طموح سيستغرق سنوات عديدة، وهو مشروع صنع طائرة عاقلة، تطير دون طيار، وتستطيع إن سقطت على الأرض القيام آليًا بتصليح نفسها والطيران مرة أخرى.
وقد تحدث هذا العالم التركي في مقابلة صحفية عن السر وراء تقدم الولايات المتحدة الأمريكية في هذه التكنولوجيا، فقال: «إن القطاع الخاص عادة ما يقوم بتمويل أبحاث المشاريع تؤتي ثمارها بعد خمس سنوات على الأكثر، ولا تصبر أكثر من هذا، بينما تحتاج مشاريع تكنولوجيا (النانو) إلى سنوات أكثر تتراوح بين ٢٠ و٢٠ سنة، لذا تقوم الحكومة المركزية للولايات المتحدة الأمريكية بتولي هذه المهمة، وتمويل هذه المشاريع ذات المدى البعيد، لأنها تبحث عن جواب لسؤال: كيف أستطيع أن أكون أكثر قوة بعد عشرين عامًا؟».
ثم يعود هذا العالم فيذكر وجود تلاؤم وتناغم بين جهات ثلاث في الولايات المتحدة الأمريكية في مجال البحوث العلمية والتكنولوجية وتطوير وسائل الدفاع، وهي: القطاع الخاص، والجامعات، والحكومة... وقد خصصت الحكومة الأمريكية في عام ٢٠٠٢م لأبحاث «النانو» ٦٠٠ مليون دولار، وخصصت حكومة اليابان في السنوات السابقة ٥٠٠ مليون دولار سنويا لهذه البحوث، وتزداد هذه المبالغ من سنة لأخرى.
مستقبل الأمم
ويعني هذا أن هناك سباقًا بين الأمم المتقدمة في هذا الموضوع الحيوي، الذي سيقرر ترتيب الأمم في سلم التقدم لعقود عديدة، وسيحدد مستقبلها وثقلها في الساحة الصناعية والاقتصادية والسياسية وسيغير نمط حياتنا الاجتماعية من وجوه عديدة، لأن هذه التكنولوجيا ثورة علمية وتكنولوجية كبيرة تفتح آفاقًا رحبة أمام من يملك مفاتيحها، وهي ثورة صناعية جديدة، بما يتبعها من نتائج إيجابية إن تم استخدامها في المجال الإنساني، وقد تكون مصدر شرور إن استخدمت في ساحة الحرب والدمار.
وقد أشار لهذا «بيل كلينتون» رئيس الولايات المتحدة السابق عندما قال: «إن تكنولوجيا النانو هي التي ستحدد في السنوات المقبلة أهم الفروق بين الدول المتقدمة والدول النامية».
فالصناعات التي تستخدم الطرق والأساليب الكلاسيكية الحالية سيتم القضاء عليها من قبل الصناعة التي تستخدم تكنولوجيا «النانو»، لأنها ستكون أفضل منها، وأرخص وأقل استهلاكًا للطاقة وللمواد، وأكثر نظافة لأنها لا تلوث البيئة وأكثر متانة وقوة منها بمئات المرات.
مثلاً ستكون أجهزة الحاسب الإلكتروني (الكمبيوتر) آنذاك أقوى بمئات الآلاف من المرات من أقوى الأجهزة المستخدمة حاليًا، وأصغر وأكثر سرعة منها بكثير، بحيث يمكن وضعها في جيب السترة، لأن حجمها سيكون بحجم سنتيمتر مكعب واحد أي إن الصناعات التي تستخدم تكنولوجيا النانو ستمحو من الأسواق جميع الصناعات المنتجة بالتكنولوجيا الحالية، وستقضي عليها قضاءً مبرمًا كما ستحدث ثورة كبيرة في مجال الأسلحة والتسلح، مما سيقوي أيدي الدول التي تملك هذه التكنولوجيا (وعددها قليل جدًا حاليًا)، بينما لا تملك الدول الأخرى سوى الرضوخ السياسي والاقتصادي والصناعي لها، لأن من الممكن صناعة أسلحة فتاكة بحجم النمل، وربما أصغر تقوم بمهاجمة مواقع الأعداء بأعداد كبيرة وتدميرها.
ناقوس خطر للعرب والمسلمين
ونحن هنا ندق ناقوس الخطر، فإن لم تبدأ الدول العربية والإسلامية وبسرعة، جمع كفاءاتها الموجودة في الدول الغربية (وعددهم كبير) في هذا المجال، واستخدامهم وتيسير سبل البحث أمامهم، وتمويل هذه البحوث بملايين الدولارات، فإن هناك مستقبلاً أكثر ظلامًا من الوضع الحالي، وأخطر بكثير؛ إذ قد تصل إلى مرحلة العبودية الكاملة للغير لأنها ستضطر اضطرارًا للركوع أمام هذه الدول التي تستخدم هذه التكنولوجيا ومنها «إسرائيل» التي بدأت الأبحاث في هذا المجال.
وقد بدأت تركيا هذه الأبحاث، وفيها كفاءات جيدة في هذا المجال الجديد من التكنولوجيا، ولكن الحكومة التركية لا تملك القدرة المالية التي تستطيع بها تخصيص التمويل الكافي لهذه الأبحاث. وإن باكستان أيضًا مؤهلة في هذا المجال، لأنها تملك علماء كبارًا في العلوم الذرية والنووية.
وتملك مصر أيضًا مثل هذه الكفاءات. لذا فالحل يكمن في تشكيل هيئة علمية من العلماء العرب والمسلمين، وتوفير المختبرات العلمية لبحوثهم في هذا المجال وتمويل المشروع من قبل دول الخليج الغنية. ومنظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية هما الجهتان المؤهلتان لتنفيذ هذا المشروع الحيوي، وستكونان مسؤولتين أمام الله وأمام الشعوب الإسلامية وأمام التاريخ إن أهملتا هذا الموضوع.
ألا هل بلغت؟ اللهمَّ فاشهد!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل