; الافتتاحية- موضوع «تقصي الحقائق» يوجب علينا إعادة النظر في أمور كثيرة | مجلة المجتمع

العنوان الافتتاحية- موضوع «تقصي الحقائق» يوجب علينا إعادة النظر في أمور كثيرة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 23-يوليو-1996

مشاهدات 51

نشر في العدد 1209

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 23-يوليو-1996

الشائع في المحافل السياسية المحلية أن الحكومة كسبت الجولة في نزاعها مع نواب مجلس الأمة حول موضوع تقصي الحقائق حول الغزو العراقي، فبعد: سنوات من التباطؤ في إنجاز تقرير التقصي انتهت المداولات البرلمانية إلى تقديم توصيات عامة غير ملزمة للحكومة.

وما يهمنا هنا ليس استعادة السلبيات ومظاهر التقصير الخاصة بحادث الغزو والتي تناولها التقرير، بل يهمنا ما لمناقشة هذا الموضوع المهم من دور في تعزيز الأمن الخارجي الكويتي، والمواطن الكويتي لا يسأل الآن عما حدث في أغسطس عام 1990 م، بقدر ما يهمه معرفة إذا كانت دروس ذلك الحدث قد جرى استيعابها. والراجح أن هذه الدروس لم تستوعبها الحكومة -على الأقل- بدليل أن ردها على تقرير التقصي يزعم أنه لم تكن هناك أية أخطاء في أزمة الاحتلال وكيف يستفيد من تجاربه من يقول إنه لم يقع في الخطأ؟. 

إن المواطن له حق في أن يستمر في القلق على الأمن الخارجي للبلاد طالما الانتقادات مستمرة حول أسلوب إعادة بناء القوات المسلحة، وطالما كانت هناك شبهات جدية في الطريقة التي تعقد فيها الصفقات التسليحية بدليل وجود تقرير برلماني عن 30 مخالفة -على الأقل- في عقود تصل قيمتها إلى مئات الملايين من الدنانير هناك شكوك مشروعة حول عملية إعادة بناء القوات المسلحة والتي لم تمس جوهر هذه القوات، بل تركزت على عمليتي إعادة بناء المنشآت العسكرية، وإعادة تسليح الجيش بتعاقدات تصل إلى ١٢ بليون دولار للحصول على معدات ثقيلة ومتطورة وفي ظل شبهات مالية كبيرة. أما العنصر البشري والإطار الإداري لهذه القوات فلا تختلف أوضاعهما عن مرحلة ما قبل الغزو بدليل استمرار العمل بنظام الخدمة الإلزامية الفاشل وغير المفيد للقوات المسلحة، وبدليل وجود غالبية من الأفراد والجنود غير الكويتيين، وأيضا بدليل مقاومة بعض القيادات العسكرية للإصلاحات الإدارية التي خطط لها في المدة التي أعقبت التحرير.

إن قبول الحكومة لاستمرار هذه الأوضاع يكشف ربما عن استمرار الاعتماد المطلق على تواجد القوات الغربية في المنطقة كرادع وحيد للتهديدات التي تمس الأمن الكويتي، وهنا تكون الحكومة كررت أحد أخطائها لأزمة الغزو حين استندت إلى عناصر خارجية غربية في منع العدوان العراقي، وهمشت دور القدرة الذاتية كأحد عناصر الردع لهذا العدوان. 

وإنه من الخطأ الفادح أن يتعامل أي طرف سياسي كويتي مع موضوع تقرير التقصي على أنه ورقة للصراع السياسي المحلي، فلا المزايدة في انتقاد الحكومة على ما حدث مقبولة في حد ذاتها، ولا زعم الحكومة أنها لم تخطئ ولم تقع رموزها في سوء التقدير مقبول أيضا، فلقد وقعت كارثة دفعنا ثمنها غاليا من دمائنا وأعراضنا وأموالنا، وإذا لم نستفد مما حدث فإننا نكون في طور التمهيد للوقوع في كارثة أخرى -لا سمح الله-. 

لقد صرحت الحكومة في أكثر من مناسبة أنها مسؤولة عن الغزو دون أن تحدد توابع ومستلزمات هذه المسؤولية، وإذا كنا هنا لا نسعى لاستهداف رموز في حكومة ما قبل أغسطس ۱۹۹۰م، فإننا نعتقد أن هذه الحكومة عليها الآن أن تكون أكثر قبولا للنقد الشعبي والبرلماني الهادف وأسرع استجابة للمطالب الجادة لإصلاح أوضاع القوات المسلحة، وأقل رغبة في الاستفراد بالرأي ومقاومة الرأي الآخر. على أن أمن الكويت وقدرتها على الصمود أمام التهديدات لا يتوقفان على توافر القوات والأسلحة الحديثة، فقوة أية دولة هي من قوة شعبها وحصانتها الداخلية اجتماعيا وأمنيا وإنسانيا. ولدينا الآن في الكويت عناصر تنخر في الجبهة الداخلية، من أخطرها هذه النزعة القبيحة نحو تمييع الشباب ودفعهم لاعتناق الأسلوب الغربي والأمريكي في التصرف والملبس والعلاقات الأسرية، وأكثر الجهات تورطا في هذه النزعة هي وسائل الإعلام الرسمية، ولا سيما تليفزيون الكويت.

وهل الشباب المائع المتسكع في الشوارع، والغريب عن دينه وأخلاق أجداده قادر على حمل السلاح وحماية الأرض والعرض من غدر المعتدين؟ ولدينا مشكلة المقيمين غير محددي الجنسية «البدون» التي لم تحقق الدولة حلا لمشاكلهم المعيشية والأمنية، ولدينا أكثر من مليون وافد من ١٥٠ جنسية مختلفة، وبعضهم أتى من ثقافات ومجتمعات غريبة على دين وعادات هذا البلد ولدينا كذلك المعضلة الاقتصادية بشكل عام الناتجة عن عدم صياغة الاقتصاد المحلي خلال الثلاثين سنة الماضية وجعل الكويتيين عالة على الوظيفة الحكومية في الوقت الذي تراجعت فيه مدخولات الدولة، وأصبح من الصعوبة استيعاب عشرات الآلاف من خريجي الجامعة والمعاهد للسنوات القليلة المقبلة. 

وهذه المشكلة ما لم تحل بشكل حكيم وناجح فسينتج عنها في المستقبل بطالة بين المواطنين ومشاكل اجتماعية وسياسية وأمنية خطيرة.

إن هذه الحقائق تحتاج في النهاية إلى أن تمتلك الحكومة الشجاعة للاعتراف بالخطأ، وتملك الشجاعة أيضا لاتخاذ القرار الصعب بإصلاح هذا الخطأ وليس الهدف لدى المخلصين من نواب مجلس الأمة ومن أبناء الشعب استهداف رموز في السلطة أو السعي لانتزاع مناصب أو تغيير قيادات، بل الهدف هو الإصلاح الشامل للأوضاع، وحماية البلاد الصعبة والمواطنين من الأخطار المحدقة والظروف الصعبة التي تعيشها منطقتنا في هذه المرحلة.

الرابط المختصر :