; موقع وسط بين الغلو والتقصير | مجلة المجتمع

العنوان موقع وسط بين الغلو والتقصير

الكاتب ا. د. عماد الدين خليل

تاريخ النشر السبت 09-مارس-2013

مشاهدات 74

نشر في العدد 2043

نشر في الصفحة 66

السبت 09-مارس-2013

فئتان من المسلمين كان الرسول ﷺ المعلم يبذل جهده الموصول معهما لإعادتهما إلى الجادة، ووضعهما في الاتجاه الصحيح.. في موقع وسط بين الغلو والتقصير.. بين الإفراط والتفريط.. بين التشدد والتسيب، لكي تكونا أقرب إلى روح هذا الدين، وحنفيته، وسماحته، وصرامته وانضباطه في الوقت نفسه.

الموقع الوسط الذي لا يميل فيه المسلم، ولا يجور على نفسه وعلى الآخرين، والذي لا يحمل نفسه أكثر مما تطيق، ولا يطلق لها العنان -من جهة أخرى-فتنفلت وتتسيب.

إنه ﷺ كان يخشى اندفاع بعض أصحابه باتجاه القطب البعيد طلبًا للأجر، أو تحسبًا من الوقوع في الخطأ والتقصير.

وكان يحذر -في الوقت نفسه- بعضهم الآخر، ممن يشدهم الإلف والاعتياد بعمقه الزمني، وثقله الاجتماعي والنفسي، إلى التفلت والتساهل الذي يتجاوز حدوده المعقولة.. ولذا نجده ﷺ يصدر سلسلة من التعاليم والتوجيهات، ويمارس جملة من المواقف للعودة بأولئك وهؤلاء إلى نقطة التوازن المطلوب، وإغرائهم بها والزامهم بمطالبها.

إنه ﷺ -مثلًا- يقول: «لا تزال أمتي على خير ما عجلوا الفطور وأخروا السحور»، من أجل دفع أتباعه إلى التزام اليسر في التعامل مع ظاهرة الصيام، وعدم الاندفاع باتجاه تأخير الإفطار وتعجيل السحور لمد مساحة الامتناع والحرمان إلى ما وراء حدودها المعقولة طلبًا للأجر!! ولطالما أكد على أصحابه أنه ﷺ يصوم ويفطر ويأتي زوجاته، ولا يكلف نفسه ما لا تطيق، من أجل أن يكفهم عن مواصلة الصيام، وما يتطلبه من جهد وحرمان قد لا يكونان مبررين، ويذكرهم بالآية الكريمة: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ (البقرة: 185).

ومثل ذلك مجموعة من الأحاديث والتوجيهات والمواقف التي كان يستهدف منها رد أصحابه إلى الجادة، ومنعهم من الغلو الذي يثقل على النفس والجسد، ولا يتوافق مع روح هذا الدين، وتيسيره، وحنفيته السمحاء.

ولطالما نادى أصحابه، وكل الذين سيجينون من بعدهم جيلًا بعد جيل: «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق!».

ولكنه ﷺ -في مقابل هذا- لم يكن يتساهل مع فئة أخرى من المسلمين كانت تميل إلى التساهل بأكثر مما يجب، على حساب الثوابت العقدية والتشريعية والسلوكية.. واعتمد جنبًا إلى جنب مع القرآن الكريم، أقصى درجات التحذير من الذهاب بعيدًا في هذا الاتجاه.

والشواهد كثيرة لا يحتملها مقال كهذا، وهي معروفة للجميع.. ولذا سأقف عند واحدة منها فحسب: نظام الصلاة في المسجد.. الوقوف صفوفًا منتظمة خلف الإمام دونما أي ميل أو انحراف.. وممارسة الركوع والسجود وراءه بتوقيت محسوب لا يسمح لأي مصل على الإطلاق أن يربكه أو يخرج عليه.

إن كثيرًا من الذين انتموا إلى هذا الدين، وبخاصة في أخريات عصر الرسالة، جاؤوا يحملون معهم تقاليد البداوة وعاداتها التي ترفض الانضباط والنظام وتعشق الفوضى والتسيب، وكان لابد من بذل جهد مضاعف معها، وبخاصة في مسألة تعبدية كالصلاة التي هي عمود الدين من أجل تعليمها، بل إرغامها على«النظام».. واعتمدت أقصى درجات التنديد بمن يشذ عن ذلك، «إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج»، كان رسول اللهﷺ يقول لهم: «واستووا صفوفًا، ولا تذروا فرجات للشيطان».. بل إنه ﷺ مضى إلى أبعد من ذلك، فندد بالذين يسبقون الإمام في ركوعه وسجوده، وحذرهم من أن يمسخوا حميرًا يوم الحساب !

ونحن نستطيع أن ندرك الحكمة من موقف متشدد كهذا، بمجرد أن نتذكر أننا أمام معادلة صعبة.. حالة من التسيب واللاانضباط، وكراهية النظام، عمرها مئات السنين، كان على الرسول ﷺ أن يردها إلى الجادة في سنوات معدودات.. شأنها شأن عادة شرب الخمر وتأصلها في الحياة العربية الجاهلية لمئات السنين.

ولقد نجح هذا الدين، وآياته البينات، ومعلمه الكبير في الاختبارين معًا.. وتلك هي إحدى معجزات الإسلام.. بحيث إن الكثير من الغربيين «المتحضرين» الذين انتموا إلى هذا الدين، كانت رؤيتهم للصلاة الإسلامية المدهشة في نظامها، عاملًا من أهم العوامل التي ساقتهم لهذا الانتماء.


الرابط المختصر :