العنوان موقف التيارات السياسية في الكويت في الاستجواب
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أبريل-1986
مشاهدات 62
نشر في العدد 765
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 29-أبريل-1986
الاستجواب كما هو معروف إحدى الأدوات البرلمانية التي يلجأ إليها النواب
ضمن ممارستهم لدورهم الرقابي على الحكومة، ويلجأ المجلس إلى الاستجواب في الحالات
التي يتضح أن أحد الوزراء قد خالف القوانين أو مارس تجاوزات خطيرة يرى أعضاء مجلس
الأمة أنها لم تعد تؤهله للبقاء في المنصب.
وقد مارس المجلس الحالي الاستجواب في أول سابقة في تاريخ الديمقراطية في
الكويت، ونجح من خلال الاستجواب في إرغام وزير العدل السابق على الاستقالة بعد
مناقشات ساخنة شارك فيها معظم النواب، وتابعها الكويتيون بشغف وحماس.
وقد كان اندفاع المجلس نحو الاستجواب له أسبابه ودوافعه، أولها أن أعضاء
المجلس كانوا حديثي العهد بالمعركة الانتخابية ولا تزال في أسماعهم صدى الانتقادات
الحادة التي وجهها الناخبون للحكومة وللمجلس السابق، ونتجت عن انتخابات فبراير
1985 فورة حماسية فرغها النواب في أول التحديات التي واجهتهم داخل المجلس، ولذلك
اضطرت الحكومة للتراجع للوراء خطوة وتركت وزيرها يسقط. كما تدخلت عوامل أخرى
لتساعد على نجاح ذلك الاستجواب.
فقد وقفت التيارات السياسية موقفًا موحدًا منه مما كان له أبلغ الأثر في
توحيد جهود المجلس والتنسيق بين النواب، كذلك تسبب النزاع الخفي بين بعض الفعاليات
السياسية في البلد في تشجيع المجلس ودفعه لإسقاط الوزير.
وبعد نجاح ذلك الاستجواب سرت شائعات حول توجه بعض النواب لتكرار المحاولة
ضد وزير النفط، وتحمست لهذا المشروع بعض الكتل السياسية التي سعت منذ البداية
لتفشيل مهمة رئيس مجلس الوزراء وأعلنت منذ اللحظة الأولى أنها لن تتعاون مع
الوزارة الحالية. ولكن هذا الاستجواب لم يتم حتى الآن؛ ربما لأن تلك الظروف التي
خانت وزير العدل السابق وأدت إلى خسارته لمنصبه لم تتكرر ثانية مع وزير النفط. وقد
عزز موقف الوزير الأخير أن تقرير النيابة حول صفقة «سانتافي» المشهورة -وهي موضوع
الاستجواب المزمع- جاء تفسيره لصالح الوزير، حيث ذكر تحقيق النيابة أن موقف الوزير
من الصفقة سليم ولا غبار عليه.
ورغم أن الأسئلة انهالت على وزير النفط لكي تبرز بعض تجاوزاته، إلا أن
إثارة معركة وزير النفط تأجلت لبروز مجموعة من الأزمات المؤثرة بين المجلس
والحكومة، وكذلك لوجود خلاف بين التيارات داخل المجلس حول أولوية الاستجواب،
فالإسلاميون على سبيل المثال يرون أن وزير التربية د. حسن الإبراهيم هو نقطة الضعف
الأساسية في الوزارة، وأن إدارته تشكل خطرًا على المسيرة التربوية عوضًا على كثرة
أخطائه وتجاوزاته واستهتاره بتوصيات المجلس، ولمدة سنة على الأقل من تسلم الدكتور
الإبراهيم لمنصبه كان التجمع الديمقراطي كتيار آخر موجود في المجلس يتبنى توجهات
وزير التربية ويدافع عنه ويسانده.
ولكن وجهة نظر الإسلاميين في هذا الوزير بدأت تلقى قبولًا في أوساط
التيارات السياسية الأخرى في المجلس، وعندما أصاب الوزير النواب بالإحباط المتكرر
بقراراته المفاجئة وبتجاهله الغريب لتوصياتهم، بدأت الأصوات تتعالى ضده في المجلس
وأخذ كثير من النواب يطالبون باستقالته وبخاصة عندما نوقشت مسألة نسب القبول، وقد
تسببت التعيينات الشللية للوزير داخل كليات الجامعة في وقوف أحد أكبر التجمعات
القبلية في المجلس موقف العداء من الوزير.
ثم جاء التجمع الديمقراطي الذي وقف حتى أسابيع قليلة إلى جانب الوزير ليبدي
في الآونة الأخيرة تخليه عن وزير التربية وعن رفضه لسياساته، كما جاء واضحًا من
المقالات التي نشرتها مجلة الطليعة وبعض الصحف المحلية المتعاطفة مع هذا التيار.
وفي الوقت الذي تعالى فيه الهمس داخل المجلس حول استجواب وزير التربية وكاد
يكون جهرًا، فاجأ السيد سامي المنيس عضو المجلس ضمن التكتل الديمقراطي المراقبين
بإعلانه بأن تجمعه يسعى لاستجواب وزيري المالية والنفط باعتبارهما المسؤول الحالي
والمسؤول السابق عن وزارة المالية وسياساتها الخاطئة.
وقد منحت مجلة الطليعة جلسة يوم الثلاثاء الماضي عددًا غير قليل من صفحاتها
-وهي الجلسة التي خصصت لمناقشة سياسات وزارة المالية- واهتمت الطليعة بإبراز فكرة
الاستجواب على الغلاف.
ولامت الطليعة في افتتاحيتها المجلس على عدم إعطاء موضوع وزير المالية قدره
وعدم تطوير النقاش إلى نهاية أكثر دراماتيكية، كما صرحت في نهاية المقال بأن
«أبواب المساءلة الدستورية قد تفتحت على مصراعيها أمام المجلس للوزيرين». وقد كتب
السيد عبد الله النيباري في نفس العدد مقالًا مطولًا حول نفس الفكرة طالب فيه
المجلس بالاندفاع نحو الأمام نحو محاسبة الوزير، منذرًا بأن المجلس إن لم يفعل ذلك
يكون «متهاونًا في أداء واجبه الدستوري» وشريكًا مع الحكومة في التغاضي عن إهدار
أموال الدولة والتلاعب والفساد. وجاءت تغطية المجلة لجلسة المجلس المذكورة لتعزز
نفس التوجه الحار.
ورغم وجاهة الأسباب التي دفعت السيد المنيس وتجمعه إلى المطالبة بمحاسبة
وزيري المالية والنفط، ورغم أن سياسات الوزير الأول وبخاصة المعلن منها بإهدار
المال العام مرفوضة لدى معظم السادة أعضاء المجلس، إلا أن دفع هذا الموضوع إلى
السطح حاليًا والمطالبة بتفجيره لا يمكن تفسيره إلا أنه عرقلة لمشروع استجواب وزير
التربية، فليس من المعقول أن ينشط المجلس لاستجواب 3 وزراء دفعة واحدة ولا أن يطيب
للحكومة الحساسة جدًا ابتلاع لقمة ثقيلة كهذه في ظروف التوتر الحالي بينها وبين
المجلس!
إن الثمار المتأتية من محاسبة وزير التربية بل والمطالبة بتنحيه هي أكبر
وأهم من المغامرة باستجواب مضخم لوزيرين، كما أن القضية التربوية تحظى لدينا
باهتمام لا يقل عن القضايا المالية والنفطية، ولكن تصحيح المسيرة التربوية
وإنقاذها مما يدبر لها يعطي لموضوع وزير التربية الأولوية، عوضًا على اتفاق معظم
النواب على سوء إدارة الدكتور الإبراهيم لوزارته وعدم لياقته لهذا المنصب، مما
يعطي لاستجواب وزير التربية -إن تم- أهمية أكبر وفرصة أقوى للنجاح، ولا شك أننا
بحاجة إلى تفسير أكثر وضوحًا للموقف الأخير لمجموعة التجمع الديمقراطي.
ونود أن نقرر في النهاية أن التيار الإسلامي في المجلس وخارجه يرحب بأي
تعاون من أجل المحافظة على مصالح المواطنين مع أي تيار كان، كما نرحب بأي محاسبة
من شأنها المحافظة على المال العام ووقف إهداره. ولكن الذي نعارضه وننتقده هو وضع
العصا في العجلة، خاصة وأن عجلة المجلس متجهة نحو محاسبة وزير التربية.