; موقف الحكومة التونسية من المعارضة والمعارضة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان موقف الحكومة التونسية من المعارضة والمعارضة الإسلامية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 24-فبراير-1981

مشاهدات 64

نشر في العدد 517

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 24-فبراير-1981

موقف الحكومة التونسية من المعارضة والمعارضة الإسلامية

  • سيطرة الحزب الواحد على جميع السلطات أدى إلى سلسلة من الصراعات والتمزقات داخل الحزب نفسه.

  • لماذا كانت الحملة على الاتجاه الديني وحركاته شديدة الوطأة؟

  • الحركة الإسلامية في تونس هي إحدى أكبر حركات المعارضة التي يعبر الشعب من خلاله عن رفض التبعية والوصاية والظلم.

  • ظاهرة البعث الإسلامي في تونس تفسر من قبل بعض المسؤولين بشكل مثير للضحك.

  • الوسائل التي يحارب الاتجاه الإسلامي من خلالها في تونس لا تختلف عن الوسائل المشابهة في الدول الأخرى.

المتتبع لتاريخ المعارضة التونسية ضد هيمنة الحزب الحاكم منذ الاستقلال، بصرف النظر عن الفترة التي سبقت الاستقلال، وهي نفسها لم تخل من معارضات للحزب من طرف الحزب الدستوري «القديم»، أو من طرق الحزب الشيوعي أو من طرف النقابات، يمكن لذلك المتتبع أن ينتهي إلى النتائج التالية:

‏إن في الحزب منذ نشأته نزوعًا عارمًا إلى التفرد بالسلطة، فقد نزع إلى احتكار المعارضة وتصفية خصومه عن طريق الإرهاب الإعلامي أو عن طريق العنف.. وكان من الطبيعي أن يتحول هذا النزوع إلى التفرد بالمعارضة قبل الاستقلال إلى النزوع إلى التفرد بالسلطة، فسيطر على وسائل الإعلام، وصادر الصحف المعارضة واحتواها، وقضى بذلك على تجربة صحفية تونسية مزدهرة برزت في عهد الاستعمار... كما وضع يده على النقابات المهنية والطلابية، وصفى الجمعيات الدينية والأحزاب السياسية.

‏وكان من الطبيعي أن يؤدي هذا النزوع إلى السيطرة على كل شيء إلى سلسلة من التمزقات والصراعات داخل الحزب وخارجه، كانت خسارة الحزب والشعب من ‏جرائها بالغة الجسامة..

‏ولقد ظل التونسيون رافضين -أبدًا- لنزوع السيطرة هذا والتفرد مصرين على حقهم في تقرير مصيرهم، ولقد عبروا عن هذا الرفض:

أ‏- داخل الحزب: فلقد عرف الحزب قبل الاستقلال وبعده سلسلة من الانقسامات والصراعات، اتخذت أحيانًا شكل الصراع الدموي، كالذي حدث في بداية الاستقلال بين ما سمي بالأمانة العامة - جماعة بن يوسف - الأمين العام للحزب – وبين ‏الديوان السياسي، بالرغم من أن الجناح اليوسفي في الحزب قد خسر المعركة، فقد ظلت اليوسفية حية - حتى بعد اغتيال بن يوسف.. وقد عبرت عن نفسها من خلال المساهمة في المحاولة الانقلابية سنة ‎١٩٦٢،‏ ‏ثم في مجموعة من الأحزاب المعارضة التي تتبنى العمل المسلح. وكانت عملية قفصة إحدى عملياتها.

‏وظهرت التمزقات داخل الحزب من جديد إثر فشل تجربة التعاقد، فحمل مسؤوليتها ‏وزير الاقتصاد أحمد بن صالح، فطرد من الحزب وحوكم، غير أنه تمكن من الفرار وتكوين حركة سياسية معارضة «الوحدة الشعبية»، وتجددت الانقسامات في السبعينيات، فأطاحت بمجموعة من زعامات الحزب كون بعضها حركة الديمقراطيين الاشتراكيين.. ولا تزال الانقسامات والتمزق داخل الحزب مستمر.

ب- خارج الحزب: معلوم أن الحركة الوطنية في تونس سابقة عن الحزب، فلقد قاد الحزب «القديم»‏ الحركة الوطنية ردحًا من الزمن انتشرت فيه الشعب في أغلب أرجاء البلاد.

‏أما النقابات فلقد كان لها استقلالها وبرامجها في تحرير البلاد من الاستعمار، خاصة مع الزعيم فرحات حشاد، هذه المنظمة التي ظلت أبدًا نزاعة إلى الاستقلال عن الحزب، وظل الحزب دومًا نزاعًا إلى احتوائها عن طريق «أحمد بن صالح» أو قمعها «في عهد الحبيب عاشور في العهد الأخير».

‏أما على المستوى السياسي فمن الأحزاب التي حلها الحزب الحاكم، الحزب ما يواصل عمله سرًا، وأسهم في أواخر الستينيات والسبعينيات في سلسلة من الانتفاضات الطلابية، وفي إذكاء روح الرفض والتصدي لدى الشعب.

‏أما على المستوى الديني فلقد كانت حملة الحزب ضد رموز الدين ومؤسساته وحركاته شديدة الوطأة.

‏لقد كانت المؤسسة الزيتونية قلعة الحضارة الإسلامية بتونس ومناط اعتزازها ‏أولى ضحايا الاستقلال، بالرغم من الدور النشيط الذي قامت به هذه المؤسسة ورجالها في المحافظة على شخصية البلاد وطرد المستعمر.. لقد كانت تصفية هذه المؤسسة –التي كانت فروعها في جميع أنحاء البلاد، تقدم التعليم للجميع بتكاليف زهيدة جدًا، وكانت تمثل بحق جامعة شعبية- خطوة ضرورية في طريق تغريب البلاد واقتلاعها من جذورها الحضارية. ولقد حز ذلك كثيرًا في نفس الشعب ومثقفيه خاصة وأن خريجي هذه المؤسسة الشعبية كانوا يشكلون في بداية الاستقلال أوسع وأهم قطاع للعاملين في مجالات القضاء والتعليم والإدارة والأمن والصحافة.. فكان من الطبيعي أن يكونوا مادة سهلة الاحتراق في كل الانتفاضات التي وقعت، «اليوسفية»‏ محاولة ‎انقلاب ٦٢‏ أحداث قفصة. وفي انتفاضة القيروان في بداية الستينيات مع الشيخ عبد الرحمن خليف، ومع حركة جمعية صوت الطالب الزيتوني. وهي الحركة الطلابية الوحيدة في البلاد التي كان لها دور مشرف في الثورة ضد المستعمر. كما تولى الحزب تصفية جمعية الشبان المسلمين ومؤسساتها الإعلامية والتربوية تحت إشراف الشيخ محمد الصالح النيفر.. وظل نزوع الشعب في تونس إلى المشرق والتعلق بالذاتية الإسلامية، وهما عميقان جدًا في ضمير التونسي ينتظر فرصة للتعبير، فظهرت الحركة الإسلامية أو الاتجاه الإسلامي في بداية السبعينيات داعيًا إلى ضرورة الالتزام بالإسلام عقيدة وعبادة ونظامًا شاملًا للحياة في التشريع والثقافة والسياسة والاقتصاد..  واستطاع هذا الاتجاه أن يستفيد من شعور المواطن بالخطر على ذاتيته تجاه مظاهر التفسخ ‏الخلقي والعقائدي التي أخذت تكتسح الجيل الجديد خاصة، والتي تدأب على نشرها مؤسسات النظام الثقافية والتربوية. كما استطاع أن يستفيد من آثار الحركة الإسلامية في المشرق، في مصر والهند والباكستان... لبلورة حركة إسلامية تونسية لها اليوم زعاماتها المعروفة، ومناهج عملها، ولها وجودها الواقعي الكثيف في الجامعة وفي المساجد وفي المعاهد والإدارات... إلخ.. كإحدى أكبر حركات المعارضة التي عبر ويعبر الشعب من خلالها على رفضه للتبعية والانبتات والوصاية والظلم، طامحًا إلى حياة العدل والكرامة والحرية.

كيف واجه الحزب ‏والحكومة هذه الحركة:

بالرغم من أن مواجهة الحكومة لهذه الحركة ‏لا يخرج عن خطها المعتاد في مواجهة حركات المعارضة بالبلاد، فإنه يبقى لهذه المواجهة خصوصيتها وحساسيتها بسبب كونها معارضة إسلامية تشكل الهاجس الذي يقض مضاجع المسؤولين على المستوى السياسي والأمني، ويحول هذا الهاجس بينهم وبين الرؤية الموضوعية لهذه الظاهرة. والبحث عن سبيل معقول للتعامل معها، وتلك الخصوصية تعود لما يشكله الدين من عمق شعبي وقدرة على تفجير أضخم طاقات المقاومة والفداء، وتبدو هذه الخصوصية جلية في موقف الحكومة من الاتجاه الإسلامي بالمقارنة مع مواقفها إزاء أطراف أخرى.. ففي الوقت الذي ترفع فيه الحكومة شعارات الانفتاح وتخطو في ذلك خطوات قصيرة جد محتشمة، فتجيز خلال السنتين المنصرمتين صدور مجموعة من الصحف «الرأي، الديمقراطية، لوفار، المستقبل، لافوتير، الوفاق» وتعد اتجاهات أخرى بدرس ملفاتها وتعمد إلى إيقاف مجلتي الاتجاه الإسلامي «المعرفة، المجتمع» إيقافًا تعسفيًّا متحدين سلطة القانون والعدالة، رافضة نداءات آلاف المواطنين الذين ارتفعت أصواتهم بالاحتجاج على هذه المظلمة والمطالبة باستئناف الصدور .. وبالرغم من أن تعسف السلطة التنفيذية لم يقتصر على صحف الاتجاه الإسلامي، وإنما شمل صحفًا أخرى كالرأي ولوفار، فقد كان التعسف مع صحف الاتجاه الإسلامي ذا سمة متميزة.. فعلى حين روعيت الشكليات القانونية في إيقاف «الرأي‏ ولوفار» فكان الإيقاف لأجل مسمى «ثلاثة أشهر»، ثم عادتا إلى الصدور في ظل إيقاف المعرفة والمجتمع تعسفيًا خالصًا، فلا صدر ضدهما حكم من المحكمة، ولا سمح لهما بالصدور، ولا حتى وقع إعلامهما بسحب الرخصة، وإنما ووجهتا بموقف أخرس.

فإذا أضفنا إلى ذلك مضايقات الشرطة والحزب وأجهزة الإعلام الرسمية لرجال الدعوة الإسلامية في المساجد، ومنعهم من العمل ضمن إطار قانوني «كان الاتجاه الإسلامي قد تقدم بطلب للحصول على تأشيرة تكوين جمعية إسلامية «الوعي الإسلامي»، فلاذت السلطة بالصمت كعادتها. وقد وصلت هذه المضايقات حد الإيقافات التعسفية وممارسة التعذيب والإحالات على المحاكم. فهل نكون مبالغين إذا أكدنا اعتمادًا على مواقف الحكومة من الدين ومؤسساتها منذ الاستقلال وحتى الآن إن بلادنا تعيش اضطهادًا دينيًا وعملًا دائبًا على تصفية الوجود الديني.

رفض العنف: وبالرغم من هذا الاضطهاد المسلط على الدين ورجاله في هذه البلاد، والباعث بطبيعته على إثارة مشاعر الحقد، والدافع إلى العنف كرد فعل، ظل الاتجاه الإسلامي يتذرع بالصبر ويسلك سبيل الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، رافضًا المساهمة في موجات العنف المتنامية داخل البلاد، وفي صفوف الإسلاميين أنفسهم إدراكًا منه للكارثة العظمى التي يمكن أن تحل ببلادنا، إذ غدا العنف هو اللغة الوحيدة للتفاهم بين أبنائها، وليس ذلك محتاجًا إلى التجربة.. وإن كان بلادنا قد جربت، والأمثلة من البلدان الشقيقة كثيرة.

فلا يحدثن أحد نفسه بأن الاضطهاد والتجاهل والعداء بقادر على اقتلاع عقيدة امتزجت بروح هذا الشعب، أو تحريف هذا التيار الإسلامي المتدفق عن اتجاهه، فإن هذا الدين الذي أنعم الله به علينا في عصر ضلالة وظلمة، ذلك الدين الذي عاشت بلادنا في ظله الوارف أعز أيامها، وكان حادي ركبها وحارس ليلها وتكبيرات مجاهديها يوم المحن- هو أعز علينا من كل ما في هذه الدنيا من حطام ومتاع رخيص- وفي سبيل الله كما يردد شبابنا في أهازيجهم ما أحلى المنون.

إننا نريد لبلادنا أن تتطور وأن ترتفع إلى مستوى حياة الإسلام. حياة العدل والكرامة والتقدم في إطار الحريات العامة.. إننا مصرون على توخي هذا السبيل ومتابعته ما أمكن ذلك.. ولكن المتتبع لموقف الحكومة من هذه العارضة يبدو له جليًا أنها سلكت السبيل نفسه التي سلكتها المعارضات الأخرى مع مراعاة خصوصيتها ويتلخص في محاولة تصفيتها على مراحل:

١- شن‏ حملات إعلامية ضدها تتلخص في اتهام نياتها، وبأن لها أغراضًا سياسية مبيتة، وأنها تمثل خطرًا على الوحدة القومية. ورميها بالتعصب واستغلال الدين.

‎٢‏- تقليص نشاطها الإعلامي بمصادرة صحفها ومنعها من القيام بالدروس المسجدية، وإلقاء المحاضرات في النوادي الثقافية والمعاهد.

‎٣‏- حرمانها من الوجود الشرعي ورفض طلبها في الحصول على رخصة جمعية أو حزب.

‎٤‏- احتواء شعاراتها، فكلما حاول الحزب احتواء اليساريين فتبنى بعض شعاراتهم الاشتراكية، وزين بها واجهاته فقد تحول الحزب في أواخر السبعينيات من وضع المتحدي للمشاعر الدينية إلى التأكيد على صفته الإسلامية، وأنه حامي الإسلام.. بل عمد أخيرًا إلى تكوين لجنة دينية ملحقة بالحزب ضم إليها بعض الشيوخ! وخص المناسبات الدينية بمزيد من الاحتفالات، وأضافها إلى قائمة الأعياد، وأوضحت مصطلحات الدين كثيرة الورود على ألسنة الحزب وأجهزة إعلامه، وتنازلت الإذاعة عن كبريائها فسمحت لأول مرة منذ الاستقلال ببث الأذان.. ولكن في صلاة الصبح فقط!

‎٥‏- تكوين مصلحة بإدارة الأمن لتتبع النشاط الديني تلاحق الدعاة وتتسلل إلى المساجد تنقل التقارير والتسجيلات، وتتبع خطوات العاملين وآثارهم في محاولة لاكتشاف طرق عملهم ووثائق تصلح لإدانتهم.

‎٦‏- إثارة قضايا سياسية ضدهم وتقديمهم إلى المحاكم بتهمة تهديد أمن الدولة! أو قلب النظام! وتكوين جمعيات غير مرخص فيها.

‏ويبدو أن الحكومة وقد قطعت مع الاتجاه الإسلامي كل الخطوات الخمس الأولى، هي اليوم على أبواب المرحلة الأخيرة، فبعد الحملة الإعلامية التي شنها الحزب والحكومة على الحركة طوال سنة ‎79، وتوجت باعتقال مجموعة من الإسلاميين وإيقاف نشاطهم الإعلامي -لولا أن حدثًا طرأ فصرف نظر الحكومة عنهم إلى حين، هو حدث قفصة- فإنها تعود اليوم إلى الاتجاه الإسلامي، فتعتقل عددًا من مناضليه، وتقتحم الشرطة البيوت الآمنة تبعثر الأوراق الخاصة، وتروع العائلات، وتحمل بعضهم إلى مراكز التعذيب في ملابس النوم بعد منتصف الليل.. ولا بد أنها خلال حملتها هذه حصلت فيما حملته من أوراق خاصة وثائق تتضمن البرامج الثقافية والتربوية والسياسية والتنظيمية التي بجري بمقتضاها العمل الإسلامي، مما يصلح لشن حملة على دعاة الإسلام وتقديمهم ليعلقوا كسائر اتجاهات المعارضة في البلاد على مشنقة قانون الجمعيات «تكوين جمعية غير مرخص فيها».

‏المحاولات الزائفة لتفسير ظاهرة التدين:

إن محاولة تفسير اتجاه جماهيرنا وشبابنا إلى الدين والتفاف الجماهير الإسلامية حول الاتجاه الإسلامي بأنه تآمر دولي خارجي ضد تونس، كما فعل أحد المسؤولين الكبار في لقائه مع المفكر الفرنسي المسلم فنسان مونتاي «المنصور بال الشافعي»، فأخبره بأن إيران تمول الجماعات الدينية في تونس، ليحدث هنا ما حدث من فوضى! ويفسر البعض الآخر هذه الظاهرة بأنها نتيجة لتمويلات عربية، ويفسرها البعض الآخر، ويبدو تفسيره أكثر طرافة بأنها نتيجة لمؤامرة شيوعية عالمية، فبعد أن عجزت الشيوعية في العالم الإسلامي لجأت إلى الدين لتقوض به الأنظمة المستعمرة.. إن أقل ما يقال في هذه التفاسير أنها ساذجة تهمل تفسير الظواهر تفسيرًا علميًا موضوعيًا وتقفز كالبهلوان فوق حبال الأوهام وكأنها تريد أن تقول: ليس في بلادنا ما يقتضي ظهور حركة إسلامية، إذ الإسلام أعلامه مرتفعة وحرمته مصونة فكيف حدث إذًا؟ 

‏وإذا فسر تنامي النشاط الإسلامي في تونس بأنه مؤامرة دولية على تونس، فكيف يفسر المد الإسلامي المتنامي في كل أرجاء العالم الإسلامي؟ بل كيف يفسر تنامي النشاط الديني المسيحي في أمريكا اللاتينية مثلًا؟ أليس الأوفق القول بأنه العودة إلى الذات والانطلاق منها لبناء حضارة جديدة متميزة، بدل الانطلاقات الفاشلة من منطلق التبعية والذيلية للمعسكرات الدولية؟

الرابط المختصر :