; موقف الصحافة المصرية مما سموه بــــ: «قضية التكفير والهجرة» | مجلة المجتمع

العنوان موقف الصحافة المصرية مما سموه بــــ: «قضية التكفير والهجرة»

الكاتب محمد عبد القدوس

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أكتوبر-1977

مشاهدات 60

نشر في العدد 369

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 04-أكتوبر-1977

نموذج مما نشرته صحافة «الإفك» أنها لا تتقيد بأي خلق حين ترتبط قضية ما بالإسلام.

 لا شك أن جريمة قتل الشيخ الذهبي جريمة بشعة وصفتها -مجلة الدعوة- بأنها مأساة دامية وجريمة منكرة يحرمها الدين وينكرها العرف، وتنبو عنها الأخلاق الفاضلة، ولكن:

 لا شك أيضًا أن تغطية الصحافة للحادث كان جريمة بشعة في حق العمل الصحفي، فرسالة الصحافة لا يحددها أبدًا قرار أو قانون، بل هي دائمًا وليدة خلق وقيم، وقد ضاعت رسالة الصحافة في مصر في حادث التكفير والهجرة بعد أن كانت أملًا يراود الأذهان، وثبت أن حرية الصحافة الحقيقية التي يتمناها الشعب ما زالت بعيدة.. الحرية التي تستطيع أن تقدم للقارئ ما يقع من أحداث بطريقة موضوعية كاملة ومحايدة، ودون الانحياز إلى السلطة أو أية جهة أخرى.

 يقول الكاتب الصحفي «مصطفى أمين» أحد مؤسسي دار أخبار اليوم: إن تغطية الصحافة لحادث الشيخ الذهبي قد دلت على أنها ما زالت تعيش بعقلية الطغيان وليس بعقلية الحرية، ويقول الكاتب الصحفي «جلال الحمامصي»: إن الصحافة في هذا الحادث قد قامت بتوسيع الهوة بينها وبين الشعب.. فالشعب قد تغير وتطلع إلى الحرية وسيادة القانون، بينما لم تتغير الصحافة واستمرت في أسلوبها القديم الذي كانت تغطي به أي حادث كان يقع في عهد الإرهاب.. أسلوب السطحية والسباب، والتشنج والانفعال، والعصبية وكبت حرية الصحفيين الشرفاء.. لقد أكدت الصحافة بهذا الأسلوب الكلمة المتداولة بين أبناء الشعب عن الصحافة، من أن الذي يقرؤه فيها لا يمثل الحقيقة، وإنما هو مجرد كلام جرائد، أما صلاح جلال «رئيس القسم العلمي بجريدة الأهرام» فيقول إنه لو كان قد حذف تاريخ صدور الجريدة، لما عرفت هل كانت تغطية الصحافة للحادث قد تمت في عصر الديكتاتورية، أم في عهد سيادة القانون.

 ويقول محمد عبد المجيد الديروطي من زراعة أسيوط إن مسلك -صاحبة الجلالة- كان مسلكًا غريبًا لم تلتزم فيه الموضوعية أو الخلق أو القيم، باستثناء القليل جدًا من المجلات وبعض الكتاب الصحفيين، أما بقية الصحف وخاصة اليومية منها فقد كانت أسوأ مثال للتغطية الموضوعية والكلمة المسئولة.

 إن الذي دفع كبار الصحفيين وأبناء الشعب إلى هذا الهجوم الشديد على الصحافة، هو أنها وقعت في أخطاء فاحشة أثناء تغطيتها لموضوع مقتل الشيخ الذهبي، أخطاء لا تتعمدها إلا صحافة الاستبداد.

 

قطع كل جسور الإصلاح

وتحويل الضحايا إلى مجرمين

 

 يقول جلال الحمامصي إن جماعة التفكير والهجرة قد نشأت في محاولة لملء الفراغ الديني الذي يعانيه الشباب، وإن كانت هذه المحاولة قد فشلت فهي ليست موجهة للدولة بالدرجة الأولى، وشباب الجماعة ليسوا مجرمين بطبيعتهم، وعلاجهم لا يكون بالعنف معهم، بل عن طريق الحوار الموضوعي والمناقشة العلمية الهادفة، بعيدًا عن التشنج ضدهم وسبهم وتجريمهم.

 ويؤكد على ذلك الدكتور يوسف القرضاوي الداعية الإسلامي الشهير، ورئيس قسم الشريعة بكلية التربية بقطر فيقول: إن هذا الشباب شباب طاهر مخلص أخطأ الطريق.. فهم ضحايا للمجتمع قبل أن يكونوا مجرمين، وإذا تمكنا من إصلاح أفكارهم، فإننا نكون قد كسبنا إلى صف المجتمع شبابًا ممتازًا يخدمه ولا يدمره. 

 وكان الخطأ الأول الذي وقعت فيه الصحافة، بل والدولة كلها كما يقول محمد عبد المجيد الديروطي، أنها دفعت هؤلاء الشباب دفعًا إلى طريق التدمير بدلًا من محاولة إصلاحهم، فقد قطعت كل جسور الإصلاح وقضت على أية محاولة للعلاج، فالصحافة مثلًا اعتبرتهم مجرمين بطبيعتهم ودرجت إحدى الصحف اليومية على إطلاق اسم عصابة عليهم.. عصابة التكفير والهجرة.. عصابة الدم والإرهاب.. ونعتتهم الصحف بأبشع الألفاظ التي تقطع تمامًا كل محاولة لإصلاحهم مستقبلًا.

 وإليك نماذج منها: الثعابين السامة الغادرة الجبانة - إنهم وباء - إنهم سفاحون - الأيادي السوداء والقلوب السوداء - الشرذمة الحقيرة ليسوا إلا عصابة للنهب والقتل - إنهم همجيون - جماعة متعصبة متهورة مجرمة - وقد شاركت جميع الأجهزة الأخرى في دفعهم إلى الطريق الآخر فقالت عنهم النيابة العسكرية -وقبل أن ينتهي التحقيق-: «إنهم عصابة إجرامية وليسوا جماعة دينية» واعتبرت وزيرة الشئون الاجتماعية الدكتورة «آمال عثمان» أن سيدات الجماعة لا فارق بينهن وبين نساء الليل، وأعلنت عن استعدادها لإيواء المعتقلات اللاتي سيفرج عنهن في المنازل المخصصة للتائبات عن البغاء .

 ويلوم الدكتور يوسف القرضاوي بعض علماء الدين على أنهم قد اندفعوا في السير في هذا الطريق: طريق تجريمهم وسبهم بدلًا من إصلاح شأنهم، وعلى رأسهم الشيخ متولي الشعراوي «وزير الأوقاف» الذي وصف سيدات الجماعة بإحدى الصحف اليومية بأنهن يعانين من عقد نفسية لأن شكلهن قبيح، ولذلك انضممن للجماعة، ولكن رائد جماعة العشيرة المحمدية لم يكتف بما قاله الشيخ الشعراوي من أن سيدات الجماعة مصابات بعقد نفسية، ولكنه أضاف أن جميع المنضمين إلى التكفير والهجرة مصابون بعقد نفسية، بينما وصفهم رئيس الجمعية الشرعية في نفس الصفحة بأنهم ليسوا جمعية دينية بل عصابة للتدمير والتكفير، ولم ينج أعضاء الجماعة من هجوم المنشقين عليهم فوصفوا سلوكهم بأنه همجي. 

 وكان أكبر خطأ وقعت فيه الدولة هو كما يقول صلاح جلال «رئيس القسم العلمي بالأهرام» هو اعتقال زوجات أعضاء الجماعة لمجرد أنهن زوجاتهم أو بناتهم.. فهل يمكن بعد ذلك إنقاذ هؤلاء الشباب -أعضاء جماعة التكفير والهجرة- من الحقد على المجتمع والسعي لتدميره بعد أن يتم اعتقال زوجاتهم والتنكيل بأسرهم، كما حدث في كفر الدوار، حيث تم القبض على أسرة بأكملها، والغريب أن نائب المدعي العسكري قد صرح لإحدى المجلات الأسبوعية بعد ذلك، بأن زوجات أعضاء الجماعة لن يقدمن للمحاكمة إلا إذا تحققنا من اشتراك إحداهن في الجريمة مع زوجها، أما مجرد التستر فقط فلا جريمة.. والسؤال إذن: لماذا كان تشريد أسر بأكملها واعتقال زوجات أفراد الجماعة؟ ويضيف صلاح جلال قائلًا: أنه لن ينسى أبدًا الصورة التي رآها في الجريدة التي يعمل بها، وهي صورة طفل عمره ١٤ سنة قالت عنه أجهزة الأمن أنه بوسطجي الجماعة، وهو بين حارسين، يده اليمنى مقيدة في يد حارس، واليد اليسرى مقيدة في يد حارس آخر، وكأنه قوة عملاقة يخشى هروبه، مع أن سنه لا تتجاوز الرابعة عشرة. 

 إن معاملة أجهزة الأمن للصبي بهذه الطريقة، معناها أنه قد ضاع الأمل في إصلاحه مستقبلًا، وكأن دفع أعضاء الجماعة إلى طريق الإجرام وقطع كل جسور الإصلاح هو أول خطأ فاحش ارتكبته الدولة كلها، وخاصة الصحافة.

 

إطلاق الاتهامات وإصدار الأحكام

 كان الخطأ الفادح الثاني الذي ارتكبته الصحافة في تغطيتها لحادث مقتل الشيخ الذهبي، هو إطلاق الاتهامات الباطلة وإصدار الأحكام مقدمًا، ويصف مصطفى أمين هذا الخطأ بأنه من طبائع الصحافة المستبدة.. تطلق الاتهامات دون رؤية، وتصدر الأحكام حتى قبل بدء المحاكمة.. وهناك أمثلة واضحة لهذا الخطأ الذي ارتكبته الصحافة والذي أهدرت به قاعدة أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، مثال ذلك: أن إحدى الصحف اليومية اتهمت أعضاء الجماعة بأنهم هم الذين سرقوا الأموال التي كانت موجودة في سيارة تابعة لشركة المقاولين العرب، والتي كانت تزيد قيمتها على ثمانين ألف جنيه، ثم تبين كذب هذا الاتهام، بل إن أكبر مثال على ذلك هو مقتل الدكتور الذهبي نفسه، فقد قالت الصحف في البداية إن القاتل هو عامل البناء مصطفى غازي، ثم قالت إنه نائب زعيم الجماعة الذي عثر معه على مسدس محشو عيار ٧,٦٥، وتنقصه رصاصة هي التي قتلت الشيخ الذهبي، وأخيرًا قالت الصحافة إن القاتل هو ضابط الشرطة المفصول «أحمد طارق عبد العليم» الذي تم القبض عليه، وكل ذلك يثير البلبلة والحيرة في نفوس الشعب، ولا شك أن النيابة العسكرية تتحمل مسئولية أساسية في هذه البلبلة .

 ويقول صلاح جلال إن إطلاق الاتهامات جزافًا لا يوجد في أي صحيفة حرة حقيقية، حيث إن الكلمة عندها أمانة ومسئولية قبل كل شيء، وعندما تخطئ الصحيفة في الدول التي عرفت حقيقة الديمقراطية، فإن سيادة القانون لا ترحمها ويوقع عليها القضاء أشد العقوبات، ويضرب مثالًا على ذلك فيقول: إن أحد القتلة في إنجلترا قد ضبط متلبسًا واعترف في التحقيق بجريمته، ونشرت جريدة «الديلي اكسبريس» صورته وقالت إنه القاتل قبل أن تصدر المحكمة حكمها، فرفع محاميه دعوى أمام القضاء ضد الجريدة، وحكمت له المحكمة بتعويض قدره ۱۰۰ ألف جنيه. 

 وإليك نماذج إصدار الأحكام حتى قبل أن تبدأ المحكمة في نظر القضية.. ولكن نشرتها الصحف اليومية: هؤلاء المجرمون يستحقون الشنق أمام الجماهير - الإعدام لهم - لن تأخذنا بهم رحمة، ويجب ألا يترك أحد منهم -  خذوهم بالعنف ولا تأخذكم بهم شفقة - الشنق هو الحل الأمثل لهؤلاء - يجب التخلص منهم على وجه السرعة. 

 وتتضح فداحة الخطأ الذي وقعت فيه الصحافة عندما يذكر أساتذة الصحافة الطريقة التي كان يجب أن يعالج بها الموضوع.. يقول جلال الحمامصي: كان يجب إعطاء الصورة الكاملة للقارئ، اتهام النيابة ودفاع المتهم عن نفسه، فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته، ولذلك يجب إعطاء الفرصة الكاملة له للدفاع عن نفسه، ويطالب مصطفى أمين الصحافة بأن تسعى لمقابلة المتهمين في السجون وسماع وجهة نظرهم كاملة، وإفراد الصفحات لهم ولمحاميهم، ويقول هذه هي حرية الصحافة الحقيقية، أما محاولة الصحافة فرض وجهة نظر واحدة على الشعب فلم تعد مقبولة، فالصحافة لم تكتف فقط بنشر اتهامات الشرطة والنيابة العسكرية، وحرمان المتهمين من الدفاع عن أنفسهم أمام الرأي العام، بل راحت تكيل اتهامات كاذبة، وحلت محل القضاة في إصدار الأحكام، وكانت أحكامها قاسية بالشنق والقتل والإعدام .

 

عدم الموضوعية والمبالغة

 يقول مصطفى أمين إن هناك فريقًا من الصحفيين والمسئولين في الدولة، يصبحون حكوميين أكثر من الحكومة نفسها، عندما يرون أنها قد غضبت على دولة أخرى أو جماعة أو أحد الأفراد، فيندفعون في مهاجمة المغضوب عليه بعقلية الضباع التي تأكل جثث الموتى، ويكون في أحاديثهم أو كتابتهم الكثير من المبالغات والكذب وعدم الموضوعية والخداع، وكان عدم الموضوعية هو الخطأ الثالث الذي وقعت فيه الصحافة .

 يقول صلاح جلال إن مبالغات الصحافة وعدم موضوعيتها أدت إلى عكس الغرض المقصود منها.. فقد تشكك أبناء الشعب في كل روايات الصحافة حول هذا الموضوع، وأصبح ينظر إليها بكثير من الريبة، إحدى الصحف وصفت أمير الجماعة بأنه فوق مستوى النبوة، فقالت على لسانه: «أنا وصلت لما بعد مرحلة النبوة وسأرث الأرض ومن عليها.. العالم كله سوف يفنى وستبقى جماعتي في أرض الصحراء» ويضيف صلاح جلال أن أمير الجماعة لا يمكن بالبداهة أن يكون قد قال هذا الكلام إلا إذا كان قد عذب فجن من التعذيب، أو أعطي له مخدر أفقده وعيه، أغلب الصحف كانت متواضعة في موضوع نبوة أمير الجماعة.. هكذا يقول محمد عبد المجيد الديروطي، فاعترفت أنه نبي فقط، وليس فوق مستوى النبوة، واستشهدوا بما قالته النيابة العسكرية على لسان أمير الجماعة من أنه يردد دائمًا: «الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين»، ويضيف محمد الديروطي قائلًا: يا له من دليل قوي ومؤكد على ادعاء النبوة.

 وإليك نماذج من المبالغات وعدم موضوعية الصحافة حول هذا الموضوع: الحج إلى بيت الله عند أعضاء الجماعة ليس فريضة - بعض أعضاء الجماعة يتعاملون بالربا - سلطان أمير الجماعة على الزوجات أكثر من سلطان الأزواج - غسل الملابس تحت حنفية المياه حرام - دخول دورة المياه حرام- أمير الجماعة يبتز أموال أعضاء الجماعة وينفقها على نزواته الشخصية وزوجاته الخمس والشقق المفروشة - طلب زعيم الجماعة من أعضائها الهجرة إلى أوروبا بعد أن حكم على بلاد الإسلام بالكفر - أمير الجماعة يتزوج زوجة نائبه - السرقة مباحة من الأهل والمواطنين في سبيل تمويل صندوق الجماعة - أمير الجماعة بإحدى المحافظات يؤذن للصلاة قبل أذان المسجد بساعتين - أمير الجماعة سرق عفش المنزل وهرب - ديناميت يكفي لنسف ميدان التحرير ضبط تحت سرير أمير الجماعة. 

الدعوة: أمير الجماعة كان ينام على الأرض، ويقول مصطفى أمين إن الذي زاد من فداحة هذا الخطأ الذي وقعت فيه الصحافة.. خطأ عدم الموضوعية، جعل الشعب يفقد الثقة نهائيًا فيما تكتبه حول موضوع التكفير والهجرة، هو أنها كتبت كلامًا يتعارض مع طبيعة الشعب المصري نفسه.. فالفرد المصري معروف في كل الدنيا بحبه لأسرته وارتباطه بها حتى إنه يقال عنه أنه عاطفي، فكيف تأتي الصحافة بعد ذلك وتقول على لسان أب أنه يطالب بشنق ابنه في ميدان عام أو أن أما تذهب لمباحث أمن الدولة لتقديم بلاغ ضد ابنها.. إن هذا الكلام لا يمكن أن يصدقه الشعب، وإليك نماذج منه: زوجة تقول: سأطلب الطلاق من زوجي فورًا.. لا أريد أن أبقى على ذمته بعد أن جلب لنا العار، أم تقول: أسرعت إلى مباحث أمن الدولة لأقدم بلاغًا ضد ابني لشكي فيه وتغير أحواله، أب يقول: أتبرأ من ابني.. لعنه الله إلى يوم القيامة، أب آخر: كل ما أتمناه أن أرى إعدام ابني لأنني تعبت معه، أخت تقول: أريد أن أرى أخي مشنوقًا في ميدان عام، أخ يقول: أنا بريء من أخي ولا أعرفه، زوجة تقول: زوجي أضاع حياتنا، هرب من عمله، اعتزل الناس، اعتنق أفكارًا غريبة، أم تقول: ابني ليس متدينًا به هو زير نساء. 

 كلمة هامة يوجهها مصطفى أمين للصحفيين، وهي أن المثل العامي الذي يقول: إذا العجل وقع كثرت سكاكينه، لا يمكن أن يكون له مكان في الصحافة.. فمهمة الصحافة أن تبحث عن أسباب وقوع العجل وتساعده على القيام. 

 ويقول أنيس منصور «الكاتب الصحفي المعروف ورئيس مجلس إدارة مجلة أكتوبر»: إن المبالغة في التهويل والتهوين غلطة كبيرة، لأنها تؤدي إلى خطأ في التشخيص، وإذا كان التشخيص خطأ فالعلاج كذلك.. ويتساءل محمد الديروطي قائلًا: وهل هناك رغبة في العلاج أم أن الرغبة كل الرغبة في التهويل والتهوين فقط؟

 

التناقض والتضارب

 والذي زاد من حيرة أفراد الشعب حول ما تكتبه الصحافة وشكهم في كل ما يقال، هو التناقض والتضارب الذي وقعت فيه، فكان ذلك خطأها الرابع الفادح.

 يقول أنيس منصور: إن الصحافة وصفتهم بضآلة العدد ثم نشرت أنهم بالألوف، ووصفتهم بالأمية ثم نشرت صورًا لطلبة الجامعات.. والأغرب من ذلك كله أنها اتهمتهم جميعًا بالكفر وفي نفس الوقت قالت عنهم أنهم لا يؤمنون إلا بالقرآن والسنة فقط، ويتساءل يوسف القرضاوي كيف يمكن أن تفكر الجماعة في الهجرة واعتزال المجتمعات كما قالت الصحافة، ثم في نفس الوقت تسعى إلى قلب نظام الحكم؟ أليس هذا تناقضًا واضحًا؟! هجرة مجتمع.. ثم الاستيلاء على السلطة فيه في نفس الوقت، تناقض آخر: كيف يمكن أن يكون زعيم الجماعة كما وصفه المدعي العسكري يجهل قواعد اللغة العربية وأحكام القرآن والأحاديث الشريفة، ثم نجد طلبة من كليات الهندسة والطب التي لا تقبل إلا أعلى المجاميع، يلتفون حول أمير الجماعة الذي وصفه المدعي العسكري بالجهل .

 تناقض جديد: قالت الصحف والنيابة إن ليبيا هي التي كانت تمول جماعة التكفير والهجرة، وفي نفس الوقت قالت الصحف إن هناك مصريين في دول الخليج وخاصة في الكويت هم الذين يمولون الجماعة، ويتبرعون بثلث مرتبهم لها.. أليس هذا تناقضًا؟! وما هو الدليل على تدخل دولة أجنبية في شئوننا؟ إنها الشماعة التي نعلق عليها ما يجري في بلدنا من حوادث. 

 ثم كيف يمكن أن يكون للجماعة أموال طائلة، ثم لا يجد الضابط الهارب مكانًا يأوي إليه أثناء هروبه؟!

 تناقض خاص بالمنشقين: وصفت الصحف اعتداءات أعضاء الجماعة على المنشقين عليهم بأنها وحشية وإجرامية وبربرية، وبالغت في هذا الوصف، وفجأة نجد نائب وزير الداخلية يقول في مجلس الشعب عن تصفية أعضاء جماعة التكفير والهجرة لمخالفيهم: إنها ليست تصفية بالمعنى المفهوم، وإنما حدث بعض اعتداءات أو فرض غرامات مالية على بعض المنشقين، فأين هذا الكلام من تهويل الصحافة لموضوع المنشقين وتضخيمها له؟!

عن «الدعوة» القاهرية

البقية في العدد القادم

الرابط المختصر :