; موقف العلماء من ظاهرة التنصير | مجلة المجتمع

العنوان موقف العلماء من ظاهرة التنصير

الكاتب محمد السروتي

تاريخ النشر السبت 10-أبريل-2010

مشاهدات 55

نشر في العدد 1897

نشر في الصفحة 40

السبت 10-أبريل-2010

فكر

  • يجب ألا نستهين بالظاهرة بحيث نغفل عن الخطر.. ولا نهول فيها فتندفع إلى اليأس والقنوط
  • الآليات والوسائل لمواجهة الحركة التنصيرية تبدأ من تحصين الأفراد
  • المعنيون بتتبع الظاهرة بين مطرقة السلطة (بصمتها المريب) وسندان الظاهرة (بسرّيتها التامة)

الموقف من ظاهرة التنصير لا يمكن تناوله إلا من خلال إطاره العام، المتجسد أساسا في نظرة الدين الإسلامي للآخر المسيحي خاصة، بدءا من القرآن الكريم، والسنة النبوية وصولا لنماذج من وقائع فقهية عالجت قضايا العلاقات بين الطرفين في جوانب مختلفة جسدت فيها المعالم السامية للتعامل الإسلامي مع هذا الآخر في إطار المنظومة الإسلامية.

موقف العلماء من ظاهرة التنصير

د. محمد السروتي(*)

مثال ذلك ما أورده الونشريسي في "المعيار المعرب" نسبه إلى أبي العباس أحمد بن محمد بن زكري يقول فيه: "هدم الكنائس لا يجوز بمقتضى الشريعة المحمدية على رأي المحققين في الفقه المالكي"... ولهذا يقول أبو الحسن اللخمي، وابن القاسم: "إن القديم من الكنائس يترك ولا يهدم". وتعددت هذه النماذج في كثير من المصادر النوازلية كـ "المعيار" للونشريسي، و"أحكام قضايا أهل الذمة" لأبي الأصبغ بن سهيل. 

وتجدر الإشارة إلى أن علاقة الإسلام بالنصرانية علاقة ،مركبة، لا تنكر وجود عيسى عليه السلام، ولا عذرية والدته ولا المعجزات التي أجراها الله على يديه، وفي الوقت ذاته تنكر تأليهه والغلو في تقديسه وتنكر ما تسرب إلى ذلك الدين من عقائد وثنية اختلطت بمذاهب فلسفية غامضة أصبحت تهدد كيان الأمة، وتعصف بها من خلال الموجات التنصيرية التي أصبحت تشهدها مختلف الأقطار الإسلامية...

مواقف ثلاث

وباستحضار هذه العلاقة يمكننا رصد المواقف المتخذة من ظاهرة التنصير وتقسيمها إلى ثلاثة مواقف هي:

- موقف تهويني: من هذه الظاهرة اعتمادا على مبشرات قرآنية وسنن تاريخية وواقعية فمن القرآن قوله تعالي: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، ومن التاريخ ما ذكره الأستاذ أنور الجندي في كتابه (الإسلام وحركة التاريخ): "من أبرز سنن التاريخ الإسلامي القدرة على الخروج من دائرة الضعف والتخلف بالتماس جوهر القيم الأساسية"، ومن الواقع أيضاً ما قاله الشيخ محمد الغزالي: "من الصعوبة بمكان أن يرتد مسلم عن الإسلام إلى النصرانية كما أنه من الصعوبة بمكان أن يرتد طالب جامعي إلى التعليم الابتدائي أو يتحول عالم ذرة إلى العمل بمعبد هندوكي.. إن المستوى الذي يبلغه المسلم في مجال العقيدة ومعرفة الله يتجاوز بمراحل شاسعة المستوى الديني الذي يقف عنده اليهود والنصارى ومن ثم فلستُ أخاف على الإسلام من جهود المنصرين مهما اشتدت فهي إلى بوار".

و"زويمر" أحد أقطاب المنصرين نفسه يعلن بصراحة صعوبة تنصير المسلمين، وذلك حين يقول: "الذي نحاوله من نقل المسلمين إلى النصرانية هو أشبه باللعب منه بالجد، فلتكن عندنا الشجاعة الكافية لإعلان أن هذه المحاولة قد فشلت وأفلست".

لكن، هل هذه المبشرات كافية للتهوين من الظاهرة؟ وصرف النظر عن دراسة أبعادها والوقوف على تجلياتها، إن ما يتناساه أصحاب هذا الموقف في نظري هو الفرق بين "حفظ الله لدينه" وهو ما تعهد به الله سبحانه، وبين إقامة هذا الدين ليتحول من "وحي محفوظ" إلى واقع متجسد في الحياة له السيادة والظهور على شرائع الضلال والانحراف.. 

  • وفي المقابل هناك موقف تهويلي: 

من خطر هذا المخطط إلى الحد المانع من التفكير السليم والتدبير الإيجابي، يؤدي إلى اليأس والقنوط انطلاقا من الواقع المعاش، فالحالة هي حالة ضعف وانكسار وتبعية؛ إضافة إلى إمكانيات ووسائل الحركة التنصيرية، مما يصور الأمر مرضاً مزمناً لا فكاك منه ولا تجدي معه أي آليات أو وسائل لمقاومته.

ويتناسى أصحاب هذا الموقف بدورهم أمرين أساسيين، هما:

أولاً: أن المخطط التنصيري "حلم مجنون" تصاعد ضد الصحوة الإسلامية خوفا من انتقالها إلى الغرب.

وثانيا: أن سمة المخطط التنصيري، تنطلق من الهروب من حقيقة الإسلام ورسم الطرق للالتفاف حوله لاختراقه باسمه وتحت مظلته.

- أما الموقف الوسطي: فهو الذي لا يستهين بالظاهرة بحيث يوقع في الغفلة عن الخطر، ولا يهوّل تهويلا يدفع إلى اليأس والقنوط.

وفي هذا الإطار يمكننا الحديث عن الآليات والوسائل لمواجهة الحركة التنصيرية، غير أن الرهان الأكبر والأكثر جدية في سياق تمتين مناعة الذات إزاء مثل هذه الظواهر، ينطلق أساسا من تحصين الفرد ضد كل أنواع التجييش التي تحوله إلى جزء من "قطيع"، وحمايته من كل الأنماط التي تعمل على تهيئته ليصبح موضوعا طيعا للتحكم الذهني والنفسي، وهنا يأتي دور كل الفعاليات المشاركة في إعداد ثقافة الإنسان بدءا من الأسرة مرورا بمنظومة التربية... وصولاً للمراكز العلمية.

ردود أفعال

ولكن نسجل بأسف تقاعس جل المعنيين بالأمر (علماء وسلطة) للحد من فاعلية الظاهرة، ويصف أحد الكتاب مثلا موقف السلطة من الظاهرة، فيقول: "والعجيب أن السلطة التي اعتادت إحصاء أنفاس مواطنين بعينهم، إما لمواقفهم السياسية، وإما الجمعوية تغض الطرف عن واقع غير طبيعي ... لغايات غير معروفة".

وفي الوقت ذاته لا نبخس في هذا الصدد مجهودات بعض المؤسسات التي أخذت على عاتقها توعية الأفراد بخطورة الظاهرة وتجلياتها التي تنعكس سلبا على مختلف أفراد المجتمع، وكذا مختلف المنابر الإعلامية التي خصصت ملفات لرصد الظاهرة، لكن تبقى السمة المشتركة بين جل المجهودات رسمية كانت أو غير رسمية تشترك في كونها لا تتجاوز الطابع "الموسمي" في أغلب الحالات،... وبالتالي لا تعدو كونها ردة فعل.

إن المسؤولية تقع على الجميع أفراداً وجماعات؛ فأهمية وخطورة الموضوع تكمن في اعتباره يمس مستوى جد حساس من مستويات الثقافة التي يتحدد انطلاقا منها جزء مهم من النسيج الذي يعتقد المسلمون أنه يكون هويتهم الاجتماعية.

مأسسة المتابعة والرصد

وفي الختام نرى أن مأسسة متابعة ورصد الظاهرة، أمر بالغ الأهمية في الوقوف على طبيعتها وتجلياتها في مختلف المناطق... فما المانع مثلا من تشكيل خلايا لرصد وتتبع تجليات الظاهرة تابعة لوزارات الأوقاف في الدول الإسلامية؟ خصوصا وأنها تتغلغل بشكل منظم، وليست مجرد جهود فردية. إذن كيف يعقل أن نتحدث عن علاج للمرض في غياب شبه تام للتشخيص؟ وكيف يمكننا أن نتحدث عن برنامج في ظل تقاعس رسمي عن الاهتمام بالأمر؟

بينما يبقى جل المشتغلين في تتبع ورصد الظاهرة يعتمدون على إمكانيات ذاتية تصطدم بعقبات وعراقيل لا حصر لها تجعلهم أحيانا بين مطرقة السلطة (بصمتها المريب) وسندان الظاهرة (بسريتها التامة)!!.

 (*) باحث مغربي مختص في قضايا التنصير

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 422

111

الثلاثاء 05-ديسمبر-1978

الأسرة (العدد 422)

نشر في العدد 1139

228

الثلاثاء 21-فبراير-1995

المسؤولية الفردية «2»