العنوان مولد النور
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر الجمعة 01-فبراير-2013
مشاهدات 72
نشر في العدد 2037
نشر في الصفحة 50
الجمعة 01-فبراير-2013
(*)إجازة في الشريعة
قبل البعثة عمّ الشرك وطغت الوثنية على معتقدات الناس وصار الظلم سيدًا في الحياة وانتُهكت الحقوق وساد الطغيان.
الرسول ﷺ جاء ضياء ينير لمن استضاء بهديه وعمل بما أمَرَه.
لنملأ قلوبنا ينور طاعته حتى نفوز ونغنم.. فقد أخرجنا الله به من ظلمة
الكفر إلى نور الإيمان.
هل تخيلت أحدًا يسير في طريق مظلم طويل لا هادي له فيه ولا مرشد؟ يقطع سيره الطويل وهو لا يعرف أول الطريق من آخره، ولا يدري إلى أين يأخذه وينتهي به، فقد غطى الظلام حوله على كل شيء مما جعله يتخبط في سيره ويتعثر، يقع تارة ويمشي أخرى، يدور حول نفسه وربما عاد للوراء من حيث أتى وهو لا يدري له قرارًا ولا يعرف له مستقرًا ومآلًا، ولا يجد لهذا الطريق نهاية.
ينادي من حوله ولا مجيب ولا سامع، يطلب النجاة فلا يجدها، ويطلب الخلاص فلا يُعطاه، وبينما هو في هذا الطريق وقد نال اليأس منه كل منال، وطمس الظلام حوله كل الصور الجميلة، إذا ببصيص نور يظهر له فجأة في الأفق، وإذا بحُلم النجاة يداعبه ويطل عليه مع إطلالة هذا النور.. أفلا يجدر بهذا التائه أن يجري إليه بكل ما أوتي من جهد ويستقبله من غير تردد، ويمسك به ويتماسك ولا يفوت فرصة النجاة التي قد لا تتاح له إلا في تلك اللحظة؟!
وماذا لو أتجه نحو النور فرآه وقد بدا وليدًا ثم لم يلبث أن نما وترعرع وشبّ وقوي وأنتشر، فعمّ المكان أمامه، وبدّد ظلمات الطريق، وأطاح بها بعد أن كادت تبتلعه، وإذا به يصحبه ويأخذ بيده يهديه وبدله إلى باب المخرج وطريق النجاة؟
أفلا يجدر به بعد أن عاين الهلاك وباشر التيه أن يثبت على طريق النور، ويواصل السير معه حتى يدرك مبتغاه، ويتحقق حلم الوصول؟ وهل تتحقق المصلحة المنشودة إذا رجع للوراء حيث الظلمة المظلمة، ومن ثم الهلكة والتيه؟
هكذا كان الناس قبل بعثة النور ﷺ إليهم، تائهين ضالين في نفق حياتهم المظلم.
ما قبل النور
عمّ الشرك وطفت الوثنية على معتقدات الناس حتى نسوا الله، وصار الظلم سيدًا في الحياة، وانتُهكت الحقوق، وساد الطغيان، فلم يكن للضعيف صوت أو مكان وظلمت المرأة منذ لحظة الميلاد فغيبت في التراب، أو ولدت إنسانيتها فعاشت بلا حق ولا كرامة ولا مال ولا إرث وجهل الإنسان دوره في الحياة وغفل عن حكمة الخلق وحقيقة البداية والنهاية، فعمّ الظلام دنيا الناس، وتراكمت ظلماته بعضها فوق بعض وتخيط الناس وظهر الشيطان منتشيًا يمارس دوره يفن وإتقان، وتعالت قِيَمه الخبيثة، وسادت وحلت حتى صارت هي المنهج والطريق، فاختلت مقاييس البشر حتى عاثوا في الأرض مفسدين، وغرقوا في الجهالات ضالين، وقد أحاطت بهم إحاطة السوار بالمعصم.
عاش الناس حينئذ في جاهلية ظلماء، فكان عيشهم نكدًا، حلت بدنياهم الآفات المميتة للقلوب، وأصابتهم أمراض أخلاقية غربية لا يقرها شرع منزل ولا يرضاها عرف منصف، أو عقل عاقل، أو قانون عادل، قد طمست كل جميل بقوتها وسيادتها.
وقد روي أنّ رسول الله ﷺ قال ذات يومٍ في خطبته: «ألا إنّ ربي أمرَني أن أُعلّمكم ما جهلتم مما علّمني، يومي هذا: كل مال نحلتُه عبدًا حلالٌ، وإني خلقتُ عبادي حنفاًء كلهم،. وإنهم أتتهم الشياطينُ فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتهم أن يُشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا.. وإنّ الله نظر إلى أهل الأرض فمقتَهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهلِ الكتابِ» «رواه مسلم».
الموعد
حين حدث ذلك مَنّ الله على الكون كله، سمائه وأرضه، إنسه وجنه، منّ عليهم بأعظم منّة، وأتاهم الخير من حيث لم يحتسبوا، وهلّ عليهم هلال النور الحق بمولد النور، ومن ثم ببعثة النبي الخاتم، وآن أوان التغيير، وحان الصوت الحقيقة أن يقوى ويعلو وجاء الوقت ليظهر النور ويزول الظلام، قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾(سورة المائدة: 15)، فكان محمد ﷺ هو النور الذي أنار الله به الحق وأظهر به الإسلام ومحق به الشرك فهو نور لمن استنار به، وأنزل سبحانه وتعالى على النور نورًا، ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾(سورة الزمر: 28)، يبين للناس جميع ما يحتاجونه من أمر دينهم حتى يعرفوا الحق من الباطل، ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (سورة الأعراف: 157).
التغيير
كانت أكبر ظلمة تجثم على العقول، فتنتزع منها التفكير والعقل والإرادة هي ظلمة الكفر، وحين يغطي ذلك الكفر على القلوب يسلبها أجمل ما في الحياة، حب الله تعالى والإيمان به وتوحيده والتلذذ بالعبودية الخالصة له وحده.. ولما كانت القلوب أنواعًا كان القلب الأغلف -وهو قلب الكافر- هو السائد في ذلك الوقت حيث عبدت الأوثان وأشرك بالله، وجُحد باليوم الآخر والبعث والنشور والحساب، وضل المشركون، ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾(سورة فصلت: 5): أي في غلف مغطاة، ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (سورة الأنعام: 29).
لقد حان أوان التغيير الذي هو سُنة الله في كونه الواسع، وآن لهذه الأرض أن تتطهر، وحق لها أن تنير بعد حقبة مظلمة، فأرسل الله نبيه محمدًا ﷺ، وهو النور ليعيد إليها نور الإيمان، ويحيي فيها روح الفطرة، ويجدد ما درس من دين الناس، قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (16)﴾(سورة المائدة: 15 - 16).
وقال تعالي: ﴿رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (سورة الطلاق: ۱۱).
وقال: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (سورة الحديد: 9)، فقد أخرجهم الله به من ظلمات الكفر والجهالات إلى نور الإسلام والهدايات، وأخرجهم به من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد.
بشائر النور
وقد ذكر «أن آمنة بنت وهب أم رسول الله ﷺ كانت تحدث أنها أتيت، حين حملت برسول الله ﷺ، فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع إلى الأرض فقولي: أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، ثم سميه محمدًا، ورأت حين حملت به أنه خرج منها نور، رأت به قصور بصری، من أرض الشام» (1).
وأنها قالت: «لَقَدْ عَلِقْتُ بِهِ تَعْنِي رَسُول الله ﷺ فمَا وَجَدتُ له مَشقّة حتى وَضَعته، فلمَا فَصَل مني خرج مَعَهُ نورٌ أضَاء له ما بين المشرَق إلى المغرِب، ثُمّ وقعِ علىٍ الأرض مُعتمدًا على يديه، ثُم أخذ قَبَضة من ترابٍ فقَبضها ورَفَع رأسه إلى السماء، وقال بعضهم: وقع جاثيًا على رُكبتيه رافعُا رأسهُ إلى السّماء وخرج معهُ نورٌ أَضَاءت له قُصُور الشام وَأَسواقُها حتى رأيتُ أعناق الإِبل ببُصرىَ» (2).
وعن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك. قال: «دعوةُ أبي إبرَاهيم، وبُشرى عيسى ورات أمي حين حَبَلت كأنه خرج منها نورٌ أضاءت له بُصرى من أرض الشام» (3)، وروى الطبراني أن النبي ﷺ قال: «ورات أمي في منامها أنه خرج من بين رجليها سراج اضاءت له قصور الشام» «حسنه الألباني في صحيح الجامع، ص ٢٢٤».
السراج المنير
فلنتعرف على نبينا العظيم، السراج المنير، الذي قال له ربه عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا (46)﴾ (سورة الأحزاب: 45 - 46)، أي هاديًا من ظلم الضلالة فهو كالمصباح المضيء، وهو ضياء ينير لمن استضاء بضوئه وعمل بما أمَره.
ولنملأ قلوبنا بنور طاعته حتى نفوز ونغنم، فقد أخرجنا الله تعالى به من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، ومن ظلمة الشرك إلى نور التوحيد، ومن ظلمة الجهل إلى نور العلم، ومن ظلمة التقليد إلى نور الاتباع، ومن ظلمة الظلم إلى نور العدل، ومن ظلمة الفرقة إلى نور الاتحاد، ومن ظلمة الشقاق والتناحر إلى نور الألفة والأخوة، ومن ظلمة المعاصي إلى نور الطاعات، ومن ظلمة الأخلاق السيئة إلى نور صالحها وحسنها.. لذا فإن من اتبع هدى الله باتباع نبيه آثار الله بصيرته وإن لم يكن مبصر العينين، ولن يضل ولن يشقى.. أما من آثر الظلام وأبتعد عن طريق النور أو أنحرف فقد طبع على قلبه وأطفئ نور بصيرته فخسر كل شيء يحييه، وكان كمن يمشي معصب العينين.
الهوامش
(1) «السيرة النبوية» لابن هشام، ص 158.
(2) «الطبقات الكبرى» لابن سعد، ذِكر مَولِد رسُول ﷺ، رقم الحديث (199).
(3) ابن كثير «البداية والنهاية».