; ميلوسيفيتش كبير مجرمي الصرب | مجلة المجتمع

العنوان ميلوسيفيتش كبير مجرمي الصرب

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-1995

مشاهدات 99

نشر في العدد 1179

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 12-ديسمبر-1995

-في استخفاف واضح بعقول البشر تحول سلوبودان ميلوسوفيتش- رئيس صربيا- إلى رجل محب للسلام والعدل ووضع في كفة واحدة مع الرئيس البوسني علي عزت بيجوفيتش، ذلك المكافح المناضل المجاهد الذي أجمع العالم طوال السنوات الأربع الماضية على أنه رجل صاحب قضية عادلة يسعى لإنقاذ شعبه من براثن الصرب الغادرين، فإذا كان هذا هو عزت بيجوفيتش، فمن هو سلوبودان ميلوسوفيتش الذي وضعه الأمريكيون مع عزت بيجوفيتش في كفة واحدة؟

-ولد «سلوبودان ميلوسوفيتش» في (١٩٤١م) لأب كان قسيسيًّا أرثوذوكسييًّا من صرب الجبل الأسود، وقد نشأ «ميلوسوفيتش» نشأة شيوعية خالصة منذ نعومة أظفاره، حيث انخرط في رابطة الشيوعيين، وبرز كقائد طلابي وهو في الثانية عشرة من عمره، ورغم ما عُرف عنه من انطوائية وعدم مخالطة الآخرين في بداية شبابه، إلا أنه أظهر نشاطًا في مجال الأعمال الشعبية وهو في المرحلة الثانوية، مما أهله ليكون أحد قادة الطلبة أثناء دراسته الحقوق في جامعة بلجراد، وبعد تخرجه من الجامعة عام (١٩٦٤م)، لم يعمل في مجال المحاماة، وإنما التحق بوظائف مختلفة في الدولة في مجال الاقتصاد، حيث عمل في عام (١٩٦٦م) مستشارا اقتصاديًّا لمحافظ بلجراد، ثم نائب مدير عام لإحدى شركات النفط والغاز عام (١٩٦٩م)، ثم رئيسًا لاتحاد مصارف بلجراد بعد توليه رئاسة بنك بلجراد في الفترة من (۱۹۷۸) وحتى (۱۹۸۳م)، وقد تعرف ميلوسوفيتش على «ميرامار كوفيتش» الأستاذة في جامعة بلجراد والتي تنتمي إلى إحدى العائلات المؤثرة في يوغسلافيا، حيث تزوجها، وكان زواجه منها هو بداية طريقه لارتقاء المناصب العليا داخل الحزب الشيوعي، ففي عام (۱۹۸۷م) أصبح رئيسًا لرابطة الشيوعيين الصرب التي صارت في عهده أقوى وأهم من رابطة الشيوعيين اليوغسلاف، وبدأ ميلوسوفيتش يحيي آمال الصرب في إقامة صربيا الكبرى، حيث تبنى تنفيذ بنود وثيقة لم تنشر أعدتها الكنيسة الأرثوذوكسية في عام (١٨٤٢م)!

-حددت فيها أحلام الصرب ومطامعهم في البلقان، مما دفع الصرب للالتفاف حوله على أنه الرجل الذي سيحقق أمجاد الصرب في دولتهم المنشودة، وأخذت صور ميلوسوفيتش ترتفع في الشوارع، وفي البيوت والمكاتب لتزيح صور تيتو وتحل محلها. 

-وعندما بدأ نجمه يلمع توجه في عام (۱۹۸۷م) إلى كوسوفو التي تزيد نسبة المسلمين فيها عن (٩٠%) فيما لا يزيد الصرب عن (10%) فقط من السكان، والقي خطابًا شهيرًا في صرب كوسوفو قال لهم فيهك اطمئنوا... فلن يستطيع أحد بعد اليوم أن يرفع يده ويضربكم إنكم أصل كوسوفو وبعدما بدأت تترسخ أقدامه وتزداد شعبيته، أخذ يطيح بأصدقائه الذين كان لهم الفضل في بروزه وتصعيده ليصبح زعيمًا لرابطة شيوعيي صربيا، وكان من أبرز هؤلاء: إيفان ستامبوليتش، الذي كان رئيسًا لجمهورية صربيا، ودراغيتشا باملوفيتش - رئيس رابطة شيوعيي بلجراد - حيث أزاحهما من طريقه في عام (۱۹۸۸م)، وفي عام (۱۹۸۹م) بدأ ميلوسوفيتش أولى خطواته لتوحيد صربيا الكبرى، فأعلن بصفته رئيسيًّا لرابطة شيوعي صربيا .

-إلغاء الحكم الذاتي الذي كان قد منحه تيتو لكوسوفو وفويفودينا معلنًا ضمها إلى صربيا، مما أضاف له رصيدًا قويًّا لدى الصرب، جعلهم يختارونه رئيسيًّا لصربيا في الانتخابات التي جرت في مايو عام (١٩٨٩م).

-ويعيش ميلوسوفيتش حياة أسرية محطمة منذ نعومة أظفاره فأبوه كان قسيسَا أرثوذكسيًّا انتحر في عام (١٩٤٩م)، وأمه التي كانت زعيمة شيوعية انتحرت شنقًا في عام (١٩٧٤م)، وزوجته التي تنتمي إلى أسرة شيوعية ارستقراطية لازالت تتمسك باسم عائلتها حتى الآن.

-وترفض في احتقار له رغم انه أصبح رئيسًا للدولة أن تغير اسم عائلتها باسم عائلته على غرار ما يفعل الغربيون، وقد وصفها الصحفي البريطاني فيليب جيلي- مراسل «الجارديان» - بأنها امرأة مستبدة» وأن ميلوسوفيتش لا يشعر بالراحة إلا بعيدًا عنها، أما ابنه وابنته فعلاقته بهما سيئة للغاية، فابنته ماريجا التي تبلغ الثالثة والثلاثين قد فشلت في الزواج، وفشلت في العمل الصحفي، وابنه ماركو الذي يبلغ الثانية والعشرين يعيش معزولًا عنه، وليس لميلوسوفيتش أصدقاء سوى طبيب متخصص في أمراض السكر هو الذي يعالجه، ويتعامل ميلوسوفيتش مع من حوله بعدوانية وازدراء، حتى أنه قد نهر كلا من رادوفان كاراذيتش ورادتكو ميلاديتش عدة مرات علنيًّا وفي حضور ديبلوماسيين غربيين، ويتعامل معهم بصيغة الأوامر، ويصف علماء النفس ميلوسوفيتش بأن تصرفاته وشخصيته الدموية العدوانية أشبه تكون بشخصيات ستالين، وهتلر، ونيرون.

-وكان اختيار ميلوسوفيتش رئيسيًا لصربيا في مايو (۱۹۸۹م) هو بداية طريقة لاحتواء سلطات الدولة وتسخيرها لتحقيق حلم الصرب الكبير بإقامة صربيا الكبرى على أطلال البوسنة، وكرواتيا، وكوسوفو والسنجق، وأخذ ميلوسوفيتش يتبنى خطابًا صربيًّا معاديًّا لكل ما هو غير صربي خاصة كل ما هو إسلامي، فعقد مؤتمر في ٢٨ يونيو ۱۹۸۹م بمناسبة مرور ستة قرون على معركة «كوسوفو» الشهيرة التي انتصر فيها المسلمون الأتراك على الصرب، ونشروا بعدها الإسلام في البلقان، وعمد ميلوسوفيتش على إبراز الجانب العقائدي في هذا الاحتفال الكبير، فجمع لأول مرة في تاريخ يوغسلافيا الشيوعية كبار رجال الكنيسة الأرثوذوكسية إلى جوار القادة الشيوعيين، وقام خطيبًا في الجموع، مذكرًا إياهم بهزيمة أجدادهم على أيدي المسلمين الأتراك الفاتحين قبل ستة قرون، وقال: إنه قد حان الوقت لاسترداد أمجاد الصرب والقضاء على الأصولية الإسلامية، وقال ميلوسوفيتش: «أنا خط الدفاع الأول عن المسيحية ضد الأصولية الإسلامية»، وقد مكنت هذه اللهجة ميلوسوفيتش من أن يحقق- بحزبه- الذي سماه الحزب الاشتراكي، وهو البديل لرابطة شيوعي صربيا - نجاحًا كبيرًا في الانتخابات البرلمانية التي عقدت في عام (۱۹۹۰م)، حيث قام بعدها بتهيئة الصرب للقيام بحملة إبادة واسعة ضد المسلمين لينتزع منهم البوسنة ثم كوسوفو والسنجق بعدها، وأخذ الإعلام الصربي يثير رعب الصرب من المسلمين، ويملأ نفوسهم بالحقد عليهم، ثم بدأ حملة قوية في أبريل (۱۹۹۲م)، كان لتليفزيون بلجراد الدور الرئيسي فيها حيث شن حملة ضد المسلمين وصفهم بالإرهابيين والمتطرفين، ونشر تقارير مكذوبة تفيد بأن مسلمي البوسنة قد بدأوا حملة إبادة ضد صرب البوسنة، وأنهم قد قتلوا أطفال الصرب وأطعموا لحومهم لحيوانات حديقة الحيوان في سراييفو، ثم أخذ يؤجج نيران الكراهية في نفوس الصرب ضد المسلمين عسكريًّا بعدما أججها دعائيًّا، ودعم صرب البوسنة بثلاثين ألف صربي وقام بتسليحهم تسليحًا قويًّا، حيث بدأوا في إبريل (۱۹۹۲م)، حرب الإبادة العرقية الرهيبة ضد مسلمي البوسنة، تلك الحرب التي رغم ما نشر عنها من فظائع فإن عشرات الآلاف من القتلى المسلمين من نساء وأطفال وعجائز لم يرووا كثيرًا من فصولها التي ماتت معهم، وبقي عشرات الآلاف من المعتقلين والمشوهين لم يتحدثوا بعد. 

-مع كل هذا تأتي أمريكا اليوم وتساوي الجاني بالضحية، ويجلس ميلوسوفيتش في «دايتون» على أنه رجل سلام، وهو الذي أشعل جذوة الحرب ضد المسلمين، ويداه بل وجسده كله ملطخ بدمائهم..  فأي استخفاف هذا الذي يتم بعقول البشر؟ وأي سلام هذا الذي يكون مصاص الدماء ميلوسوفيتش طرفًا فيه؟.. إن ما حدث في «دايتون» ليس سوى فصل جديد من فصول المأساة التي يعيش فيها مسلمو البوسنة منذ سنوات، وحلقة جديدة من حلقات التدليس السياسي التي يقوم بها زعماء النظام العالمي الجديد.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1132

69

الثلاثاء 03-يناير-1995

المجتمع التربوي: 1132

نشر في العدد 1126

89

الثلاثاء 22-نوفمبر-1994

أسرار .. من مصادر المجتمع (1126)