; نابليون بونابرت والمسألة اليهودية | مجلة المجتمع

العنوان نابليون بونابرت والمسألة اليهودية

الكاتب وحيد حمزة هاشم

تاريخ النشر الثلاثاء 29-أكتوبر-1996

مشاهدات 57

نشر في العدد 1223

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 29-أكتوبر-1996

قبل مائتي عام، وبالتحديد في عام ١٧٩٦م، عُين نابليون بونابرت قائدًا للجيش الفرنسي في إيطاليا كمكافأة له على بطولاته الحربية في طولون وباريس، وعلى الرغم من ضعف جيشه وحالته المزرية، فقد تمكن نابليون من هزيمة الجيوش النمساوية والإيطالية المناوئة لفرنسا، وفرض الصلح على الطليان، واستمر في محاربته للجيوش النمساوية وانتصاره عليها حتى أصبح على أبواب العاصمة النمساوية فيينا.

وبعد انتهائه من المعارك على الأراضي الأوروبية انتقل نابليون بونابرت إلى الحملة المصرية في يوليو «تموز» من عام ۱۷۹۸م، وكان هدفه الأول كما يُقال هو تهديد طرق التجارة العالمية، ومنها طريق بريطانيا إلى الهند إلا أن نقطة الضعف الرئيسية في القوات الفرنسية كانت في قدراتها البحرية العسكرية مقارنة بالقوة البحرية العسكرية البريطانية، ولذلك لم ينجح نابليون في تلك الحملة، كما يقولون.

ولكن وعلى الرغم من ذلك الضعف تمكن نابليون من غزو مصر، ولكنه فشل في التوسع شرقًا؛ إذ وقفت في وجهه بصلابة وبصرامة مدينة عكا في فلسطين، وما انهارت أمام حصاره لها، فعاد إلى فرنسا، وترك الجيش والحكم في مصر تحت عهدة القائد «كليبر».

عودة نابليون إلى فرنسا كانت بداية حروب أوروبية طويلة بدأت من عام ۱۷۹۹م، وحتى نفيه إلى جزيرة «هيلانة» النائية وموته فيها في عام ۱۸۲۱م، بمعنى أن الحروب النابليونية في أوروبا استمرت حوالي اثني وعشرين عامًا.

ولنا أن نتساءل هنا: ما طموحات نابليون بونابرت؟، ولماذا؟، ولماذا حاول نابليون احتلال أوروبا بكاملها؟.

من الواضح المؤكد تاريخيًّا أن طموح نابليون الوحيد كان هو توحيد أوروبا تحت قيادته، وكانت وسيلته الرئيسية في ذلك استخدام القوة العسكرية، ولكن إجابة السؤال لماذا أراد توحيد أوروبا بكاملها تحت إمرته «على الرغم من أن هذا الهدف لم يتحقق على مدى التاريخ إلا إبان الإمبراطورية الرومانية، ولفترة قصيرة من الزمن بعدها استقلت دول أوروبا منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم»، لم يحسم بشكل موضوعي ونهائي من قبل المؤرخين سواء في أوروبا أو في العالم العربي.

بل إن محاولات نابليون بونابرت لتوحيد أوروبا تحت إمرته وفشله في تحقيق ذلك الهدف ونهايته المؤلمة منفيًّا في جزيرة هيلانة لم تكن درسًا سياسيًّا ولا عسكريًّا كافيًا لـ«أدولف هتلر» الزعيم النازي، الذي حاول بدوره توحيد أوروبا تحت إمرته، ولكنه فشل ومات بدوره منتحرًا.

ولعل الإجابة التي استشفها بعض من فقهاء السياسة الدولية على أهمية احتلال أوروبا والسيطرة عليها، هي النظرية التي ترى بأن «من يحتل أوروبا ويسيطر عليها، سيحتل العالم بأسره ويخضعه تحت سيطرته»، وهذا بالفعل ما أراد تحقيقه نابليون بونابرت ومن بعده الزعيم الألماني النازي أدولف هتلر، ولكن لماذا؟

وما هو الهدف الهام والخطير الذي أراد نابليون بونابرت تحقيقه من وراء تفكيره المستمر في احتلال أوروبا بأسرها، والذي أدى بالفعل إلى محاولته تلك التي باءت بالفشل بعد سنين طويلة من حروب دامية، عصفت بالقارة بأسرها؟

 لكي نجيب على هذا السؤال بل والتساؤلات العديدة التي تتمخض عنه لا بد لنا من دراسة الفكر النابليوني في إطار عوامل التاريخ القديم والدور الفرنسي في أوروبا في ذلك الوقت وقبل ذلك بعدة قرون، وربط ذلك الدور التاريخي في إطار حملة نابليون الفاشلة للتوسع شرقًا إلى فلسطين.

ومن هنا فإن السؤال الذي نود طرحه هنا في ذاكرة التاريخ، لماذا أراد نابليون غزو فلسطين واحتلالها؟، ويقودنا هذا السؤال إلى تساؤل آخر هو: هل يمكن بالفعل كما يذكر في التاريخ أن هدف نابليون من غزو مصر وفلسطين هو تهديد التجارة البريطانية العالمية وخصوصًا إلى الهند، وهل يمكن تحقيق ذلك الهدف من فلسطين؟

الإجابة بالطبع لا، فتهديد التجارة البريطانية الهندية والبريطانية العالمية لا يمكن تحقيقه عسكريًّا من مصر أو فلسطين، بأي حال من الأحوال، لا سيما إذا ما علمنا بأن طريق رأس الرجاء الصالح كان الطريق الرئيسي للهند وللتجارة العالمية، وأن فكرة شق قناة السويس لم تكن حقيقة واقعية في ذلك الوقت.

ولذلك فإن توجه نابليون شرقًا إلى فلسطين كان له هدف آخر مغاير تمامًا لما قيل ويُقال عن محاولته لفتح فلسطين، بمعنى أن حروب نابليون في مصر كان هدفها الأول والأخير هو الوصول إلى فلسطين واحتلالها، والوصول إلى فلسطين يعني الوصول إلى بيت المقدس، والوصول إلى بيت المقدس كان هدفًا صليبيًّا وحلمًا صليبيًّا لم يتحقق منذ أن هزم الصليبيون في معركة حطين وخروجهم من فلسطين بكاملها بعد ذلك بعدة عقود من الزمن، والقائد الذي يحتل بيت المقدس ويعيده إلى الصليبيين يعني تبوء مقعد القيادة الأوروبية.

حقيقة إن نابليون قد فتح بغزوه لمصر صفحة المسألة الشرقية مرة أخرى، وأطلق شرارة النهضة عن طريق إبراز معالم التحدي الغربي للشرق وللإسلام، وبواسطة إدخال المخترعات الغربية الحديثة مثل آلات الطباعة وغيرها، ولكن الحقيقة التي أغفلها بعض المؤرخين سواء عن قصد أو غير قصد، بحسن نية أم بتعمد مع سبق الإصرار والترصد، هي أن نابليون بونابرت وجه نداء إلى اليهود يستحثهم فيه على «إعادة بناء الهيكل» والعودة إلى فلسطين، وهو نداء ومحاولة لاستمالة اليهود إلى جانبه والاستفادة من قدراتهم المالية وخصوصًا أموال وزير مالية عكا، الذي كان يهوديًّا في ذلك الوقت.

ولقد فشل نابليون بونابرت في احتلال فلسطين بصورة مباشرة في بداية حياته، وإبان حملته على مصر وتوجهه شرقًا باتجاهها، وفشل أيضًا مرة أخرى وبصورة غير مباشرة عندما حاول تحقيق ذلك الهدف عن طريق توحيد أوروبا تحت إمرته، ولكن ومع الأسف تحقق ذلك الهدف من الناحية التخطيطية الشفهية بعد مائة وثمانية عشر عامًا تحت مسمى وعد بلفور في عام ۱۹۱۷م، وتحقق ذلك الهدف من الناحية العملية الفعلية في عام ١٩٤٨م، أي بعد حوالي قرن ونصف من محاولة نابليون، وبالتحديد بعد الانسحاب البريطاني من فلسطين وتسليم السلطة والقوة لليهود.

الرابط المختصر :