العنوان نابليون.. نقطة البدء في اغتصاب فلسطين
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 12-مايو-1998
مشاهدات 60
نشر في العدد 1299
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 12-مايو-1998
تاريخ القضية الفلسطينية مع مأساة الاغتصاب لم يبدأ مع قرار تقسيم فلسطين ولا مع قرار إلغاء الانتداب البريطاني . قبل خمسين عامًا ولا مع وعد بلفور عام ۱۹۱۷م ولا حتى مع مؤتمر بازل الصهيوني عام ۱۸۹۷م، فكل تلك التواريخ محطات في تاريخ القضية في إطار مسلسل التهام الأرض وتذويب الشعب واجتثاث القضية من جذورها.
إن التاريخ الحقيقي لقضية فلسطين تمتد بداياته إلى أكثر من قرن من الزمان عندما أطلق نابليون بونابرت نداءه الشهير ليهود العالم في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر معلنًا تبنيه لإنشاء وطن لهم في فلسطين، وبالطبع لم يصدر نداء نابليون حُبًا في اليهود بقدر ما كان مخططًا لتخليص أوروبا من شرورهم، وفي الوقت نفسه، لم يجد نابليون في إطار صراعه المرير مع الإمبراطورية البريطانية على التهام أراضي الخلافة الإسلامية لم يجد مطية يندفع بها إلى الشرق ويسبق بها بريطانيا إلى المنطقة سوى قضية الوطن القومي اليهودي، ومن ثم استخدم كل أدواته السياسية وآلاته الإعلامية في توليد الوعي لدى اليهود بأهمية وجود وطن قومي لهم، ولعب بذكاء على الوتر الديني، مجسدًا لهم أسطورة فلسطين «وطن اليهود الموعود»، وقد أختار نابليون فلسطين بالذات لزرع اليهود فيها حتى يتسنى له كسر الجبهة المنيعة التي تشكل زاوية قائمة من مصر وفلسطين وسورية، وتمثل سدًا حديديًا انكسرت عنده كل الموجات العسكرية الغازية.. وقد خطا نابليون في مشروعه هذا خطوات واسعة، واستطاع بالفعل أن يبلور الفكرة لدى اليهود حتى صاروا جاهزين لتحقيق حلمهم، لكن هزيمة نابليون في معركة واترلو عند سهول بلجيكا وتدمير أسطوله البحري في معركة أبي قير البحرية على أيدي القوات البريطانية، بددت مشروعه، فما كان من المؤسسة السياسية البريطانية إلا أن التقطت هذا المشروع وبدأت في تطبيقه بحذافيره، لتحقيق أحلامها في إقامة إمبراطوريتها في الشرق وقد خطت بريطانيا في إطار هذا المشروع خطوات أوسع في «نزح» اليهود إلى فلسطين.. فقد قام رئيس الوزراء البريطاني في ذلك الوقت «بالمرستون» بدراسة مشروع نابليون وراح يمهد له الطريق على أرض الواقع بمساعدة صهره اللورد «شافتسبيري» وصديقه اللورد روتشيلد، وتوثقت علاقات حاخامات اليهود مع الملكة فيكتوريا ملكة بريطانيا التي أعلنت -للمرة الأولى- حماية بريطانيا ليهود العالم، وسارت الأمور على هذا النحو حتى تولى «دزرائيلي» رئاسة الحكومة البريطانية، وهو أول وآخر يهودي يتولى هذا الموقع... وهنا أصبح إنشاء وطن لليهود عند الحكومة البريطانية عقيدة صهيونية أكثر منها ضرورة استعمارية، ولذلك انطلقت القضية بسرعة الصاروخ نحو احتلال فلسطين حتى وعد بلفور.
والناظر في هذه المسيرة سيجدها مسيرة داكنة وحالكة السواد، فهي حافلة بجبروت النظام الدولي وعدم مبالاته بمصائر أو حياة الشعوب أو حتى وجودها في الأصل، إذا كان ذلك الوجود يتعارض مع مصالحه، ولعل تعامل الولايات المتحدة والغرب عمومًا مع هذه القضية لا يختلف عن تعامل الغرب معها في القرن التاسع عشر، كما أن هذه المسيرة حافلة بالخيانات والتنازلات والاستسلامات، لكن خيطًا رفيعًا ظل يشق بنوره الحاد عتمة تلك المسيرة وظلامها، وقد تمثل ذلك الخيط في أولئك النفر القليل الذين وهبوا أنفسهم وأرواحهم فداء لفلسطين من عز الدين القسام.. حتى أحمد ياسين.. ولن ينقطع ذلك الخيط بمشيئة الله حتى تعود فلسطين لأهلها بعد أن تصبح مقبرة للصهاينة.