; معالم على الطريق.. نار الانتخابات.. وجنَّتها.. ونحن.. ولكن إلى أين؟ | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق.. نار الانتخابات.. وجنَّتها.. ونحن.. ولكن إلى أين؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يوليو-1999

مشاهدات 75

نشر في العدد 1358

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 13-يوليو-1999

المقصود الأول من الانتخابات للمجالس واللجان هو الأخذ برأي الشعوب في إثراء الحكم وتصويب القرار السياسي والاجتماعي لصالح الجماهير في الأمة، وصالح أهدافها العليا، كما أنها تعد في ذاتها التعبير الأشمل عن تحررنا من صنوف التبعية الفكرية والاقتصادية والسياسية والحضارية، وهذا بذاته يفسح المجال لمواطنين كاملي الحقوق لكي يؤسسوا صرحًا شامخًا من الإرادات القوية الصلبة، والنهضات الفتية الشابة التي تستطيع أن تحقق الطموحات والآمال وتجنب الأمة كثيرًا من المزالق والأهواء التي تفسد الحياة وتربط الأمة برباط الرأي الفردي والقرار الدكتاتوري، ويحضرني في هذا المجال قولة نهرو- الزعيم الهندي - لعبد الناصر - الزعيم العربي- وهما يسيران في رحلة ترفيهية في نيل مصر: «سيدي الرئيس: السلطة تفسد، والسلطة المطلقة تفسد فسادًا مطلقًا».

وانتفع نهرو بالمقولة، وأسس ديمقراطية سليمة لدولة متعددة الأعراق والديانات والطوائف تسقط فيها رئيسة الوزراء في الانتخابات في دائرتها، فتستقيل وتتوارى، ولم ينتفع بها عبد الناصر في بلد دينه واحد، ولغته واحدة، وعرقه واحد، ليعيش بالدكتاتورية أو الديمقراطية المزيفة، التي يستحيل أن يسقط فيها ولو حمال موال للسلطة، ولهذا تعجز البلاد عن حل كثير من مشكلاتها وينتهي بها الحال إلى صراع وتجارب مريرة تؤدي عادة إلى انقلابات عسكرية وعنف، وإقامة أشكال مختلفة من الحكم الفردي، وإلى تهميش دور الأمة وقتل إبداعاتها ووطنيتها وحماسها فتصاب بالسلبية وعدم المبالاة والتخلف ويتكرس ذلك فيها، حتى يأتيها منقذ يحرك المياه الراكدة ويمسح عن العقول والأفهام ما ران عليها من تخلف وجهالة، لأن الشعوب في الحقيقة هي التي تحمي حقوقها ومكاسبها وحرياتها ومصالحها، فإذا لم يكن لها دور في ذلك، فلا يمكن أن تنفعها دساتير أو قوانين مهما كانت سلامتها أو صياغتها. 

وأوضح دليل على هذا النموذج، نجده في أمريكا اللاتينية التي بدأت جميعًا بدساتير تكاد تكون صورة طبق الأصل عن الدستور الأمريكي بما في ذلك الطابع الاتحادي، وسلطات الاتحاد.. إلخ، وانتهى هذا كله بسلسلة من الحكومات الدكتاتورية التعيسة وعلى هذا، فالديمقراطية والدساتير ليست زينة أو زخرفة، أو لافتات تتوارى خلفها ذئاب وثعابين وعقارب، وتعلن أنها ديمقراطية، وإنما هي آليات وممارسات تسمح بإبراز دور الأمة وبتداول السلطة غدًا، وانتقاء الأصلح الذي يستطيع أن يحمل هموم الأمة ويخلصها من مشكلاتها، ويكشف الفساد ويأخذ بيد الأمة، ويحافظ على مصالحها الاجتماعية والسياسية، والإنسانية.

ولا نستطيع أن نزعم نحن ولا غيرنا أن الديمقراطيات ليست لها مسالب أو عيوب سواء كانت في العالم الثالث، أم في العالم المتحضر، ولكنها رغم ذلك فهي ضرورة لأنها هي التي تستثمر طاقات الشعوب وإبداعاتها، وهي التي تمنع الفساد وتراقب السلطات وتحافظ على كرامة الإنسان، كما أنها استقرت في الغرب بعد تجارب استمرت مائتي سنة أو أكثر شكلها لتوافق مزاجه وتوجهاته المادية والاجتماعية، ويحاول كل يوم أن يعدل فيها بما يظن أنه الأفضل، كما أن الديمقراطية قد تعددت الآن فأصبحت ديمقراطيات لتوافق تطلعات الشعوب وتوجهاتها وتراثها.

ومن العيوب التي يجب على الأمة الإسلامية تلافيها في النظام الديمقراطي أو الشورى هوى الناخبين الذين لم تتضح تطلعاتهم بعد، واللوبيات أصحاب المصالح الذين تتسع مصالحهم على حساب الناس أو الدولة والمجتمع، وقد يستطيع الناخب أو اللوبي هذا أن يشتري النائب أو الحكم، أو السلطة، وهذا أمر خطير قد يحول الفئة المثقفة، والمنفذة في الأمة إلى سلعة أو إلى إجراء يعملون لصالح الغير، ويتنازلون عن الكثير من مصالح الأمة والمجتمع، وهذا مرض ما حق قد استشرى حتى في أعظم الاسم ديمقراطية، ولنأخذ أمريكا كمثل حيث قبلت إسرائيل في الأمم المتحدة بفضل ضغوط اللوبي اليهودي على الحكم في أمريكا، ثم جاء «أيزنهاور» رئيسًا لأمريكا فتباطأ في تنفيذ قرارات إسرائيل خوفًا من أن يفقد البترول العربي، المصدر العجيب للقوة الإستراتيجية، وأحد الثروات الكبرى في تاريخ العالم، فجاء «ترومان» فخضع اللوبي اليهودي لأسباب انتخابية، وتناسى العرب وبترول العرب وثروتهم، وقال بصراحة في عام ١٩٤٦م أمام مجموعة من الدبلوماسيين: «أسف أيها السادة، لكن على أن أستجيب لمئات الآلاف الذين انتخبوني من اليهود، وليس لي بين الناخبين آلاف العرب».

هذا وقد صرح رئيس وزراء بريطانيا السابق «کليمنت اتلي» بالشهادة التالية: «كانت سياسة الولايات المتحدة في فلسطين تصاغ بالصوت اليهودي، وبالمعونة تقدمها الكثير من الشركات التجارية اليهودية الكبرى للمرشحين، ففي عام ١٩٥٨م كلف «مؤتمر رؤساء» الرابطة اليهودية رئيسه «كلونزنيك» الاتصال بكندي المرشح المحتمل لرئاسة الولايات المتحدة ليحادثه في أمر تمويل حملته الانتخابية فقال لكندي بفجاجة إذا قلت ما ينبغي أن تقوله لمصلحتنا استطعت أن تعتمد علينا.. وقال كندي وعمل بتلك النصيحة في عام ١٩٦٠م عندما اختاره المؤتمر الديمقراطي مرشحًا، فصرح بما ينبغي في نيويورك أمام شخصيات يهودية فظفر بـ (٥۰۰۰۰۰) دولار من أجل حملته الانتخابية، وبكلوتزنك مستشارا وبـ 80٪ من الأصوات اليهودية.

وفي أثناء اللقاء الأول بين بن جوريون وجون كندي في فندق «والدورق استوريا» في نيويورك في ربيع ١٩٦١م، قال له كندي: «أنا أعلم أني انتخبت بفضل اصوات اليهود الأمريكيين أنا مدين لهم بانتخابي قل لي: ما الذي ينبغي أن أفعله للشعب اليهودي».

 وبعد كندي مضى «جونسون» إلى أبعد من ذلك، كتب دبلوماسي إسرائيلي يقول: لقد فقدنا صديقًا عظيمًا، لكنا وجدنا صديقًا أفضل.. هو جونسون أفضل الأصدقاء الذين عرفتهم إسرائيل في البيت الأبيض، بفضل أصوات اليهود، وعندما جاءت جولدمائير إلى الولايات المتحدة في عام ۱۹۷۹م شبهها نیکسون بنبية بني إسرائيل التوراتية وأوسعها مدحًا وتبجيلًا، وأعطاها ٤٥ طائرة فانتوم زيادة على حصة إسرائيل وأضاف إليها ٨٠ قاذفة سكايهوك، لهذا قد تشترى الديمقراطيات ويشترى الرؤساء والنواب وأظن أن النظام الإسلامي يعالج كل هذه الخطايا الكثيرة: لقول الرسول ﷺ: «نحن لا نولي هذا الأمر من طلبه، وقوله: «من ولي من أمر المسلمين شيئًا فأمر عليهم أحدًا محاباة فعليه لعنة الله، حيث جعل الإسلام الاختيار دينًا، والنيابة وتقليد المناصب دينًا، يحاسب الإنسان عليه دنيا وأخرى، وممكن أن يوضع لذلك قانون لو أراد المسلمون أن يسيروا على أمر دينهم، ولكن هل يريدون ذلك أم نظل حتى بدون ديمقراطيات، ولا شوري، ونكتوي بنار الدكتاتوريات، ونستنشق دخانها الخبيث، ولكن إلى اين وإلى متى؟

الرابط المختصر :