; قد تفرز واقعًا جديدًا يؤدي إلى تغيير خارطة البلاد السياسية.. نتائج انتخابات العراق .. مؤشرات ودلالات | مجلة المجتمع

العنوان قد تفرز واقعًا جديدًا يؤدي إلى تغيير خارطة البلاد السياسية.. نتائج انتخابات العراق .. مؤشرات ودلالات

الكاتب د. أكرم المشهداني

تاريخ النشر السبت 21-فبراير-2009

مشاهدات 51

نشر في العدد 1840

نشر في الصفحة 26

السبت 21-فبراير-2009

  • من أبرز النتائج: تفكك الائتلاف الطائفي.. فشل مشاريع التقسيم و«الفيدرالية».. عودة السنة إلى الموصل وديالى والأنبار وصلاح الدين
  • الحزب الإسلامي يرفض أساليب الابتزاز السياسي ويدعو إلى الاحتكام للقانون ونتائج الانتخابات 
  • الهدف الأسمى بعد الانتخابات يتمثل في إخراج الاحتلال من العراق وعودة السيادة على أرضه ومياهه وثرواته

نتائج انتخابات مجالس المحافظات العراقية الأخيرة لها تداعيات وإفرازات مثيرة، فالعنوان الأبرز هو بداية اندحار مشاريع الطائفية والفيدرالية والتقسيم ولا نقول: إنه «اندحار نهائي»؛ بل يمكن وصفه بأنه يُشكل خطوة خجولة أولى»، ستلحقها بالتأكيد -إن توافرت ظروف حرية الاختيار- خطوات أخرى أكثر وضوحًا وحسمًا وشجاعةً، وبخاصة خلال الانتخابات البرلمانية في ديسمبر القادم، التي تعد الصيد الكبير والثمين على طريق مستقبل العراق.

وكان من أهم نتائج الانتخابات تفكك وتشرذم «الائتلاف الشيعي» الذي خاض الانتخابات السابقة؛ متسلحا بدعم من المرجع الشيعي الأعلى، إلا أن «السيستاني» في هذه الانتخابات تنحى جانبا ورفض إعطاء دعمه لأي قائمة، واكتفى بـ«حث الناس» على المشاركة، واختيار من يرونه الأنسب والأكفأ، ولعله استقرأ حالة التذمر الشعبي العام تجاه أداء مجالس المحافظات، التي كانت تقاد من قبل أدعياء الولاء للمرجعية.

كما أن من بين جملة قراءات النتائج الانتخابية كان تراجع نهج الفيدرالية والتقسيم الحساب الدولة المركزية، فقد فشل مشروع الاستفتاء على إنشاء إقليم البصرة ولم يستطع مروجوه جمع الحد الأدنى من توقيعات المؤيدين له من بين أبناء البصرة أنفسهم الذين يُفترض فيهم أن يكونوا أكثر تحمسًا للمشروع! كما سجلت النتائج تناميا لبعض القوى العلمانية ذات الخطاب الوطني کرد فعل تجاه الخطاب الطائفي.

ثم إن مدينة عربية عريقة كالموصل عادت لتؤكد عروبتها، بعد أن كان العرب قد تغيبوا عن الانتخابات الماضية، مما أفسح المجال للأحزاب الكردية للاستحواذ على مقاعد المجلس المحلي للموصل، وقد فازت قائمة الحدباء العربية بـ ٤٨٪، تلتها قائمة «نينوى المتآخية» بـ ٥،٢٥٪، تلاها الحزب الإسلامي ٦,٧٪.

المعادلة الطائفية

ويبدو أن عنوان «تصحيح المعادلة السياسية والطائفية» في العراق هو الأكثر دقة لوصف نتائج انتخابات المجالس المحلية؛ إذ عاد العرب السنة للمشاركة بقوة في الانتخابات بعد تغيبهم عن الانتخابات الماضية، وهو ما كان وبالا عليهم، وأدى إلى تهميش دورهم، وعزلهم بل واضطهادهم، وجعلهم عرضة لفرق الموت والتعذيب في معتقلات وزارة الداخلية. 

ورغم أن مشاركة السنة كانت ضعيفة نسبيًا ولا تمثل نسبتهم الحقيقية، ورغم أن قوى كثيرة لا تزال تحرّم عليهم المشاركة في الانتخابات في ظل الاحتلال، إلا أن النتائج التي أعلنتها مفوضية الانتخابات أكدت تصاعد نسبة المشاركة في المحافظات العربية السُّنية، وتجاوزها نسبة ٦٠٪ على عكس المحافظات الشيعية التي كانت نسبة مشاركتها 43٪، وبمعدل عام لكل العراق بلغ ٥١٪، وهي نسبة منخفضة، خاصة إذا ما علمنا أن هناك حوالي خمسة ملايين مهجَّر ومهاجر (داخل وخارج العراق) لم يُعطوا الفرصة للمشاركة في الانتخابات (أغلبهم من السنة).. ولا شك أن الانتخابات القادمة إن أجريت في ظروف طبيعية وعادلة ومتوازنة فإنها سوف تعزز من النتائج التي أفرزتها هذه الانتخابات وتلغي أكذوبات الأقلية والأكثرية!

لقد أظهرت نتائج الانتخابات المحلية المعلنة تصدر اللائحة التي يرأسها رئيس الوزراء نوري المالكي «ائتلاف دولة القانون» في بغداد وثماني محافظات جنوبية، على حساب المجلس الأعلى بزعامة عبدالعزيز الحكيم الذي كان مهيمنا على محافظات الجنوب، باستثناء محافظة كربلاء (معقل حزب الدعوة) حيث حلت ثالثًا.

وتمثل كربلاء إحدى أبرز مفاجآت الانتخابات، حيث فاز المرشح المستقل يوسف الحبوبي بنسبة 13% من أصوات أهالي كربلاء، الذين يحنون إلى أيام كان فيها «قائمقام المدينة» في زمن النظام السابق! وتمثل هذه النتائج أيضًا تحولا يبتعد عن السياسة الطائفية العلنية التي أحكمت قبضتها على العراق منذ احتلاله عام ٢٠٠٣م.

اتهامات وتهديدات

الاتهامات النارية المتبادلة بين مختلف القوى المشاركة في الانتخابات حول حصول عمليات تزوير وتلاعب أعادت إلى الأذهان تصريحات الأخضر الإبراهيمي مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى العراق عام ٢٠٠٤م، التي قال فيها: «إن كثيراً من العراقيين مازالوا بحاجة إلى مزيد من التأهيل الديمقراطي». 

وقد أظهرت الاتهامات أن هناك قوى مازالت ترفض الاعتراف بالهزيمة، لأنها لا تعرف الروح الرياضية الحقة ولا مبدأ القبول بالخسارة كأمر طبيعي في المنافسات الانتخابية في حين أن رئيس الوزراء نوري المالكي أكد نجاح انتخابات مجالس المحافظات نافيا حدوث عمليات تزوير أو تجاوزات كبيرة أثناء الاستحقاق.

وكانت محافظة الأنبار قد شهدت تهديدات من قبل كل من «حميد الهايس» رئيس قائمة عشائر الأنبار، وهو شخص ممقوت من أهالي المحافظة، ومعه «أحمد أبو ريشة» أحد زعماء ما تُسمى بالصحوات التي استحدثها الاحتلال الأمريكي لمواجهة تنظيم القاعدة نيابة عنه. 

فالمذكوران هددا بأنهما سيحوّلان شوارع مدينة الرمادي إلى حرائق إذا أعلنت المفوضية العليا للانتخابات فوز مرشحي قائمة الحزب الإسلامي (تحالف المثقفين والعشائر للتنمية)! وهو تهديد سافر أربك الأوضاع الأمنية في الرمادي، وشكل ممارسة ابتزاز صريح ضد المفوضية العليا ولكن تحالف الإسلامي والعشائر أجاب ببيان أكد فيه أنه أحرص الناس على سلامة الأنبار وتعزيز أمنها وأنه لن يلجأ إلا للوسائل القانونية لاسترداد حقوقه وحقوق ناخبيه.

الحزب الإسلامي: ويبدو أن أطرافاً في الحكومة الطائفية وتيارات منافسة للحزب الإسلامي استغلت الأوضاع لتأجيج الخلاف لأهداف معلومة؛ بهدف تشويه سمعة الحزب الإسلامي، الذي لولا مشاركته في الانتخابات الماضية والحالية لما تشجع العرب السنة لخوض غمار هذه المعركة الانتخابية لإثبات الوجود. 

إن إشعال شوارع الرمادي، والتهديد بالحرب ضد الحزب الإسلامي أو ضد اللجنة الانتخابية، أمر سيئ لن يكون ضحاياه إلا الأبرياء، فضلا عن أنه سيؤدي إلى فلتان أمني خطير قد لا يستطيع الشيوخ أنفسهم تجنبه.. وليس أمام شيوخ الأنبار وغيرهم إلا أن ينصاعوا إلى الحل الديمقراطي وبطاقات الاقتراع، الذي سيقودهم إلى نهاية المطاف»، أي اتباع الأساليب القانونية في إثبات الحقيقة.

آمال وتطلعات

ومهمًا تكن الأمور فإن النتائج ستفرز واقعًا سياسيًا جديدًا، وستغير الخارطة السياسية العراقية، وستكون محلا لاختبار مصداقية الساسة العاملين في الساحة العراقية، فيما لو كانت النتائج قد أنت على عكس ما يشتهون، ولم يكن لتوقعاتهم في الفوز من أثر، مما سيضعهم في دائرة التساؤل من قبل طبقاتهم الشعبية ومؤيديهم عن سبب هذا الانتكاس.

ليس مهمًا أن نطعن في النتائج بالتزوير أو التلاعب وهذا ما يرتكبه الساسة الذين تأتي نتائج الانتخابات بما لا تشتهي سفن طموحهم، لأن التحدي الأكبر الذي يواجهه السياسيون هو القبول بنتائج الانتخابات مهما كانت والتسليم للواقع الانتخابي، احترامًا لقواعد اللعبة وتسليم السلطة وانتقالها سلميا بدون ضجيج بعيدا عن دعاوى التزوير أو الاحتيال، لأنها لغة الخاسر دائما دون الفائز.

ويأمل الناخب العراقي من الأحزاب الفائزة أن تتسم بالنزاهة والعمل والتفاني في خدمة المجتمع، وأن تثبت نفسها في الساحة كبديل أمثل لطموحات الجماهير من خلال تطوير وتحسين أدائها الإداري والخدمي، ويتطلع الناخبون إلى تطوير العملية السياسية بشكل أفضل على كل المستويات، دون الهيمنة والقبض بيد واحدة على مراكز القرار مما يؤدي الى الاحتقان.

هدف أسمى

وعلى القوى والكتل التي خسرت مقاعدها أن تحاول إعادة النظر في برامجها وخطابها وممثليها وأدائها السياسي والإداري والخدمي وأن تعالج مواطن الخلل في الانتخابات المقبلة، فهذا لا يعني خروجها من العملية السياسية بل سيكون دورها رقابيًا على سلوك وأداء الأحزاب الفائزة.

وعلى الأحزاب التي وصلت إلى سلطة القرار من خلال صناديق الاقتراع أن تدرك مصلحة المجتمع والمواطن، وتقدر مدى الحاجة إلى تأسيس دولة حقيقية قوية بإطار قانوني منظم؛ تكفل فيها الحريات العامة والعيش المشترك على أساس المواطنة وليس على أساس المذهب والعرق، وإن الهدف الأسمى للعراقيين في هذه المرحلة هو إخراج قوات الاحتلال من العراق وتمتع العراق بكامل سيادته على أرضه ومياهه وثرواته.

الرابط المختصر :