العنوان نحن وتركيا.. بعد «أسطول الحرية»
الكاتب سالم الفلاحات
تاريخ النشر السبت 24-يوليو-2010
مشاهدات 66
نشر في العدد 1912
نشر في الصفحة 34
السبت 24-يوليو-2010
ربما ظن الناس في بلادنا، بما لا يقبل المراجعة، أن تركيا قد غادرت هذه الأمة وتغربت؛ فغيرت «دينها» ولسانها وقلمها وحرفها واهتماماتها وأخلاقها، وحتى أذانها للصلاة، فقد أصبح ممنوعًا بالعربية، وكان جريمة يعاقب عليها قانون «مصطفى كمال» حتى جاء «عدنان مندريس» ليعيده إلى العربية؛ فكان جزاؤه - يرحمه الله - الإعدام!!، وهرولت تركيا بثياب العلمانية «الكمالية» نحو أوروبا وأمريكا، وحتى الكيان الصهيوني، طامعة في قبولها عضوًا في الاتحاد الأوروبي.. وهكذا أيضًا حال الفلسطينيين في أراضي ١٩٤٨م، الذين ظننا أنهم تهودوا تمامًا، وهم بخلاف ذلك اليوم.
لقد رأينا تركيا – الحكومة، والشعب في معظمه - رغم علاقاتها الاقتصادية والسياسية، وحتى العسكرية بالعدو الصهيوني ينحازون إلينا، رغم سلطة الجيش الذي يحاول إبعادها عن عمقها التاريخي الشرقي.
وها هو ذا رئيس وزرائها الرجل الطيب «أردوغان» يعلن ما لا يجرؤ عليه زعيم في الأرض اليوم، فيقول: «حماس» حركة مقاومة تدافع عن حق شعبها وليست إرهابية.. ولو تخلى جميع الناس عن القضية الفلسطينية ما تخلينا عنها.
كما قال لرئيس الحكومة الفلسطينية في غزة «إسماعيل هنية» بالهاتف: «سنظل ندعمكم مهما كان الثمن، حتى لو بقينا وحدنا.. وليست لدينا شبهة بوضوئنا لكي تشتبه بصلاتنا».
ويخاطب الدول الأوروبية قائلًا: «إن لم تكونوا ناديًا مسيحيًا فيجب أن تقبلوا عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي».
أثر بالغ
ولا شك أن حكومة «العدالة والتنمية» التي وقفت هذا الموقف المتقدم لصالح القضية تحملت وستتحمل بسببه مضايقات كبيرة، وستثار حولها المشكلات النائمة والفتن المتربصة، وسيسلط عليها الإعلام الصهيوني والأمريكي - وكذلك الإعلام التابع المأجور - لتشويه موقفها؛ بزعم أن للأتراك أهدافًا خاصة يريدونها ويخفونها بوقوفهم الشكلي مع القضية الفلسطينية!
إن هذا الموقف العظيم استحقت تركيا بسببه أن تكون عاصمة إسلامية بل وإنسانية، واستحق رئيس وزرائها هذا الاحترام الشعبي الواسع لدى قطاعات كبيرة في الدنيا، وبخاصة عند الشعوب العربية والإسلامية.. فما واجبنا تجاه هذا الحليف الجديد الفاعل الصادق؟ وما حق الأتراك علينا؟ وهم لا يريدون منا الكثير.
وقد كان لدعوة الشيخ «د. يوسف القرضاوي» إلى توجيه العرب والمسلمين للسياحة في تركيا، كان لها أثر كبير في نفوس الأتراك، فما الذي يمنع العلماء وقادة الرأي من شهادة الحق؟ كما أن تثمين مواقف الشرفاء من أحرار العالم، وفي مقدمتهم تركيا تعينهم وتثبتهم، وتغري آخرين على تقليد هذه المواقف الإنسانية الكبيرة إن وجدت على الخير والكرامة أعوانا.
لماذا لا تركز شركات السياحة في بلادنا على تركيا؟ وهي تستحق الزيارة لا للتسلية والترفيه فقط، بل لما هو أكبر من ذلك، ومنها شعور الزائر بالعزة والعمق والتجذر في الحضارة الإنسانية الممتدة إلى أعماق الحضارة العربية الإسلامية الأولى.
وماذا على المكثرين من رحلات العمرة - أسأل الله أن يتقبل منهم - إن جعلوا بعض هذه الرحلات إلى بلاد مثل تركيا؛ ليتذكروا بلد الجيش الفاتح الذي أثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «نعم الجيش جيشها، ونعم الأمير أميرها».
للأتراك في أعناق العرب والمسلمين دين واجب الوفاء.. ويمكن التأسيس عليه لخطوات أوسع وأشمل
منعطف كبير
المطلوب من الرسميين العرب التمييز بين العدو والصديق، وتحديد أين تكون المصلحة، وإظهار مواقف سياسية واقتصادية مميزة مع دولة قوية مثل تركيا اليوم، التي ما عادت تخجل من امتدادها الحضاري الشرقي الإسلامي.
نعم، نحن نكره الاستعمار حتى لو كان عربيًا، ونحرص على الحرية والاستقلال، ونقبل من يقبلنا، ويشاركنا ونشاركه، ويسمعنا ونسمعه، وليست لدينا حساسية استباقية من الأتراك أو غيرهم، ولنا عقول تدرك وتتابع، لكن «نظرية المؤامرة» لا يصح أن تنسحب على هؤلاء الشرفاء.
إن هذا البلد استضاف «أسطول الحرية»؛ المنعطف الكبير في تاريخ الحصار على فلسطين، والذي ربما يكون نقطة تحول في القضية الكبرى.. وأولئك الشباب الأتراك - الذين أصروا على الدفاع عن ركاب السفينة، والجلوس في المكان الأخطر على متنها، وتحت إلحاح بقية الوفود، سمحوا لغيرهم بحماية الطوابق السفلى - هم على استعداد لإكمال المشوار إن وجدوا شركاء جادين.. فهل نقف مع أنفسنا فنقف معهم، أم نخذلهم ونتركهم وحدهم أمام الذئاب الكثيرة التي تسعى لنهشهم وتحويل مسارهم؟ هل نغتنم هذه الفرصة أم نضيعها؟
إن للأتراك في أعناقنا - نحن العرب - دينًا واجب الوفاء، ويمكن التأسيس عليه لخطوات أوسع وأشمل إن شاء الله تعالى.
«الهوامش»
(*) المراقب العام السابق للإخوان في الأردن
(*) شارك في أسطول الحرية