; نحو أنشودة إسلامية رائدة | مجلة المجتمع

العنوان نحو أنشودة إسلامية رائدة

الكاتب نجدت كاظم لاطه

تاريخ النشر الثلاثاء 23-مايو-2000

مشاهدات 63

نشر في العدد 1401

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 23-مايو-2000

منذ عشرين سنة -تقريبًا- ولد النشيد الإسلامي، وصدحت الحناجر في كل ناد، وهلل المشتاقون لهذا المولود الجديد. 

وأعني -بداية- بالنشيد الإسلامي النشيد الذي واكب الحركة الإسلامية في نواحي العمل الإسلامي كالوعظ والإرشاد والروحانيات والدعوة والجهاد.

وكان النشيد قبلهما أناشيد شفاهية مقتصرة على الروحانيات تنشد في الموالد والمناسبات الدينية. أما بعد تلك الولادة فقد صار أناشيد مسجلة في الأشرطة والكاسيتات، وطبعت أشعاره في الكتب، وأصبح النشيد الإسلامي حركة فنية منظمة، بحيث صار لكل فرقة منشد خاص تعرف باسمه، وبالتالي أصبح لكل شريط يصدره هذا المنشد أو ذاك رقم خاص أو عنوان يدل على مضمون الشريط.

وكانت هذه الحركة الفنية قوية في نشأتها، فقد كانت على أيدي منشدين كبار ذوي مواهب عالية في الصوت واللحن، وكان نتاجها غزيرًا نوعًا ما كمًّا ونوعًا، ففي خلال سنتين قدم المنشد أبو الجود سبعة أشرطة، وقدم أبو مازن تسعة أشرطة، وأبو دجانة أربعة أشرطة، وفرقة براعم الإيمان شريطين. 

وقد لاقت أناشيدهم قبولًا حارًّا من قبل الجماهير المسلمة التي كانت تتطلع إلى مثل تلك الأناشيد منذ زمن بعيد. لأن الأغاني العاطفية -التي لا تلتقي في كثير من الأشياء مع مفاهيم ديننا الحنيف- كانت قد انتشرت بشكل مذهل ودخلت إلى كل مكان، ومجيء النشيد الإسلامي فتح متنفسًا طيبًّا لوجدان المؤمن كي يطرب وفق حدود الشرع. 

ثم ما لبث أن توقف هؤلاء المنشدون عن الإنشاد توقفًا تامًا، فلم يصدر عنهم أي شريط، ولا ندري ما السبب. 

وبعد هذا التوقف بقليل نبغ منشد جديد هو أبو راتب، حيث أكمل الطريق الذي بدأه المنشدون السابقون، واستطاع أن يثبت حركة النشيد في الساحة الإسلامية، وخاض بأناشيده بعض المسرحيات الإسلامية الناجحة، ثم أقام عدة مهرجانات للأنشودة الإسلامية في بعض الأقطار العربية والأجنبية.

وعمل المنشد أبو راتب مع إخوانه على إنشاء مؤسسات فنية خاصة بالنشيد الإسلامي، كان لها الدور الأكبر في استمرارية إصدار الأشرطة الواحد تلو الآخر، وما زالت هذه المؤسسات تمد الساحة الإسلامية بالأشرطة المختلفة.

هذه نبذة سريعة عن حركة النشيد الإسلامي منذ النشأة إلى يومنا الحاضر.

ولكن الملاحظ أن حركة النشيد بعد ذلك لم يدخلها التجديد والتطوير، ولم تخرج أصواتًا جديدة ذات مواهب عالية، وأستثنِي من ذلك -فيما أعلم- عماد رامي، وموسى مسفقة، وأبو المجد، وفرقة الروابي، فهؤلاء ساهموا في استمرارية النشيد وإحيائه وكان مستواهم مقبولًا، ولكن لم يتجاوزوا «أبو راتب» ولم يضيفوا شيئًا جديدًا على ما قدمه.

بعض ألحان الأناشيد الحالية التي تصدر بين الحين والآخر ضعيفة تمل الأذن من سماعها، وكنت أشعر بالأسى تجاه منشديها، لأن هؤلاء يعانون من عدم وجود ملحنين على مستوى «أبو الجود وأبو دجانة وأبو راتب»، وفي الوقت نفسه لا يستطيعون الدخول إلى معاهد الموسيقى لتعلم فن التلحين، بسبب اقتران دراسة الموسيقى بالآلات الموسيقية، لذا يكتفي المنشدون الجدد بتكرار بعض الأناشيد القديمة، أو يحاول البعض منهم سرقة ألحان الأغاني، أو محاولة التلحين الشخصي الذي يكون في الغالب ضعيفًا، وشأن ألحانهم شأن الأبيات الشعرية المكسورة عروضيًّا. 

وإذا كان المنشدون الجدد لا يجيدون التلحين، ولم يجدوا من يلحن لهم، فلماذا ينشدون أصلًا؟ إن عدم وجود أناشيد ذات مستوى عال في الصوت واللحن لن يعيب بقدر ما يعيب وجود الأناشيد التي ملأت الأسواق دون أن تؤدي دورها المطلوب، لا من حيث الوعظ والإرشاد، ولا من حيث الترويح عن النفس. 

وإلى متى تظل عقبة التلحين أمام تجديد النشيد وتطويره؟ وهل عجزت الساحة الإسلامية أن تنجب المنشدين والملحنين من ذوي المواهب العالية؟ أم أن النشيد لم يدخل بعد في أولويات العمل الإسلامي فكان أن اكتُفِي بما هو موجود ولا داعي لبذل أي جهد فيه؟ أرى أن الأمر يحتاج إلى مراجعة جدية في موقفنا تجاه النشيد ودوره كوسيلة دعوية مرادفة للوسائل الأخرى، باعتباره البديل للأغاني العاطفية التي زرعت الانحلال في جيل الشباب. 

وهناك مشكلة أخرى تضعف حركة النشيد، وهي أن جمهور الإسلاميين لا يهتم بالمنشد، في جانب الأمور المادية، مما قد يجعل المنشد ينجر وراء الشيطان، فيتحول إلى الأغنية، لأن المطرب يحصد أموالًا طائلة من أغانيه، وهذا ما حصل بالفعل مع ص.ف الذي كان منشدًا، ثم تحول إلى الغناء والطرب، وأصبح من أهل الملايين، وقديمًا اشتكى الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي -رحمه الله- من الشيء نفسه فقال: عجبًا لهذه الأمة، لو كفتني ماليًّا لكفيتها أدبًا، لأن الرافعي كان مرهقًا في وظيفته الحكومية. 

وما زلت أذكر أن أحد المنشدين الكبار تولى بنفسه -وحده- إقامة أحد المهرجانات الضخمة للأنشودة الإسلامية، وبذل من وقته وجهده الشيء الكثير، وعلى مدى شهرين متكاملين، ودرب الفرق المختلفة صغارًا وكبارًا، وفي ختام المهرجان قدم له مدير المهرجان مبلغًا تافهًا كأجر على عمله. قال لي هذا المنشد: لقد دفعت من جيبي أضعاف هذا المبلغ، في سبيل إنجاح هذا المهرجان. 

وفي حال عدم دعم حركة النشيد، فإن ذلك سينشئ تصورًا قاتمًا عند الناس عن كل ما هو ملتزم سواء أكان في الشعر والأدب، أم أي فن من الفنون الأخرى التي تصاحب حياة الإنسان المعاصر. وأعني أن الناس إذا وجدوا أن النشيد في حالة ضعف مستمر دون أن يدخله التجديد المستمر، فإنهم سينقلون هذه النظرة إلى الفنون الأخرى، مما يؤدي إلى ضعف إقبال الناس على تلك الأعمال، ومما يؤسف له أن العلمانيين يعتبرون الإسلاميين بسطاء وسذج في عالم الفنون، ولعل هذه النظرة تكونت لديهم في رؤيتهم لحال النشيد في اليوم، مقارنة بحال الغناء عندهم.

لقد كان حسان بن ثابت مبدعًا في فن الشعر، وكان أشعر من شعراء المشركين، وكان فن الشعر -آنذاك- الفن الوحيد المنتشر بين العرب، فأبدع فيه المسلمون وقدموا نماذج فيه أفضل مما قدمه شعراء المشركين، وكان هذا نصرًا للإسلام والمسلمين.

مقترحان:

ولا أريد أن أختم إلا بعد أن أقدم مقترحين خاصين بقضية الألحان والتلحين، عسى أن يكون فيهما -في حال تطبيقهما- الحل لمشكلة ضعف الألحان في النشيد.

المقترح الأول: يوجد في مدينة حلب «السورية» منشدون كبار مختصون بالأناشيد الدينية كأمثال صبري مدلل، وحسن حفار، وأديب الدايخ وغيرهم، وهم يحيون الموالد والأعراس ذات الصبغة المحافظة، وهؤلاء على مستوى عال في الصوت واللحن، بل إن أناشيدهم وألحانهم لا تملها الأذن مهما كثر سماعها، وقد خرج أبو الجود وأبو دجانة من عباءة هؤلاء.

فأقترح على المنشدين الجدد أن يستفيدوا من خبرة المنشدين الحلبيين، وتكون الاستفادة من خلال الآتي:

۱ -الإكثار من الاستماع إلى أشرطتهم، وهي موجودة في الأسواق، لتنمية القدرة على التلحين عند من يملك شيئًا من موهبة التلحين، وينمي -أيضًا- حسن التعامل مع الألحان والإنشاد.

۲- مخالطة المنشدين الحلبيين عن قرب، والتلمذة على أيديهم، وممكن خلال ثلاثة شهور أو ستة شهور أن يخرج المنشد الجديد بحصيلة لا بأس بها .

3- نقل ألحان الأناشيد التي ينشدها المنشدون الحلبيون ووضع كلمات جديدة تناسب المعاني والموضوعات الجديدة، وبذلك نكون قد ابتعدنا عن اقتباس ألحان الأغاني التي يقوم بها بعض المنشدين، لأن استعارة ألحان الأغاني توحي بظلال تلك الأغاني ومطربيها، ويزداد الأمر سوءًا إذا كان صاحب الأغنية مطربة وليس مطربًا، فهذا يؤثر في وجدان المسلم الذي يجب الابتعاد عن أجواء المطربين وعالمهم.

المقترح الثاني: ذكر المنشد أبو راتب في مقابلة له مع مجلة «العالم» العدد (٦١١) أنه استفاد في النشيد الإسلامي من خبرته الموسيقية التي اكتسبها من دراسته في أحد معاهد الموسيقى قبل التزامه خط الدعوة، فمن خلال هذا اقترح أن يقوم المنشدون الجدد بالاتفاق مع الملحنين الذين يدرسون في معاهد الموسيقى على دورات خاصة غير مقترنة بالآلات الموسيقية، هذه الدورات دورات أخرى متعمقة، بحيث يتخرج المنشد فيها وقد ألم بهذا الفن، وقد يكون عند بعض المنشدين الذين يتخرجون في هذه الدورات القدرة على تدريس ما تعلموه، فتتخرج الدفعات تلو الدفعات. وبذلك نكون قد أوجدنا طبقة من ذوي الاختصاص بفن النشيد .

الرابط المختصر :