العنوان نحو الإيمان الصحيح
الكاتب د. سعد المرصفي
تاريخ النشر الجمعة 08-فبراير-2013
مشاهدات 65
نشر في العدد 2038
نشر في الصفحة 54
الجمعة 08-فبراير-2013
الإيمان الصحيح شجرة باسقة، وارفة الظلال على صاحبها، أصلها اليقين الراسخ في العقل والوجدان، وفرعها التقوى الصادقة المتجذرة في أرجاء النفس، ونورها الحياء المستقر في القلب، وثمرها السخاء الوافر والعطاء الدافق. الإيمان الصحيح له نور يسطع في العقول والأفهام، وشهاب لا يخبو، يضيء السبيل إلى الحق، ويبدد ظلمات الشبهة والحيرة، ويعني على إماطة الأذى من طريق السالك، ويحول دون سقوط صاحبه في مهاوٍ من المهالك، ويهديه إلى سواء السبيل وخير النجدين، قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 10].
الإيمان الصحيح لا يسمح لصاحبه أن يأخذ بأمر دون بصيرة، أو تمحيص دليل، أو تأكيد نفع أو ضر في الدين والدنيا، ولا يدع أمراً إلا ابتغاء مرضاة الله وتحرياً للحلال والحرام، وطمعاً في جنات عرضها السماوات والأرض.
الإيمان الصحيح يجعل من نفس صاحبه رقيباً في كل خطرة تمرّ بباله، وكل نظرة تقع على آيات الله تعالى، وكل حركة يمضي بها في الحياة، بل وكل كلمة ينطق بها لسانه، قال تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾[ ق: 18].
الإيمان بالله قوة دافعة، تجمع جوانب الكينونة البشريّة، وتتجه بها إلى وجهة واحدة، وتطلقها تستمد من قوة الله، وتعمل لتحقيق مشيئته في خلافة الأرض وعمارتها، وفي دفع الفساد والفتنة عنها وفي ترقية الحياة ونمائها.
الإيمان بالله تحرّر من عبوديّة الهوى، وعبوديّة العبيد، وغاية الإيمان الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والتبادل في الله، والتواصل في الله سبحانه، واللجوء إليه، وآفة الإيمان الشرك.
وتقوى الله يقظة واعية داعية مخلصة تصون من الاندفاع والتهوّر والشطط والغرور، فلا إيمان بغير تقوى، ولا إيمان بلا إخلاص، وصبر وورع، وأفضل الإيمان الإخلاص والإحسان، وأقبح الشيم التجافي والعدوان.
كما أن التقوى تسهم في إدارة حركة الحياة، وتوجه الجهد البشري في حذر وتحرّج، فلا يعتدي ولا يتهوّر ولا يتجاوز حدود النشاط الصالح، وحين تسير الحياة متناسقة بين الدوافع والكوابح، عاملة في الأرض، متطلعة إلى السماء، متحررة من الهوى والطغيان البشري، عابدة خاشعة لله، تسير سيرة صالحة منتجة تستحق مدد الله بعد رضاه، فلا جرم تحفها البركة، ويعمها الخير، ويظلها الفلاح، والمسألة تمثل واقعاً منظوراً إلى جانب لطف الله المستور.. واقع له علله وأسبابه الظاهرة، إلى جانب قدر الله الغيبي الموعود.
والذين يتصورون الإيمان بالله وتقواه مسألة تعبديّة بحتة لا صلة لها بواقع الناس لا يعرفون الإيمان، ولا يعرفون الحياة، وما أجدرهم أن ينظروا هذه الصلة قائمة يشهد بها الله سبحانه، وكفى بالله شهيداً، ويحققها النظر بأسبابها التي يعرفها الناس.
الإيمان الصحيح يكفل لصاحبه حياة الأمن والاستقرار والهداية إلى الحق، فهو مطمئن، ساكن القلب، مستعصم بالله، قائم على الأمر بالمعروف، ناهٍ عن المنكر، يقول باللسان، ويعمل بالأركان، ويحسن التسليم لأمر الله، ويخلص في العمل، ويصبر في البلاء ويشكر في الرخاء، فعاش في أمان، وفاز بالنجاة، وغاص في الأعمال الصالحات، بينما أهل الباطل في اضطراب وانفعال، تولّوا عن هداية الله، فحرموا توفيقه، وكفروا بنعمة العقل والدّين، فعوقبوا عليها بفشوّ الشرّ، وفساد الأمر، وتفرقوا إلى شيع وأحزاب، ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [سورة الأنعام: 159]، وهؤلاء المفسدون لا يكترثون بشواهد التاريخ، ولا ينهلون من عبره ودروسه، فالله سبحانه يقدر الهداية لمن يستحقها، ويكتب الضلالة على من آثرها على طريق الرشد، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [سورة الشورى: 13].
صاحب الإيمان الصحيح من يعلق قلبه بربه، ويوقن أن ربه رحيم بعباده ويحسن الظن به، لا يدعو إلا الله ولا يخاف إلا منه، ولا يرجو إلا سواه، ويشعر من جراء ذلك بالأمن ولذة الراحة في قلبه، خاصة أن أقرب الناس من الله أحسنهم أخقاً، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [سورة الأنعام: 82].
هذه الخواطر والمعاني الإيمانية تتطلب من المسلم أن يكون مؤمناً حقاً، غير مرتاب، فمن ارتاب بالإيمان أشرك.. ولا شاك، فما آمن بالله من سكن الشك قلبه، ولا شرف أعلى من الإيمان، ولا نجاة لمن لا إيمان له، فلا شيء يمكن أن يدخره الإنسان للآخرة كالإيمان بالله، وصنائع المعروف، ومن أحب أن يكمل إيمانه فليكن حبه لله وبغضه لله، ورضاه لله، وسخطه لله، ويستكمل إيمانه من أعطى في الله، ومنع في الله، وأحب في الله، وأبغض في الله، ولا يصدق إيمان عبد حتى يكون بما في يد الله سبحانه أوثق منه بما في يده، اللهم اجعلنا من أهل الإيمان وخاصته، وارزقنا صدقه وهداه، واكتبنا مع المؤمنين الصادقين المخلصين العاملين الساعين في دروب الحق والخير.
(*) أستاذ الحديث وعلومه
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل