; نحو تأصيل منهاجي لمفهوم الأمة في الإسلام.. الأمة القطب | مجلة المجتمع

العنوان نحو تأصيل منهاجي لمفهوم الأمة في الإسلام.. الأمة القطب

الكاتب داود حسن

تاريخ النشر الثلاثاء 11-أغسطس-1998

مشاهدات 74

نشر في العدد 1312

نشر في الصفحة 43

الثلاثاء 11-أغسطس-1998

مفهوم الأمة في الإسلام من الموضوعات المهمة التي لها وضع خاص في نفس كل مسلم يستشعرها دائمًا في ضميره عندما تنزل بالأمة إحدى النوازل، وفي هذا الكتاب «الأمة القطب» الصادر عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي تحاول الدكتورة منى عبد المنعم أبو الفضل أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد- جامعة القاهرة- الإجابة عن سؤال مهم وهو كيف يمكن الانتقال بهذه الذات الجماعية «الأمة» من مستوى اللا شعور واللا وعي إلى مستوى الإدراك المتفقة؟ 

وتجيب بأن ذلك يستوجب تحويل «الأمة» من ظاهر حسية وجدانية إلى مفهوم عقلي منهجي باستثمار إمكانات العصر في حل مشكلات الأمة المسلمة وعلى رأسها الانتماء والهوية. 

كما تحاول الدراسة البحث عن إجابات لأسئلة أخرى وهي: أين موضوع الأمة في الإسلام؟ وأين موقعها من الكيانات الجمعية المعاصرة الأخرى؟ وما الخصائص التي تميزها وتحفظ لها الاستمرارية؟ 

الكيان الجماعي المسلم:

وتوضح د. منى أبو الفضل أن الأمة تعني الكيان الجماعي المسلم الذي يرتكز في تماسكه على عقيدة إيمانية شاملة مصدرها رباني، ومجالها أوجه الحياة الدنيا كافة في منظور أخروي، أو بعبارة أدق في منظور ممتد يصل الدنيا بالآخرة. 

وعلى ذلك فإن مفهوم الأمة في الإسلام لا يجد ما يعادله في الخبرة التاريخية ولا الفكر السياسي الغربي، حيث تختلف المنطلقات الحضارية له مع الأمة بشكل كلي، لذا فعندما يتم نقل مفهوم الأمة إلى لغات أخرى، فإنها تنتقل كما هي وتكتب بالحروف اللاتينية، فيكاد يكون من المستحيل تَرْجَمَة لفظ «الأمة» إلى أية لغة أخرى. 

وترى الباحثة أن «الأمة» التي جاء بها الإسلام وإن التقت مع أمم سبقتها وأخرى واكبتها، فإنها تختلف عن غيرها من الأمم من حيث تجاوزها العنصر الزمني، فهي ذات شخصية حضارية مميزة، لكنها غير موقوتة بمسار تاريخي محدد يفنى ويبيد، ومرد ذلك التمايز الذي يجعل لأمة الإسلام موقعها الفريد بين سائر أمم البشر، هو أن الأمة وليدة عقيدة ربانية جاءت في سياق تاريخي لتشكلها، واصطبغ وجدانها بهذا على مسار الأحداث قبل أن تتفاعل هي معها وتتأثر بها، وهي في بقائها واستمرارها حقيقة اجتماعية مرهونة بالعقيدة التي انبثقت عنها، لا بالمسار التاريخي أو العوامل التاريخية التي تتفاعل معها. 

ومن أبرز خصوصيات هذا الكيان انفراده «بمفاعل استقطابي» يجعله بؤرة جاذبة، فالأمة في الإسلام ملتقى لأجناس وشعوب مختلفة الألوان والمنبت، ومن خلال موجات الإشعاع والجذب المتعاقبة، تصهر العناصر المتباينة في بوتقة «إلف جامع» دون أن تذهب من معالم مكوناتها وهي بذلك تقدم المثالية المحقق التي تميزت بها الحضارة الإسلامية. 

وتقول د. منى أبو الفضل إن الفرضية التي يقوم عليها تحليل مفاعل الاستقطاب في كيان الأمة يتخذ محورًا لها ذلك التفاعل المستمر، والتأثير المتبادل بين القيم الجماعية والفردية وبين الكيان الحركي العام للجماعة في جميع أبعادها الإدراكية والحسية والانفعالية والسلوكية، ومن حصيلة هذا التفاعل تتحقق جدلية الاستقطاب، وتقصد الباحثة بالجدلية هنا طبيعة تلك العملية التي يتجاوز خلالها المسلم الفرد كينونته الطبيعية الخلقية إلى «الفرد الأمة» وتتجاوز جماعة تكونها الذاتي لتصير «الجماعة الأمة». 

وبذلك تُعد جدلية الاستقطاب قاعدة أصولية في دورة تشييد الأمة ككيان حيوي جذوره التاريخية والوجدانية مؤصلة المنبت متجددة الاتصال. 

وتشير الباحثة إلى أن الأمة في تماسكها شأنها شأن الجماعة الوضعية الأخرى تخضع وتتفاعل مع المؤثرات الوضعية المحيطة بها، ويترتب على ذلك أن تبادل المنافع وتواتر التعامل وتراكم المعاملات وتواصل الخبرات والمعايشة المشتركة في إطار واقعي محدد، من شأن هذا كله أن يدعم من قوة الأمة. 

وهذه المؤثرات لم يتركها الإسلام أو يتجاهلها بل حرص على توفير الإطار الواقعي المنتظم الذي يكفل ويؤمن قواعد هذا التفاعل بما يحقق له الاستقرار والاستمرار والنمو، من خلال ما وضعه من قواعد حددت معاملات الجماعة المسلمة في ظاهرة تفاعلاتها وبذلك ولدت الجماعة في الإسلام قلبها عقيدة التوحيد، وعمادها شريعة جامعة تقوم على الحق والعدل. 

وفي تناولها لدور العقيدة في تنشيط خصائص الأمة القطب على مستوى التفاعل الذاتي لها ككيان استقطابي حددت الباحثة محورين أساسيين: 

أولهما: أن التوحيد هو محور العبادات وأساس علاقة الخلق بالخالق، وهو ما رسخ في ضمير الأمة وتعارفت عليه الجماعة، ثم تـأتي الشعائر لتدعم العبادات، فتقوم على توحيد الوجدان والسلوك، وتعمل على خلق تطابق بينهما صوب العقيدة. 

والثاني: وهو على مستوى الفرد ودور العقيدة في صياغة نفسية «الفرد الأمة» فالعقيدة تشكل مصدر التماسك للكيان الذاتي للفرد، والكيان الذاتي للجماعة، والتوحيد الذي قوامه الشهادة والتي تنطوي على إقرار مزدوج بالوحدانية لله والإمامة لرسول الله «إمامة الأمة- حامل الرسالة- قدوة الجماعة» فإنه ينتج عن ذلك التزام وجهة وتأكيد انتماء، ويجتاز بذلك الكيان الذاتي للفرد تحولًا نوعيًا من كيانه الطبيعي الحيواني أو الخلقي إلى كيان كوني أخلاقي، وتتحقق ذاتيته في تمثله الوجهة والانتماء، وتكون هذه أولى مراحل جدلية الاستقطاب، والتي بموجبها تشهد الجماعة مولد لبنتها الأولى «الفرد الأمة». 

المد الاستقطابي: 

وكذلك فإن هناك ترابطًا قويًا بين الشعائر وبين المد الاستقطابي للأمة أو ما يمكن القول إنه تطابق بين الشكل والمضمون. 

وعلى المستوى الخارجي، فإن المفاعل الاستقطابي الذي يتحول إلى طاقة إشعاعية للغير، يحفظ كذلك خاصية الجذب إليه الموجهة إلى الكيانات الأخرى، والعقيدة في هذا المستوى تعتبر أهم عناصر الترابط في الجماعة، بل العنصر الرئيس في ترابطها باعتبارها ملتقى جمع وصهر وحداتها على اختلاف أصولها ومنبتها. 

وتخلص الباحثة إلى أن الأمة حقيقة تاريخية اجتماعية، وهي فضلًا عن ذلك جماعة تتوافر لها عناصر التكامل دون أن تنغلق على أنانية الذات فالأمة الوسط «هي الأمة المستخلفة في الأرض أي أنها «الأمة» وليست أمة بين الأمم ومن هنا كان توصيف الباحثة لظاهرة «الأمة القطب». 

ولعل أبرز ما يترتب على مفهوم القطب أنه يؤكد الوظيفة القيادية التي أخرجت لها لتصير الأمة «إمامًا» للأمم. 

الرابط المختصر :