; نحو تحول حضاري جذري (١) من (۲) - الوعي مفتاح تغيير الواقع | مجلة المجتمع

العنوان نحو تحول حضاري جذري (١) من (۲) - الوعي مفتاح تغيير الواقع

الكاتب محمد شاويش

تاريخ النشر السبت 23-نوفمبر-2002

مشاهدات 56

نشر في العدد 1528

نشر في الصفحة 42

السبت 23-نوفمبر-2002

  • الفطرة ومكتسبات الحياة هما الذخيرة الحية لحالة الوعي التي تقود للتغيير.

  • الوعي يقوم على الاقتناع العقلي والانفعال الحركي فيما يسمى بـ الفكرة المطبوعة.

  • الصمود الأسطوري لبلال أحد الأمثلة الفذة لسيطرة الوعي على السلوك.

تغيير الواقع الفاسد يبدأ بتغيير الوعي هذه القاعدة الذهبية كانت نقطة انطلاق الأنبياء وأصحاب الدعوات والمصلحين في التعامل مع الإنسانية منذ نشأتها الأولى، حيث توجه الأنبياء عليهم السلام والمصلحون أيضًا إلى وعي الأفراد، فغيروا سلوك هؤلاء الأفراد، وبنوا هذا التغيير على أساسين: الفطرة ومكتسبات الحياة. 

لقد توجهوا إلى مكونين متكاملين للوعي الإنساني، المكون الأول: هو الوعي الموروث الذي هو الفطرة، ويتضمن أساسًا الوعي الديني والأخلاقي، والمعلومات الغريزية عن العالم والدوافع الأولية التي تحفظ بقاء الفرد والنوع والمكون الثاني هو «الوعي المكتسب» من الخبرة والاستنتاج العقلي.

والسلوك الاجتماعي للفرد يظهر فيه بصورة واضحة أثر المكونين فهو في الصراعات الاجتماعية، وبدافع من الوعي الأخلاقي، يساند طرفًا يرى فيه الخبرة، وهذه المساندة تأتي من الوعي المتعلق بالخبرة والعقل، وبالتالي يكون السلوك سويًا حين يحدد الفرد ما هو خيره بصورة صحيحة ويقف إلى جانبه، وقد تعتري هذا السلوك اختلالات عندما يصاب المرء بموات الوعي الأخلاقي، فتوجه سلوكه العوامل الأنانية والغرائز الدنيا، أو قد تكون هذه الاختلالات بسبب من الوعي العقلي الخاطئ وانعدام الخبرة بحيث لا يرى الإنسان الشر والخير على صفتهما الحقيقية، بل يخلط بينهما والوعي الأخلاقي يتعرض للإحباط، ويفقد قوته المحركة تحت هيمنة وعي مكتسب موسوم باليأس والشعور بالعجز.

تغيير الواقع

في نظر الإسلام يمر الأساس النظري للتغير الاجتماعي بوضوح بعنصر الوعي:

(إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (الرعد: 11)

ومن هنا كان دعاء النبي ﷺ «اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه»، وبالنظر إلى أن الوعي يتراوح في مقدرته على تقرير السلوك وتغييره بين حدي الانعدام الانصياع التام للهوى، أو تقاليد الآباء. أو القوى الخارجية الغاشمة، أو الهيمنة المطلقة في تحد تام للهوى والمصلحة، والتقاليد، والقوى الخارجية، نعرف سر الصمود الأسطوري لبلال بن رباح - -رضي الله عنه- أمام التعذيب الذي واجهه به سادته وإصراره على التوحيد: «أحد أحد» كذلك المجتمع الوليد في المدينة المنورة الذي تكون من المهاجرين والأنصار، هو أحد الأمثلة الفريدة في تاريخ البشرية على هيمنة الوعي على السلوك، فقد خالف أفراد ذلك المجتمع هواهم وغرائزهم الدنيا في سبيل بناء نموذج حضاري ينسجم مع فكرة الوحي وهكذا شارك الأنصار المهاجرين في أموالهم ودورهم وأخوهم وخلطوهم بأنفسهم.

ومن الناحية العملية لا يستمد الوعي جذوره من عنصر واحد فقط هو عنصر الاقتناع العقلي البارد، إذ هناك دفعة انفعالية قوية تحرك معتنق العقيدة وتغير سلوكه وتصوغه وفق ما يسميه مالك بن نبي «الفكرة المطبوعة» للعقيدة. 

إن دور الوعي كأساس لتغيير السلوك، ومن ثم لتغيير البنية الاجتماعية لم يعد أمرًا مسلمًا به بل جاءت الفلسفة الحديثة الغربية في الاتجاه المادي منها للتشكيك به، فالماركسية بنت منظومتها النظرية على أساس الفكرة القائلة: إن الوعي هو انعكاس للواقع الاجتماعي، وأن من يقول إن الوعي يكون هذا الواقع هو مثالي لا بد له من أن يصطدم بما تعتمده هذه الفلسفة حقيقة، وهو أن الوعي يعبر عن تطور البنية الاجتماعية، ولا يخلق هذا التطور، ومن هنا جاء نقد الماركسية اللاذع لما دعي بالاشتراكية الطوباوية التي وضع أقطابها تصورًا لمجتمع بديل خال من مفاسد المجتمع القائم، واعتمدوا في إنشاء هذا البديل على عنصر الوعي والاقتناع وخصوصًا الاقتناع المبني على القيم الأخلاقية والضمير الذي يحض الإنسان على مناصرة العدالة.

الماركسية رأت أن سلوك الطبقات الاجتماعية يتحدد بمصالحها وليس بقناعات عقلية أو أخلاقية مجردة عن المصلحة، بل وأفكار هذه الطبقات أيضًا ورؤاها عن العالم تبني على أساس المصلحة، ومن هنا لا تفيد الدعوة الأخلاقية أو العقلية المجردة لبناء المجتمع العادل في تحويل هذا المجتمع من فكرة إلى واقع، فالمصلحة هي الدافع الذي يعتمد عليه «الاشتراكيون العلميون» لبناء هذا المجتمع أي هم يعتمدون على الطبقة التي لها مصلحة في بناء هذا المجتمع. 

ومن تناقضات الماركسية الكبرى أنها في التطبيق العملي اعتمدت على ما كانت تذكره على «الطوباويين»، إذ جندت «المناضلين»، لا على أساس مصلحتهم الطبقية، بل على أساس القناعات العقلية والأخلاقية، وكان أكبر المناضلين الماركسيين بمن فيهم مؤسسو الماركسية بالذات من غير الطبقة التي افترضت الماركسية أنها صاحبة المصلحة في النضال الاشتراكي.

ولأجل أن ينتصر شيوعيو روسيا والصين وفيتنام وكوبا وغيرها من البلاد، تم الاعتماد على نخبة من الكوادر التي لم تحرك سلوكها المصالح التي افترضتها الماركسية، وحين سارت المجتمعات الاشتراكية لاحقًا على هدي المصالح المادية للأفراد والجماعات، تفككت التجربة الاشتراكية بأسرها وعادت الرأسمالية على أن الحضارة الرأسمالية الحديثة جلبت على أقل تقدير في العلاقات الدولية مبدأ يعمل به وليس من الضروري أن يعلن صراحة المبدأ يقول يتحدد السلوك حسب المصلحة المادية، وهذا المبدأ هو بمثابة سر مذاع فالسياسيون يدعون أنهم تسيرهم دوافع أخلاقية وهم يعرفون وغيرهم يعرف أن المصالح المادية هي المحرك الأساسي لهم إن لم نقل إنها المحرك الوحيد.

ومع تراجع دور الدين والاحتقار الذي جاءت به المادية الحديثة للأخلاق والوعظ الأخلاقي، بقي من فاعلية الوعي المعترف بها أنه يحدد ما المصلحة ويحث صاحبه على السير وفقها أي أن الوعي يقتصر دوره على تنظيم أمور الهوى وتيسيرها وتسييرها.

ولا شك أن التطورات اللاحقة في الفلسفة العلوم الإنسانية في الغرب قد عززت هذا الميل لتحديد دور الوعي في تشكيل البنية الاجتماعية، بل حتى في تشكيل السلوك الفردي، وهذا ما يتضح عيانًا في النظرية الفرويدية التي جعلت الوعي مجرد الجزء الظاهر من جبل الجليد الذي هو اللاشعور بما فيه من تثبيتات واستيهامات غريزية. ولم تكن التطورات اللاحقة أحسن حالًا، فقد أعلن فوكو «موت الإنسان»، بمعنى تلاشي الحرية الفردية التي كان من المفروض أنها مفخرة الحضارة الحديثة، ولم يكن اعتراض وجودية سارتر الذي قرر أن «الإنسان حر بطبيعته»، إلا اعتراضًا أجوف لأن هذه الحرية لا موضوع لها، فهي عبثية مطلقة مبنية على مبدأ الحادي جذري قرر أن الوجود لا معنى له.

إن هذه التشكيكات النظرية في قدرة الوعي، وخاصة الوعي الأخلاقي، على تشكيل السلوك البشري، وتغييره وتغيير البنية الاجتماعية انعکست في شكل يأس من تغيير الواقع لدى لإنسان الغربي بشكل خاص، رغم قناعته الفطرية بأنه واقع غير سليم وغير إنساني.

وأعتقد أن النقد الماركسي لكل من يدعو لى تحكيم الأخلاق، لا المصلحة المادية في البناء الاجتماعي، قد صار في الغرب الآن أمرًا مستهجنًا لا قيمة له، لأنه في السابق تم تبنيه لمصلحة القوى الأكثر أنانية واستهتارًا بمصلحة البشرية، وما عادت الحركات الغربية الجديدة - التي تدعو إلى إيقاف تدمير البيئة والحد من النزعة العسكرية العدوانية والحد من التفاوت الفاحش بين الأمم الغنية والأمم الفقيرة – تفكر ولو للحظة في الاستناد إلى العقلية الماركسية التي تحتقر دور الوعي والأخلاق. 

لقد أثبت الوعي، وخصوصًا ذلك القسم منه المتعلق بالأخلاق، أنه المرجع الأخير للإصلاح وأنه الرهان الأخير البشرية يهددها الفناء فعلًا لا قولًا هذه الأخلاق التي لا يمكن أن تجد لها أساسًا في النظريات المادية التي سادت في القرون الأخيرة في الغرب، بل تجد أساسها الوحيد في نظرية الفطرة التي جاءت بها الأديان السماوية، ولا سيما الإسلام بنصوصه التي لم ينلها التحريف كما نال نصوص الأديان الأخرى.

التحول السلوكي

«السلوك العالي»، هو ذلك السلوك الذي يسيره مثل أعلى وهوا الذي يحدد لصاحبة هدفًا عامًا يتجاوز المصلحة الفردية: الذاتية والدوافع الغريزية الدنيا، (وإن كان لا يمحو هذه المصلحة وهذه الدوافع ولكنه يخضعها الهدف الأعلى ويجبرها على الانسجام معه). 

و السلوك المنحط، هو ذلك السلوك الذي لا يسيره شيء غير المصلحة الذاتية الأنانية والدوافع الغريزية الأولية الدنيا. 

وبين هذين الحدين من السلوك ثمة سلوك يرجح فيه بدرجات مختلفة المثل الأعلى أو المصلحة الذاتية والدوافع الدنيا فما نراه في سلوك أفراد مجتمعنا الآن من الجمع بين المثل العليا والمصالح الدنيا بجسد هذا المعنى، ولهذا نقول عن مجتمعنا إنه مجتمع متخلف معرق لا موحد، وبنتيجته النهائية التي نريد التركيز عليها هنا وفي زماننا هذا هو مجتمع «قابل للاستعمار» وفق تعبير مالك بن نبي - رحمه الله.

إن سؤال النهضة الحضارية هو في نهاية التحليل ليس إلا سؤال تخير السلوك عندنا وتحويله من سلوك يغلب على طبيعته أنه سلوك منحط إلى سلوك صفته الغالبة أنه سلوك عالى، وهذا التحول السلوكي صار الآن في مجتمعنا ضرورة وجودية، وألم بعد مجرد دافع التحسين وضع المجتمع، إنه لا يتوقف عليه بقاء المجتمع متطلعًا أو نهضته، بل يتوقف عليه بقاؤه أو زواله من الوجود، وإن أول شرط من شروط هذا التغير المطلوب الآن هو أن تعي الغالبية الساحقة من أفراد مجتمعنا هذه الحقيقة الحاسمة.

 السلوك الحضاري

يرى أرنولد تويني أن الحضارة تنشأ حين تواجه جماعة بشرية معينة «تحديًا» عظيمًا باستجابة مناسبة، ويرى مالك بن نبي أن الحضارة تنشأ حين تندفع جماعة بشرية (يسميها بن نبي «إنسان ما قبل الحضارة») بتأثير فكرة عظيمة من طبيعة دينية صريحة أو مضمرة إلى بناء حضارة وفق القالب الذي أعطتها إياه المثل العليا للفكرة الدافعة (أو المفكرة المطبوعة)، وهذه الفكرة العظيمة تنظم الطاقة الحيوية للأفراد وتوجهها في اتجاه إيجابي بناء.

وفي اعتقادي أن كلتا النظريتين يمكن دمجها في فكرة عامة واحدة أن الجماعة، حين تبدأ في بناء الحضارة يسيطر عليها هدف عظيم يستحق من الفرد أن يبذل قصارى جهده في سبيل تحقيقه متنازل عن دوافعه الأنانية، ومستبدلًا مفهومة للسعادة من مفهوم أناني يجعل السعادة تتحقق بتحقق الدوافع العليا ويعني تلك تحول الدافع المهيمن على الفرد المحرك لسلوكه من دافع منحط إلى واقع عال وهذا ما يميز مرحلة بناء الحضارة الجديدة، لكن كيف يحدث أن تنتقل الجماعة من مرحلة السلوك المنحطة إلى مرحلة السلوك العالي؟

لا بد لهذا من حدث كبير قد يكون وحيًا كما في نزول الرسالات على الأنبياء عليهم السلام وقد يكون تحديًا وجوديًا خارجيًا كبيرًا تواجهه الجماعة.

ومن الجدير بالذكر أن الجماعة، وكما يذكر توينبي، قد لا تستجيب للتحدي استجابة مناسبة، مما يقودها إلى الفناء بالمعنى المادي الحرفي أو بالمعنى الحضاري التاريخي.

الرابط المختصر :