; «المجتمع» تكشف أسرار معركة الخليل | مجلة المجتمع

العنوان «المجتمع» تكشف أسرار معركة الخليل

الكاتب محمد قفيشة

تاريخ النشر الثلاثاء 05-أبريل-1994

مشاهدات 88

نشر في العدد 1094

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 05-أبريل-1994

  • ·       ثلاثة مقاتلين من حركة «حماس» شاركوا في المعركة ضد نحو ألفي جندي إسرائيلي استخدموا الصواريخ وطائرات الهليكوبتر استمرت ١٨ساعة.

    ·       بطولات خارقة لمقاتلي «حماس» بينما يجلس المفاوضون على موائد الاستسلام.

    بناء على معلومات استخبارية تقدم بها عملاء محليون لقوات الاحتلال الإسرائيلي، عملت هذه القوات على فرض حصار مشدد على منطقة أبي سنينة في مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية المحتلة، وشن حملة تمشيط واسعة النطاق في عدد من المنازل بحثاً عن مطاردين مسلحين يختبئون في الحي. وقد فشلت قوات الاحتلال في العثور على أي مسلح في المنازل التي عمدت إلى تفتيشها في بادئ الأمر، غير أن توسيع نطاق عملية البحث أدى إلى العثور على مجموعة فلسطينية مقاتلة قال شهود عيان إنها باغتت المهاجمين فصرعت اثنين منهم وجرحت ثلاثة آخرين في بادئ الأمر.

    وقالت مصادر فلسطينية لـ «المجتمع» إن الأحداث بدأت منذ فجر يوم الثلاثاء حيث حاصرت قوات إسرائيلية كبيرة مجموعة منازل فلسطينية قرب مستشفى محمد علي المحتسب في البلدة القديمة في مدينة الخليل، وبعد استدعاء عدد من شخصيات المدينة طلب قائد القوات الإسرائيلية من هؤلاء دخول المنازل وتفتيشها وإقناع مسلحين فلسطينيين يتحصنون في تلك المنازل بتسليم أنفسهم لتجنب قصفها. وبعد التفتيش فشل الجنود في العثور على أي مطارد داخل المنازل المحاصرة، وقالت إن الجنود عمدوا لاحقاً إلى توسيع دائرة البحث والتمشيط استناداً إلى معلومات استخبارية تفيد بوجود مطاردين مسلحين في المنطقة، وحسب المصادر فإن تبادلاً لإطلاق النار اندلع فور اقتحام جنود الاحتلال لأحد المنازل الفلسطينية وأكد شهود عيان أن الاشتباك أسفر عن مصرع جنديين إسرائيليين وإصابة 3 آخرين بجروح. وفي أعقاب الاشتباك كثفت القوات الإسرائيلية التي تفرض حصاراً مشدداً على المنطقة من عمليات إطلاق النار وقصف المنازل بالصواريخ باتجاه عدد من المنازل، يعتقد أن المسلحين ينتشرون فيها، وقد استمرت العملية طوال ساعات الليل حيث عمدت طائرات عمودية إسرائيلية إلى إطلاق قنابل ضوئية في منطقة الاشتباكات.

    معركة الـ 18 ساعة

    وفي أعقاب اشتباك تواصل حتى الساعة الخامسة من فجر يوم الأربعاء 23 مارس «آذار»، أعلن رئيس أركان جيش الاحتلال أن ثلاثة مسلحين فلسطينيين قد استشهدوا خلال الاشتباك الذي قال: إنه استمر 18 ساعة واعترف باراك أن خمسة جنود إسرائيليين أصيبوا خلال الاشتباك من بينهم قائد القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية شاؤول موفاز وقائد منطقة الخليل العسكري.

    وقال شهود عيان إن عدد جنود الاحتلال الذين استقدموا إلى منطقة الاشتباكات بلغ نحو ثلاثة آلاف جندي معززين بطائرات مروحية ظلت تجوب منطقة المعركة من أجل ضمان عدم تسلل أي من المقاتلين الفلسطينيين للانسحاب من المنازل المحاصرة، وقد استخدم الجنود أكثر من 200 صاروخ مضاد للدروع لقصف المنزل الذي تحصن بداخله مقاتلو إحدى كتائب الشهيد عز الدين القسام الضاربة لحركة المقاومة الإسلامية «حماس».

    وأثناء الاشتباكات أصيبت مواطنة فلسطينية برصاص قناص إسرائيلي كان يتمركز مع رفاقه على سطوح المنازل المحيطة بمنطقة الاشتباك وقد أطلقت النار على المواطنة خندق زاهدة «35 عاماً» وهي أم لعدد من الأطفال وكانت حاملاً في شهرها الخامس، بينما كانت تقف خلف نافذة منزلها تراقب المعركة مما أدى إلى استشهادها، كما أطلق الجنود النار على فتاة أخرى كانت داخل منزلها عندما أصيبت برصاص قناص في رأسها، وقالت أنباء فلسطينية إن المواطنة وتدعى منال قنيبي استشهدت في وقت لاحق فيما قالت مصادر أخرى إنه جرى إنقاذها.

    هوية الشهداء الأبطال

    وحسب المعلومات الواردة لـ «المجتمع»، فإن الشهداء الذين خاضوا المعركة هم إياد حسين أبو حديد أبو سنينة «22 عاماً»، وعايد محمد عزت الأطرش «21 عاماً»، ومروان محمد سعيد أبو أرميلة «24 عاماً». وقال شقيق الشهيد إياد أبو سنينة إنه تعرف على جثمان شقيقه من أسنانه ومن حذاء رياضي قال إن والده كان أحضره معه من الولايات المتحدة الأمريكية لشقيقه، أما الشهيد أبو أرميلة فقال أعمامه إنهم لم يتمكنوا من التأكد من جثمانه على الرغم من أن الجثمان المحترق بشدة يعود له، وأشار هؤلاء إلى أنهم طلبوا من والد الشهيد ووالدته التعرف عليه، وقال ذوو الشهداء إن جثث أبنائهم احترقت وتقطعت أوصالهم جراء القصف الصاروخي الذي تعرضوا له وصعب التعرف عليهم إلا بواسطة العلامات الفارقة.

    وكان قائد قوات الاحتلال في الضفة الغربية المحتلة شاؤول موفاز أكد خلال مؤتمر صحفي عقده في اليوم التالي للمعركة أن قواته حاصرت المنطقة بعد أن وصلتها معلومات استخبارية من عملاء محليين لها في المنطقة تؤكد وجود خلية لمقاتلي حركة «حماس» في الحي، وأشار موفاز الذي أصيب خلال المعركة بجروح طفيفة إلى أن قواته حاصرت المنزل واستدعت تعزيزات وأطلقت الصواريخ المضادة للدبابات على المنزل كما ألقت عبوات ناسفة باتجاهه، مؤكداً أن قواته أخذت في اعتبارها هدفين أساسيين: الأول القضاء على «المخربين» أو اعتقالهم، والثاني عدم تعريض حياة الجنود للخطر، على حد قوله. وقال موفاز إن اعتقاداً يسود أوساط الجيش بأن الخلية كانت تخطط لتنفيذ هجوم كبير ضد الوجود الإسرائيلي في مدينة الخليل انتقاماً لمذبحة المصلين في المدينة قبل شهر.

    كواليس المعركة والدور الصهيوني

    وأشارت المصادر الإسرائيلية إلى أن نائب رئيس هيئة الأركان في الجيش أمنون شاحك أشرف على المعركة في إحدى مراحلها حيث نشرت الصحف الإسرائيلية صوراً له مع شاؤول موفاز في الخليل خلال المعركة، وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن أحد المقاتلين نهض من بين الأنقاض وهو مثخن بالجراح وعمد إلى إطلاق النار على جندي إسرائيلي كان يقود جرافة عسكرية أثناء عملية تجريف أحد المنازل التي جرى القتال حولها قبل أن يستشهد برصاص الجنود الذين تجمعوا في الموقع. وكانت قوات الاحتلال قد دمرت أربعة منازل في المنطقة أثناء المعركة من بينها منزل محمد مصطفى الرازم الذي تحصن بداخله المقاتلون.

    ورغم توالي الأحداث وتتابعها السريع في الساحة الفلسطينية، إلا أن معركة الخليل ستبقى علامة فارقة من علامات المرحلة الحالية للصراع العربي - الإسرائيلي؛ إذ إن الصمود الأسطوري لأفراد المجموعة المقاتلة، والذي تجلى إلى جانب الفترة الزمنية التي تمكنوا خلالها من الصمود رغم الحصار والقصف المتواصل، جاء في روايات شهود عيان أكدوا أن المقاتلين الثلاثة كانوا يخرجون أحياناً - أثناء الليلة التي تواصل فيها الاشتباك من المنزل الذي تحصنوا فيه - لإطلاق النار على قوات الاحتلال في محاولة لفك الحصار المفروض عليهم. كما أن استشهاد ستة فلسطينيين في يوم واحد دليل على أن المجزرة التي ارتكبها باروخ جولدشتاين وزملاؤه في المسجد الإبراهيمي قبل شهر لم تكن فصلاً غير منسجم مع باقي فصول احتلال إسرائيل للأراضي العربية، وهي فصول لم تعد تثير الكثير من الاهتمام لدى الساسة في المنطقة، إذ تحولت هذه الممارسات إلى مبرر لاستمرار المفاوضات السلمية بدلاً من أن تكون دليلاً على نية الطرف الإسرائيلي إزاء هذه المفاوضات ونظرية السلام الإسرائيلي القائمة على تركيع الخصم والوقوف على جثته؛ إذ لو أمكن لنا أن نتفهم مبررات الجيش في الاستخدام المفرط للقوة وقصفهم بالصواريخ فإنه لا يمكن لأحد أن يتفهم مبررات الجنود في إطلاق النار على المدنيين داخل منازلهم.

    وقد وقعت المعركة فيما كانت تواصل اتصالات فلسطينية وإسرائيلية وأمريكية لاستئناف محادثات السلام التي توقفت بعد أن فقدت الكثير من التأييد لها عقب مذبحة المصلين في المسجد الإبراهيمي، وقالت مصادر فلسطينية وإسرائيلية إن اتفاقاً تم التوصل إليه بين الجانبين لضمان أمن الفلسطينيين في مدينة الخليل قد يؤدي للإعلان عن استئناف المفاوضات، وتنص بنود هذا الاتفاق حسب المصادر الإسرائيلية على مرابطة مراقبين نرويجيين مسلحين بمسدسات للدفاع عن النفس فقط - أي لا يحق لهم استخدامها لوقف اعتداءات الجيش الإسرائيلي أو المستوطنين على المواطنين الفلسطينيين - وهو ما ينطبق كذلك على الشرطة الفلسطينية المقترح وضعها في المدينة والمفترض عملياً أن تكون ذات صفة مراقبة مع النرويجيين. وعلى افتراض قدرة مثل هذه الإجراءات على توفير حماية للفلسطينيين في مدينة الخليل، فإنها غير قادرة على توفير الحماية للفلسطينيين في بقية أنحاء الضفة الغربية من اعتداءات الجيش والمستوطنين المنتشرين في جميع أنحاء الضفة، مما يهدد بتكرار ما حدث. أما الملاحظة الثانية التي تؤخذ على الاتفاق فهي أن الفلسطينيين تجاهلوا مطلبهم السابق بتفكيك مستوطنات مدينة الخليل قبل استئناف المحادثات.

    كما سلطت أحداث المعركة الضوء على دور المتعاونين مع قوات الاحتلال في الصراع الدائر بين المقاتلين الفلسطينيين الذين يعملون في ظروف بالغة التعقيد والدقة وقوات الاحتلال التي تظهر الأحداث أنها باتت تعتمد بشكل أكبر على شبكات التجسس السرية التي أقامها جهاز الاستخبارات الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة، ويلغي كل مبررات دعاة وقف مطاردة المتعاونين القاتلة بتصوير هؤلاء كضحية للصراع.

     

الرابط المختصر :