العنوان نحو تصور سليم وتوحيد خالص.. قضايا الاعتقاد في الكتاب والسنة.. الرحمن الرحيم
الكاتب الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يوليو-1974
مشاهدات 80
نشر في العدد 209
نشر في الصفحة 35
الثلاثاء 16-يوليو-1974
نحو تصور سليم.. وتوحيد خالص
قضايا الاعتقاد في الكتاب والسنة
الرحمن الرحيم
صفات تليق بجلاله سبحانه
من آثار رحمة الله
شبهات يدحضها الحق
وصف الله تبارك وتعالى نفسه بأنه الرحمن الرحيم وقد جاء هذا الوصف «الرحمن» كثيرًا في القرآن على أنه علم على ذات الرب تبارك وتعالى أعنى في مثل المواقع التي يأتي فيها اسم «الله» «فالله» و«الرحمن» تأتيان كثيرًا في القرآن لمجرد العلمية على ذات الرب سبحانه وتعالى بخلاف بقية الأسماء التي تأتي لمناسبة الصفة التي يحملها الاسم فالعزيز والحكيم والغفور والرحيم والخالق وغير ذلك من الأسماء تأتى للدلالة على الصفة التي يحملها كل اسم ولا يأتي اسم منها للعلمية فقط كما يأتي اسـم «الله» واسم «الرحمن».
ومن المواضع التي ورد فيها اسم «الرحمن» للعلمية على ذات الرب تبارك وتعالى قوله عز وجل: - ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَٰنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ (طه:90) وكان هذا تعريفًا من هارون عليه السلام بالإله الحق وبيانًا منه أن العجل الذي عبده بنو إسرائيل ليس إلهًا. ومعلوم أن اسم «الرحمن» مشتق من الرحمة والتعبير هنا بالرحمة في مناسبة عبادة العجل غير مقصود لهارون وإنما مقصودة إعلام عبدة العجل بالإله الحق سبحانه وتعالى.
وكذلك قوله عز وجل عن يوم القيامة ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾(طه:108)، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾(طه:5) وقوله: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾ (الإسراء:110) وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ ۗ وَرَبُّنَا الرَّحْمَٰنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ (الأنبياء:112)، وقوله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ﴾ (الفرقان:60)
وفي هذه الآية الأخيرة بيان واضح أن الكفار أنكروا إطلاق هذا الاسم على الله الذي كانوا يؤمنون بوجوده وأنه الخالق البارئ الذي يملك كل شيء والذي هو رب العرش العظيم، وما أنكروا أيضًا أنه ذو رحمة فقد كانوا يدعونه في الشدة ويستجيب لهم كما قال عز وجل: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (الإسراء:67).
وإنما أنكروا هنا أن يكون الرحمن علمًا على الله سبحانه وتعالى فالرحمن علم على ذات الرب وإن كان لفظًا مشتقًا كما أن «الله» علم على ذات الرب وإن كان لفظًا مشتقًا حسب القول الصحيح «فالله» مشتق من «إله يأله إلاهة» أي عبد يعبد عبادة و «المألوه» هو المعبود المحبوب.
ومعنى أن لفظ «الرحمن» علم علــى ذات الرب أنه مخصوص به فلا يسمى غيره بهذا الاسم كما أن الله علم على ذات الرب ولا يجوز إطلاق لفظ «الله» على غيره سبحانه وتعالى.
وذلك بخلاف بقية الأسماء التي قد تطلق على غيره سبحانه وتعالى ويكون الوصف الثابت لله سبحانه وتعالى لائقًا بذاته عز وجل والوصف الثابت للمخلوق مناسب لحاله، فالعزيز والكريم، والحكيم أسماء تحمـل صفات لله عز وجل وتطلق على المخلوق أحيانًا، ولكن الثابت لله عز وجل من معاني هذه الأسماء غير الثابت للمخلوق إذا أطلقت عليه فعزة الله تبارك وتعالى لا تدانيها عزة وحكمته سبحانه وتعالى هي الحكمة التامة البالغة وكرمه سبحانه وتعالى لا يعدله كرم وهكذا.
والسر في اختصاص الرب سبحانه وتعالى باسم «الرحمن» وإن كان مشتقًا من الرحمة والرحمة قد يوصف بها المخلوق كما قال عز وجل عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة:128) وقال صلى الله عليه وسلم «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». أقول السر في اختصاص الله باسم «الرحمن» وإن كان اللفظ مشتقًا أن رحمته سبحانه وتعالى وسعت كل شيء!! كما قال عز وجل ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (الأعراف:156) وقال عز وجل: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ (غافر:7) وهو من دعاء الملائكة له سبحانه وتعالى. وهو سبحانه وتعالى يرحم خلقه كلهـم رحمة عامة وفيهم أعداؤه ومبغضوه!! ولا يتصف المخلوق بهذا!! وأما الرحيم فهو وإن كان اسمًا من أسماء الله تبارك وتعالى فإنه يجوز أن يطلق على غيره. ولذلك كان جمع الله سبحانه وتعالى بين هذين الاسمين في مثل قوله: ﴿بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيم﴾ وكقوله جل وعلا ﴿وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة:163). ليس من تكرير اسمــين متماثلين وإنما من إطلاق لفظ عام بعد لفظ خاص.
فالرحمن اسم خاص بالله عز وجل وإن كان مضمونه في الرحمة أشمل من مضمون اسم الرحيم ولذلك قال بعض السلف رحيم بالمؤمنين ورحمان بجميع خلقه.
وهذان الوصفان هما من أخص صفات الرب جل وعلا وهما وصفان حقيقيان يقومان بذات الرب سبحانه وتعالى ويتصف الله بهما على النحو الذي يليق بجلاله وعظمته. فالمخلوق وإن اتصف بالرحمة أحيانًا إلا أن الثابت لله من معاني الرحمة لائق بذات الرب سبحانه وتعالى والثابت من معاني الرحمة للمخلوق مناسب لحاله وهذه الرحمة التي يتراحم الناس بها ماهي إلا جزء يسير من الرحمة التي وزعها الله سبحانه وتعالى في عباده وقد أدخر الله سبحانه وتعالى أضعافها ليوم القيامة وقد مر الرسول صلى الله عليه وسلم على امرأة من السبي وجدت ولدها فألصقته إلى صدرها فقال أترون هذه ملقية بولدها في النار!! قالوا لا يا رسول الله قال لله أرحم بعباده من هذه بولدها!! ولذلك لا يلقى الله عز وجل في النار إلا ما لا خير فيه كما جاء بذلك الحديث الصحيح فقد سئل الرسول صلى الله عليه وسلم السؤال السابق الذي طرحه على أصحابه قالت له امرأة هذا ولدي أتراني ألقيه في النار قال لا قالت فكيف يلقى الله بعض خلقه في النار وهو أرحم بعباده مني بولدي فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم: إلا مالا خير فيه! ولذلك يخرج الله تبارك وتعالى من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان!! وليست هناك رحمة بعد هذا!!!
والرب سبحانه وتعالى وإن كان يتصف بصفات تبدو للنظر القصير تعارضها مع ما يتصف به من صفات الرحمة والرأفة وذلك نحو الجبروت والكبر، وشدة الانتقام، وسرعة العقاب وقد أعد لأعدائه مالا يخطر على بال من شدة العذاب وهوله كما قال عز وجل ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ (الفجر:25) وسيأتي هذا مفصلًا إن شاء الله عند بحث صفات «الغضب والجبروت وأشباهها من الصفات» أقول الرب يتصف بهذه الصفات وتلك ولا مناقضه في ذلك ولا منافاة وذلك إنه ينزل سبحانه وتعالى أثر كل صفة من هذه الصفات في مستحقها وفي أماكنها.
فرحمة الله تتنزل حيث من يستحقها وما يستحقها وكذلك غضبه وانتقامه وشدة عذابه سبحانه وتعالى لا تنزل إلا على أهلها كما قال عز وجل ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ (سبأ:17) والمجازاة هنا هي العقوبة.
ومع ذلك أيضًا فإن صفة الرحمة عند الرب تبارك وتعالى تغلب صفة الغضب كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: إن الله لما خلق الخلق كتب في كتاب عنده فوق العرش أن رحمتي سبقت غضبي وفي رواية غلبت غضبي. والسبق أيضًا بمعنى الغلب كما قال عز وجل: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ (الأنفال:59) أي غلبوا!! وكقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن يسبقونا﴾ (الجاثية:21). أي يغلبونا تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
فصفات الرحمة عند الله سبحانه وتعالى سابقة صفات الغضب ولذلك يرحم الله كثيرًا من الأشرار والفجار والكفار بمجرد توبتهم ورجوعهم إليه وفيهم من سبه وشتمه سبحانه وتعالى، بل ومن قتل أولياءه وانتهك حرماته وداس مقدساته، ونسب الولد إليه ومع ذلك إذا تابوا ورجعوا قبل توبتهم ورحمهم، بل وبدل سيئاتهم إلى حسنات فسبحانه من رب رحيم.
من آثار رحمة الله سبحانه وتعالى
جاء في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضى الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءًا، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا من ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه». وهذا يعني أن الرحمة التي نعرف آثارها من تراحم الناس بعضهم بعضًا، ورحمة الإنسان للحيوان والحيوان لصغاره إنما هي أثر يسير مما أودع الله هذه الدنيا من رحمة. وإنزال هذه الرحمة في قلوب المخلوقات لا شك أنه بسبب الرحمة التي يتصف بها الرب جل وعلا فالرب رحيم يحب الرحماء وقد غرز الرحمة في بعض القلوب غريزة فطرية وذلك ليرحم الآباء والأمهات صغارهم، ولولا ذلك لقطع النسل، وما كلفت أم ولا أب نفسيهما بتربية أولادهم وأمر التربية وكلفتها ظاهر فكم من الأم تتحملها الأمهات والآباء في تربية الأبناء وغالبًا ما تكون التربية دون طلـب ورجاء للعوض من الأبناء، بل يحرم الأب والأم أنفسهما من الطيبات توفيرًا وإدخارًا للذرية. ولا شك أن هذه فطرة وغريزة قبل أن تكون خلقًا وتكلفًا. وهذا من فعل الله تبارك وتعالى فسبحانه الله من إله رحمن رحيم.
ومن هذه الرحمة قوله تبارك وتعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ﴾ (الروم:21). «وجعل» في هذه الآية التي تكررت مرتين بمعنى خلق لنا الزوجات وخلق هذه المودة والرحمة التي تغرس في القلوب بعد الزواج.
وعلى أساس هذه الرحم الفطرية الغريزية تقوم الحياة ويبقى النوع في الإنسان والحيوان ولولا ذلك لانقطعت الذرية وعم الفساد في الأرض.
ومن أكبر مظاهر رحمة الله في الكون هذه السنن المقامة لتقوم حياة الإنسان فالله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. ويسر كل مخلوق إلى أسباب عيشه وحياته، ويسر له أسباب رزقه. ومن أكبر أسباب الرزق في الأرض المطر ولذلك سماه الله رحمة. وقال عنه ﴿فَانظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (الروم: 50).
ومن رحمة الله البالغة بعباده إرسال الرسل وإنزال الكتب لهدايتهم وإرشادهم لما يصلحهم في الدنيـا والآخرة. ولذلك قال في القرآن: ﴿تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ (فصلت:2) وقال في شأن خاتم الرسل صلى الله عليـه وسلم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107) وقال عن التوراة: ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ (الأحقاف:12)
فجعل التوراة إمامًا أي هداية وقائدًا ومرشدًا إلى الخير ورحمة لأهلها أن تمسكوا بها. كما جعل القرآن هداية ورحمة للمحسنين فقال سبحانه وتعالى:
﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ (لقمان:1-5)
بل إن الله سبحانه وتعالـي جعل كل رحمة حتى ما يتكلفه الإنسان ويكتسبه ويحاوله رحمة من عنـده سبحانه وتعالى وذلك أن كل خير في الأرض أو في النفس إنما هو من فعل الرب تبارك وتعالى على الحقيقة ولذلك قال لرسوله صلى الله عليه وسم بعد غزوة اُحد وعفوه عن الرماة الذين نزلوا من الجبل وكانت بسببهم الهزيمة ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران:159) فرحمة الرسول لأصحابه المؤمنين الذي خالفوا أمره على الجبل كانت من الله سبحان وتعالى إذ هو المرشد إلى كل خير والدال عليه والميسر له والملهم بــه سبحانه وتعالى.
وخلاصة هذه الفرعية هي أن نوقن أنه ما من خير في الكون يصح تسميته بالرحمة إنما هو من الله سبحانه وتعالى الرحمن الرحيم.
ولعلك تدرك بعد ذلك حكمة البسملة «بسم الله الرحمن الرحيم» في مقدمة كل أمر ذي بال كفواتح السور والكلام والطعام وأن ذلك إنما كان لتعلم أن ما تقدم عليه من رحمة إنما هو بسم الله الذي هيا أسباب هذا وانزل رحمته ونشرها سبحانه وتعالى.
شبهة وجوابها
يرد على هذه العقيدة شبهة معروفة هي قول بعض الملاحدة من القدماء والمحدثين: «إذا كان الله رحيمًا ورحمانًا على هذا النحو فلماذا نشاهد في الكون كثيرًا من القسوة والظلم والآلام الجسدية والنفسية الهائلة. فالزلازل والبراكين التي تجتاح بلدانا بكاملها، والعواصف المدمرة، وظلم الإنسان لأخيه الإنسان وقتله له، بل والأمراض المعدية والأوبئة الماحقة، والآلام النفسية الهائلة التي يتعرض لها كثير مــن الناس في حياتهم. لم خلق الله كل هذا؟ ولم فعل هذا وهو الرحمن الرحيم؟!!
يقول عبد الله القصيمي في كتابه «هذا الكون ما ضميره»؟
«إن كل ما في الكون من جمال لا يستطيع أن يكون غفرانًا أو اعتذارًا عن أية دمامة يعاني منها أي إنسان لأن كل ذلك الجمال لن يستطيع أن يجعل دميمًا واحدًا يشفي من دمامته أو من شعوره بها، ولا أن يكون عزاء أو تعويضًا له عنها». وهذا القول وإن كان طعنًا في حكمة الله ورحمته سبحانه وتعالى وازدراء لخلق هذا الشر النسبي مع هذا الخير العام إلا أن قائله لا يورد هذه الشبهة لأنها هي شبهته التي منعته من الإيمان فهو منكر لوجود الخالق أصلًا ولذا فهذه الشبهة منه من تناقضه وحيرته وتخبطه والعياذ بالله فهو يقول: «لقد عاش الإنسان طويلًا يقتات بخطأ شهير كبير، لقد ظل يؤمن بوجود قدرة مطلقة، وكان يتصور ذلك دون معاناة كان ولا يزال يتصور ذاتًا لا حدود لأبعادها ولا لأعماقها».
وهذا فيه التخليط والكذب على المؤمنين الشيء الكثير فالله سبحانه وتعالى في حس المؤمن وتصوره ليست ذاتًا مطلقة، ووجود الله الذي يؤمن به المؤمن ليس وجودًا مطلقًا بل ذات الله موصوفة بصفات الكمال، ووجود الله سبحانه وتعالى وجود حقيقي يتصور المؤمن فيه رؤية الله وسماع كلامه وأما الذين جعلوا وجود الله وجودًا مطلقًا فهم أهل وحدة الوجود من الملاحدة التي وصفوا الله وصفًا عدميًا مطلقًا يتصور في الأذهان ولا حقيقة له في الخارج يصح أن يوصف بها وأما إيمان المؤمنين بالله فغير ذلك والمهم أن الشبهة السابقة التي ترد على اتصاف الله عز وجل بالرحمة شبهة قديمة حديثة وذلك من تشابه قلوب الكافرين قديمًا وحديثًا كما قال تعالى ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾( البقرة: 118) وذلك أن المعلم واحد وهو الشيطان. وجواب هذه الشبهة قد فصله الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم كل التفصيل.
وجواب الله فيما يأتي:
أولًا: أهلك الله سبحانه وتعالى كثيرًا من الأمم السالفة كقوم نوح وعاد وثمود ومدين وقرى لوط «المؤتفكات» وقرونًا من ذلك كثيرًا وقد أخبر سبحانه وتعالى أنه قد أعذر إليهـم بإرساله الرسل وإقامة الحجة عليهم ودعوتهم جميعًا للإيمان دعوة سلمية بعيدة عن الغرض والهوى والمنفعة الدنيوية وأن جميعهم قال لقومه ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾ (هود:84) وقال ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ (الشعراء:109)
ولقد كانت ردودهم متشابهة ﴿ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۖ﴾(إبراهيم:13)، ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ (هود:91)، ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (النمل:65)، ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ (الشعراء:29)، ﴿ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ (البقرة:258)، وكلها أجوبة تدل على الكبر والعلو على أمر الله واحتقار الرسل وازدرائهم: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (الأعراف:60) ﴿ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾(الأعراف:66)، ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ ( الإسراء:47)، ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ (الزخرف:52)، ﴿أَهَٰذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ (الفرقان:41)
﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ (القلم:51)، ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ (الحجر:6)، فقد كانت ردودهم جميعًا في منتهى السفاهة والحمق والتكبر على أمر الله الذي لا يطلب منهم أكثر من الإيمان به سبحانه وتعالى وعدم الشرك به.
ولذلك فقد كان إهلاك الله لهم عدلًا ورحمة، بل نعمة من نعمه سبحانه وتعالى على الكون والناس ولذلك قال تعالى ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَىٰ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ (القصص:59)، وقال ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الأنعام:47)، وقال ﴿ذَٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ (الأنعام:131).
أي دون أن يقيم عليهـم الحجة ويرسل لهم الهداية ويعذر إليهم سبحانه وتعالى. بل ما كان يأتيهم العذاب إلا وقت ظلمهم وطغيانهم واليأس من صلاحهم ورجوعهم كما قال عز وجل:
﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ (الزخرف:55)، وذلك عن قوم فرعون، وقال سبحانه وتعالى في سورة هود بعد أن قص ما انتهى إليه أمر المكذبين بالرسل من قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم شعيب وقوم فرعون، ﴿ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡقُرَىٰ نَقُصُّهُۥ عَلَيۡكَۖ مِنۡهَا قَآئِمٞ وَحَصِيدٞ *وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡۖ فَمَآ أَغۡنَتۡ عَنۡهُمۡ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ لَّمَّا جَآءَ أَمۡرُ رَبِّكَۖ وَمَا زَادُوهُمۡ غَيۡرَ تَتۡبِيبٖ * وَكَذَٰلِكَ أَخۡذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلۡقُرَىٰ وَهِيَ ظَٰلِمَةٌۚ إِنَّ أَخۡذَهُۥٓ أَلِيمٞ شَدِيدٌ﴾ (هود:100-102) فقد أهلك القرى بظلمها وما ظلمهم الله سبحانه وتعالى.
وليس بالله سبحانه وتعالى حاجة إلى تعذيب خلقه، بل هو الغني سبحانه وتعالى عن ذلك كما قال عز وجل:
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (الأعراف:96)، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ ﴾ (المائدة:66)، وقال عز وجل: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ﴾(النساء:147)، أي ماذا يريد الله من عذابكم وما يفعل بهذا العذاب وهو لا يشتفي به من مرض تعالى عن ذلك ولا يتسلى به و يتلهى تعالى عن ذلك بل هو الرحمن الرحيم الغني الكريم الكبير المتعال سبحانه وتعالى.
ثانيًا: ابتلى الله سبحانه وتعالى بعض خلقه من المؤمنين والكافرين بمصائب جزئية لا تنافي اتصافه سبحانه وتعالى بأنه الرحمن الرحيم بل هي تؤيد اتصافه بذلك سبحانه وتعالى وهذه المصائب الجزئية سواء كانت مرضًا أو نقصًا في الأنفس والثمرات أو إعصارًا أو بركانًا فإنما كان ذلك تذكيرًا وتنبيهًا إلى سنن الله في الكون وأنه الفعال لما يريد سبحانه وتعالى وحتى يلجأ المضطرون إليه ويستكينوا لربهم ويعرفوه حق معرفته فيعبدوه حق عبادته كما قال عز وجل ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ (الأنعام:42)
إذن فالبأساء والضراء وهي أنواع من الشر إنما كانت من الله ليتضرع الناس إلى ربهم إذا رأوا قدرته عليهم وقهره لهم فإن فعلوا ذلك زال ما بهم من ضر، ولكن!! قست قلوب كثير من الناس كما قال عز وجل: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام:43) ومن قسوة هذه القلوب أنهم نسبوا الضر والخير إلى الأيام فقالوا هذه شيمة الأيام وسنة الليالي ولا حكمة وراء ذلك. كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ (الأعراف:94) ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوا﴾!!(الأعراف:95) فانظر كيف عاملهم الله باللين بعد الشدة وقد كانت الشدة حتى يتضرعوا إلى ربهم، ولكن انظر بعد ذلك كيف كان ردهم على تذكير الله لهم: ﴿وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ (الأعراف:95) أي ما حدث لآبائنا فلا حكمة ولا غاية ولا هدف!!
وإنما هي شيمة الأيام والليالي فهل يبقى بعد هذا لأولئك الأقوام الذين كذبوا الرسل ولم يستفيدوا بالسنن الكونية والآيات المشاهدة المرئية إلا الإهلاك والاستئصال ولذلك قال تعالى بعد ذلك: ﴿فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (الأعراف:95).
وأما بالنسبة للمؤمنين فإن للابتلاء لهم بالشر في الدنيا حكم طويلة سيأتي شرحها وبسطها في مقام آخر إن شاء الله تعالى... ومن حيث الإجمال هي للتربية وما عبر الله عنه بالتمحيص ليصلب عود المؤمن وتقوى شكيمته ويزداد إيمانه وللتمييز أي ليميز الله الخبيث من الطيب فقد كان مع الرسول من زعم الإيمان ووقف مع المسلمين في صف واحد ولكنهم عند الشدة قالوا: ﴿مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾!!(الأحزاب:12) وقالوا: ﴿يا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ (الأحزاب:13) وقالوا: زعم محمد أننا سنفتح ديار كسرى وقيصر ولا يجد أحدنا مأمنًا ليقضى حاجته!! وأمثال هؤلاء الأدعياء لا يميزهم عن الصف المؤمن إلا الابتلاء وذلك كان سنة ثابتة في الدعوات كلها وفي اتباع الرسل كلهم كما قال تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت:2)!! وقال عز وجل: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ (محمد:31)، وهي لتحصيل منزلة الصبر واليقين بالآخرة كما قال تعالى ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة:155-157)
هذا والشر والعقوبة والفساد الحادث في النفس والأموال وإن كان من خلق الله سبحانه وتعالى فإنما هو بسبب معاصي الناس مؤمنين وكافرين كما قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم وهو اتقى أهـل الأرض ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ (النساء:79)!! وقال للمؤمنين بعد هزيمة أحد: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ ﴾(آل عمران:165) وسيأتي لهذا تفصيل آخر في قضايا القضاء والقدر إن شاء الله تعالى وقال أيضًا جل وعلا، ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (الشوري:30) أي لا يحاسب على كثير من السيئات في الدنيا بل يؤجل ذلك ليوم القيامة كما قال عز وجل: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ (فاطر:45). فالفساد الحادث في الأرض إنما هو بما كسبت أيدي الناس كما قال تبارك وتعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ (الروم:41) والفساد هنا هو المرض والآفة وقلة المطر وغير ذلك. ولذلك قال سبحانه وتعالى بعد ذلك: ﴿لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم:41) فهي عقوبة عاجلة من الله سبحانه وتعالى ليرجع الناس إلى ربهم وخالقهـم فيتضرعوا له ويذعنوا لأمره سبحانه وتعالى فهل يفعلون؟! ولكن قست القلوب وانطمست البصائر فلم تستفد بآيات الله المرئية في الكون كما لـم تستفد بآيات الله المتلوة في الكتاب!!
العقوبة تعم
هذا وإذا كانت العقوبة تتعدى مجالها أحيانًا فيهلك القوم وفيهم الصالحون فإن هذا شر لابد منه كما قال عز وجل: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ (الأنفال:25)!! فالفتنة لا تنتقى الظالمين خاصة، ولكنها تعم.
وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يغزو جيش الكعبة فيخسف بأولهم وآخرهم!!» فقالت السيدة عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم سوقتهم ومن ليس منهم!! قال: «يخسف بأولهم وآخرهم ويبعثون على نياتهم» وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم بأجوج ومأجوج هكذا، وحلق رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصبعه الإبهام والسبابة. فقالت إحدى زوجاته يا رسول الله انهلك وفينا الصالحون؟!
قال نعم: إذا كثر الخبث. فانتقاء الصالحين وإنجاؤهم وإهلاك الظالمين وحدهم كان في الأمم السابقة وأما في أمة محمد التي شاء الله عز وجل أن يبقى فيها الخير والشر إلى يوم القيامة فإن البلاء يعم صالحيهم مع الظالمين منهم أحيانًا ثم يبعثون على نياتهم كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الأنفال:33) وذلك جوابًا لطلب الكفار أن تنزل عليهم حجارة من السماء أو يأتيهم العذاب الأليم الذي توعدهم الله تبارك وتعالى بـه ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الأنفال:32) وأما الذين تعدى إليهم الشـر والمصيبة فإن الله سبحانه وتعالى لا يضيع أجرهم ولا ينقصهم من جزاء مصيبتهم شيئًا إن كانوا مؤمنين كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: «من ابتليته بفقد حبيبته فصبر فله الجنة» أي عينيه.
فمن صبر لفقد بصره عوضه الله الجنة لذلك وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قتيل الهدم شهيدًا وكذلك المطعون والمبطون والغريق والحريق وكل هؤلاء قد أصيبوا بمصائب عظيمة يكفر الله بها ذنوبهم ويكتب لهم بها الشهادة وكذلك المرأة تموت في نفاسها شهيدة لها الجنة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يحرها ولدها بسرره إلى الجنة»!! بل إن المؤمن يجزى بالشوكة فما فوقها فسبحان الله الرحمن الرحيم الذي لا يضيع لديه عمل صالح ولا يظلم الناس شيئًا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون ولهذا المعنى شرح مبسط في مكان آخر إن شاء الله تعالى.
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل